بين “مسيو جيرار” و”الأخ هارون”.. الإسكندرية من الخواجات إلى السلفيين

لم يتقابل بطرس أنترانيك “81 سنة”، الأرمني الأصل، مع هارون سنس وات “33 سنة” الفلبيني بالرغم من أنهما يعيشان الآن في مدينة واحدة لا يفصل بينهما سوى دقائق، لكن ما يجمعهما أن الإسكندرية جذبتهما معا، الأول جاء أبوه مع الجيش التركي ووقع في غرام المدينة واستقر بها وأنجب “بطرس” الذي لم يكمل تعليمه، والثاني من الأقلية المسلمة.. ترك بلاده، واختار الإسكندرية التي يراها مدينة الثقافات، ليتعلم العربية بها.

لكل من بطرس الشهير بـ”جيرار” وهارون قصة مع الإسكندرية تستحق أن تروى، تختلط فيها، كلمات هارون – الذي رفض الحديث معي إلا بإذن أساتذته – بقطرات العشق للمدينة التي تقطر من كلمات “جيرار”، الذي استقبلني بود وترحاب يليق برجل يبدو أنه مصري حتى النخاع رغم أصله الأرمني.

ينتمي هارون لأسرة مسلمة من دولة الفلبين ذات الأغلبية المسيحية، وهو يرى أن المسلمين في بلاده غير متدينين، وهو ما دفع هارون لأن يقوم بعمل بحث على شبكة المعلومات الدولية “الإنترنت” ليعرف كيف يتعلم اللغة العربية وكذلك تعاليم الدين الإسلامي.

وجد هارون مراكز كثيرة لتعليم اللغة العربية في العالم، على شبكة الإنترنت، لكنه اختار معهد قرطبة بالإسكندرية، الذي سبق وسمع عنه من أصدقائه في مختلف دول العالم.

جاء والد “جيرار” الأرمني الأصل إلى الإسكندرية مع الجيش التركي عام 1926 وكان وقتها ضابطا فى الجيش التركي منذ الحرب الأولى، واستقر بها مع زوجته، وأنجب “جيرار” ، الذي يبلغ من العمر الآن 81 سنة، واسمه الحقيقي هو بطرس أنترانيك أسوريان ويعمل في “الزنكوغراف”، وهو أب لبنت اسمها “فارسين” تعيش فى أمريكا وولدين هما “أرام” الذي يعيش فى أمريكا أيضا و”ليفون” المقيم بالإسكندرية.

في العام الماضي جاء هارون إلى معهد قرطبة مع أصدقائه من دول ألمانيا وبلجيكا وروسيا والفلبين، وكلهم أيضا مسلمون، ويقول هارون الذي يعمل صحفيا في دولته أنه لا يهتم باسم المعهد وكل ما يشغل باله هو تعاليم الدين الإسلامي –على حد قوله- لأنه يعيش فى دولة معظم ساكنيها مسيحيون ولا يتحدثون العربية، ولذلك فكر فى المجيء لمعهد قرطبة الذي يهدف فى الأساس لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.

أما مسيو جيرار فقد دخل مدرسة “أمريكا نيشن” ليتعلم اللغة العربية رغم أنه كان يدرس في البداية في مدرسة “بوغسيان” الأرمنية وأصيب في أثناء حصة الرياضة ولم يتمكن من دخول الامتحانات لذلك دخل مدرسة أخرى ليتعلم العربية لكنه في النهاية لم يكمل تعليمه لأنه كان يحب العمل منذ صغره وخاصة مهنة “الزنكوغراف” ووجد نفسه ينجح فى العمل أكثر من التعليم “مكنتش غاوي دراسة”، ولذلك قرر أن يترك المدرسة.

رغم أن معهد قرطبة معروف لدى عدد من الأوروبيين المهتمين بالدراسات الإسلامية، إلا أننا توصلنا إليه بعد رحلة بحث استغرقت ساعتين لنصل إلى شارع نبيل حمدي في حي ميامي بمحافظة الإسكندرية والذي تقع فيه الفيلا الخاصة بالمعهد، يقع المعهد وسط منطقة سكنية ووسط عمارات كثيرة ولم يعرف ساكنو المنطقة حتى اسمه، حيث قمنا بسؤال أشخاص كثيرين عنه فى المنطقة نفسها لكنهم لم يعرفوا مكانه وأصابتهم الدهشة من وجود المعهد وكأنه غير موجود بالمكان.

عندما كنت في طريقي إلى المركز الثقافي اليونانى بالإسكندرية استوقفت رجلا يبدو من ملامحه وطريقة تصفيف شعره ولون بشرته، أنه غير مصري، سألته هل هو يوناني؟ فغضب مني وقال لي بفخر “أنا أرمني مش يوناني ..فيه فرق كبير”، ودار بيننا حديث لمدة دقائق عرفت بعدها أن اسمه “ليفون” ثم اصطحبني إلى “ورشة الزنكوغراف” التي يملكها والده “مسيو جيرار”، بالقرب من المركز الثقافي اليوناني.

عند وصولي إلى ورشته لمست مدى حب جيران “مسيو جيرار” له فهو معروف هناك أكثر من المركز اليوناني نفسه. استقبلني الرجل بود شديد وابتهج عندما عرف أنني صحفية وأريد التحدث معه عن حياته في الإسكندرية، أما “عم جميل” الذي يناديه رفاقه بـ”الراجل الطيب” فقد ترك عمله وأسرع ليحضر لي مشروب الليمون. حكى والد “ليفون” بفخر قصته مع الإسكندرية منذ مجئ والده إليها قبل 84 سنة.

وصلت إلى معهد قرطبة، بصحبة الزميل الصحفي أحمد صبري وعندما دخلنا كان وقت صلاة المغرب ولم نجد بالمعهد سوى “هارون” الطالب الفلبيني الذي ابتسم فى وجهنا ورد تحيتنا بلغة عربية مكسورة، لكن سرعان ما تحولت هذ الابتسامة إلى ارتباك وقلق بمجرد معرفته أننا صحفيين، جئنا لنعرف المزيد عن المعهد ونشاطه.

كان المظهر موحدا لمن يبدو أنهم أساتذة ومدرسين في المعهد، حيث يرتدي معظمهم الجلباب أو البنطلون القصير وتكسو وجوههم اللحى الطويلة، وبدى على وجوههم أيضا التجهم بمجرد رؤيتنا. وبدأ هارون يتبادل نظرات القلق والريبة بينه وبين أساتذة المعهد الذين جاءوا بعد انتهائهم من الوضوء.

بإبتسامة قال جيرار “أنا أرمني الأصل، ورغم ذلك أصبحت مصرى وبحب بلدي مصر وأولادي وأحفادي خدموا فى الجيش المصري والناس هنا بيخافوا عليا أكتر من نفسهم”.

يرى جيرار الذي يمتلك مزرعة أن “عبد الناصر حاول أن يجعل مصر دولة رائدة فى العالم لكنه فشل لأن فكرة (الفقير يرفع رأسه) لم تكن سليمة حيث قام بتأميم الشركات وهو ماساهم فى تدهور البلد كثيرا لأن الحكومة فشلت فى إدارة المصانع التى أخذتها من الأجانب”.

بعد التأميم لم يستطع كثير من الأجانب أن يستمروا فى الحياة فى مصر فتركوا “مصانعهم ومحلاتهم التجارية وكانت فرصة كبيرة للمصريين للاستيلاء على ممتلكات الأجانب لذلك فالتأميم جاء فى صالح المصريين بشكل يضر كل الأجانب فى مصر”.

“الأجانب من جميع دول العالم” هذا ما رد به الأستاذ محمد علي، مدرس اللغة العربية بمعهد قرطبة، عندما طلب منا أن يعرف سبب زيارتنا للمعهد وأخبرناه أننا نريد أن نعرف طبيعة الطلاب الوافدين للمعهد، الأستاذ محمد هو الوحيد الذي بقي يتحدث معنا بساحة الاستقبال بالمعهد بعد أن ذهب الجميع لصلاة المغرب وأخذوا معهم هارون، الذي يعتبر واحدا من عدد لم نعرفه من الأجانب الذين جذبهم المعهد إلى مدينة الإسكندرية.

“الإسكندرية اختلفت كثيرا عن ما كان قديما” – يقول جيرار- الذي يرى أنها كانت العاصمة الثانية لمصر قديما، أما الآن فهي “أصبحت عاصمة على الورق وبس”، كانت مختلف الجنسيات تستطيع أن تعيش فى الإسكندرية لكن الآن “الجميع يفضل أن يعيش مع اللى منه واللى زيه”.

تمتم جيرار “لم تعد الاسكندرية حاضنة للأجانب زي زمان، فهناك أشخاص دسيسة دخلت الإسكندرية لتعكر صفوها وتخسر علاقات الناس مع بعضهم ولذلك يغادر الأجانب وكذلك المصريين الإسكندرية”. يضيف “عن نفسى كنت مستفيدًا جدا من الإسكندرية، وكنت بتمتع بحياة راقية أما الآن أصبحت ميزانية البلد تنحصر فى ناس فوق أوى وناس تحت أوي، حتى زمان كنا بنهدى الدول الأخرى علماء ودكاترة وفنيين يعنى احتلناهم بالعلم أما الأن معندناش اللى يكفينا يعني طبيعة البلد اتغيرت”.

لم أسأل عن طبيعة عمل المعهد ولم أوجه أي اتهام أو حتى تلميح لكن الأستاذ محمد علي استبق أي أسئلة بقوله: “نشاط المعهد هو تعليم اللغة العربية، وذلك أمر غير مثير للدهشة أو العجب كما حدث مع الكثير، حيث يوجد في كلية الآداب بجامعتي القاهرة والإسكندرية قسم خاص بتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وأكثر الطلاب الوافدين إلينا من دول الاتحاد السوفيتي الذي تم حله وكذلك روسيا لأن عدد المسلمين هناك كبير”.
وتابع: “إحنا بنقبل الطلاب المسلمين وغير المسلمين سواء مسيحيين أو يهود أو حتى من ليس لهم ملة أصلا، لأن كل ما نهتم به هو تعليم اللغة العربية بعيدا عن الدين والملة، وهو معهد خاص غير تابع لأي جهة”. قبل أن يكمل محمد حديثه عاد الجميع من صلاة المغرب ودخل هارون مسرعا إلى الغرفة الخاصة بالدراسة وعندما طلبنا أن نتحدث معه رفض بشدة وبعد إلحاحنا عليه قال لنا “لن أتحدث معكم إلا بإذن من المدرسين”، وأذنوا له لكن بعد أن جلسوا معنا لمدة 10 دقائق؛ ليتحققوا من شخصيتنا.

يؤمن جيرار بفكرة أنه “لا يوجد فرق بين مسلم ومسيحى لكن هناك أشخاص يريدون تحطيم مصر التى تعتبر جوهرة البلاد العربية كلها”.

وحول أحداث انفجار كنيسة القديسين قال جيرار “المصري ميعملش كده.. كل جيرانى المسلمين المصريين بيغضبوا لو حد بصلى بصة وحشة يبقى مستحيل يعملوا فينا كده”.

بدت مظاهر الخوف والقلق على أساتذة المعهد من مجيئنا إليهم، وخاصة المدرس الحاصل على الماجستير في اللغة العربية، فهو ملتحي ويرتدي بنطلون قصير وجاكت، حيث تحدث معنا بشدة وغضب قائلا “إيه اللى يضمن لنا إنكوا متكتبوش عننا كلام مش كويس” وكان ردنا عليه “الضامن هو الله” وهو ما جعلنى أتساءل عن سبب ارتباكهم، فأجابوني أن هناك صحفيًا بمجلة ألمانية جاء إلى المعهد على أنه طالب يريد أن يدرس العربية وبعد فترة ترك المعهد وعاد إلى ألمانيا وكتب موضوعا يسيء للمعهد، ويقول أنه أحد مظاهر التطرف في الإسكندرية.

عندما جاء هارون لأتحدث معه أجاب على الأسئلة التى وجهتها إليه بنفس طريقة التبرير والدفاع التى كان يتحدث بها أستاذه محمد على، وزميله الملتحي الآخر- الذي لم أعرف اسمه- وكان قبل كل إجابة ينظر إلى مدرسيه وكأنه يراجعهم في الإجابة ، وكان يتعمد بعد كل سؤال أن يتظاهر بعدم الفهم وعندما كنت أقوم بالتوضيح له يظل يتظاهر بعدم الفهم حتى يقوم أحد مدرسيه بشرح السؤال له وبعدها يرد عليه.

أسئلتي لهارون لم تكن صعبة أو توحي بالقلق أو الخوف كما بدى عليه، ولكنها تدور حول عمره ومهنته وسبب مجيئه للمعهد واختياره له وخاصة الفرع الموجود بالإسكندرية.
في طريق العودة للقاهرة عبرنا أمام مسجد القائد إبراهيم، ولا تخطئ عين هذا التجمع من السلفيين أصحاب اللحى الذين يرتدون الجلباب القصير، والذي يبدو أي شاب حليق بينهم غريبا في المدينة الساحلية.

تذكرت ما قاله مسيو جيرار “الإسكندرية تغيرت”، ولم أكن محتاجة لتذكر هارون لأدرك أن عروس البحر المتوسط فعلا تغيرت.

الأهرام

http://gate.ahram.org.eg

Leave a Reply

Your email address will not be published.