المروانيون في أرمينيا

Bagratuni_Armenia_1000-hy.svg

أسس المروانيون أول إمارة كردية في القسم الجنوبي ـ الغربي من أرمينيا الكبرى بمبادرة من أبي عبد الله الحسن دوستاك الهاربوختي الذي كان راعياً قام بغزوات سلب عديدة ووصل إلى منطقة خيزان. وبناء على أقوال ابن الأثير كانت أرجيش المدينة الأولى التي استولى عليها هذا الزعيم الكردي.

نستنتج أن موقع نشاطاته كانت المقاطعات الأرمنية حول بحيرة فان. ونرى في كتابات المؤرخ الأرمني المعاصر أصوغيك تأكيد على استيلاء هذا الكردي على خلاط ونبركرت ومنازكرت في هذه الحقبة الزمنية.

جرى احتلال منازكرت في فترة الحرب الأهلية التي نشبت بين الإمبراطور باسيل الثاني وبارداس سكليروس.

تتشكل أملاك هذا الكردي من أغجنيك والمناطق الواقعة إلى الجهة الشمالية والجنوبية من منطقة فان. أفلح أبو عبد الله بعد ذلك في احتلال آمد وMedzpin والموصل سنة 983م إلا أن هجومه على بغداد باء بالفشل وفقد بالتالي مدينة الموصل رغم انسحاب الحمدانيين القاطنين في مناطق آمد ونبركرت واستقرارهم في مدينة حلب. لقد وصلت جرأة هذا الزعيم الكردي إلى حد اجتياح منطقة تارون التي كانت بحوزة البيزنطيين. سلب هؤلاء الغزاة وهدموا جميع مناطق هذه المقاطعة وحولوا مدينة موش إلى أنقاض وذبحوا رجال الدين في “كنيسة المخلّص”.

جرت هذه الأحداث في وقت عندما كان بارداس فوكاس، الموالي للإمبراطور باسيل الثاني، يحتل منصباً كبيراً في آسيا الصغرى بعد دحره لبارداس سكليروس وإكراهه على الفرار إلى العرب حيث قُبض عليه. وعندما سمى بارداس فوكاس نفسه إمبراطوراً أخلى العرب سراح سكليروس وقدموا له جيشاً مؤلفاً من الجنود المسيحيين.

قام عبد الله الحسن وزعماء العشائر العربية بدعمه. وكان ولدا أمير تارون كريكور وبقْرات وزابرانيك أمير موك من الموالين له بشكل غير مباشر.

مع ذلك إندحر سكليروس أمام بارداس فوكاس وقُتل بعد سنتين في القسطنطينية عام 989م ووصلت الحرب الأهلية في بيزنطة إلى نهايتها. ويخبرنا المؤرخ الأرمني أصوغيك أيضاً أنه كان لدى سكليروس “جيش من الجنود التاجيك” فقد احتل المناطق الجنوبية من أباهونيك أي أملاك عبد الله الحسن على طريق تقهقره. حاول هذا الأخير احتلال الموصل ثانية عام 990م لكنه انكسر وقتله الحمدانيون قرب طور عابدين.

بعد وفاة عبد الله الحسن سقطت إمارته لأنها كانت غير راسخة الأساسات. وكان من أسباب ظهور مملكة عبد الله استغلاله الجيد للوضع الناشئ في مملكة البقراتونيين وانهيار الحمدانيين وزوال القيسيين وانشغال بيزنطة بأحوالها الداخلية بشكل كامل. وبعد وفاة هذا الزعيم الكردي بدأ دافيد ذهبي الفم أمير Tayk، الذي فشل في الاستيلاء على منازكرت، هجوماً مباغتاً وتمكن من احتلال المدينة ونقل جميع السكان العرب إلى أماكن أخرى وجلب الأرمن والإيبيريين (الأرمن النسطوريين) وأسكنهم في المدينة. وكانت هذه الخطوة عملاً استفزازياً تجاه العالم الإسلامي لذلك بعث الزعماء المسلمون يحذّرون الأمير الأرمني ويتهددونه بشن الحرب.

وصل جيش مسلم بقيادة مملان الروادي، صاحب آذربيجان، ووقف عند قرية كوستيانك في مقاطعة كاغكوتن. فخرج جيش أرمني-إيبيري قوي مشترك يتألف من جيش كاكيك أردزروني في أرمينيا والأمير الأرمني عباس في قارس ودافيد ذهبي الفم في تايك وبقْرات في إيبيريا لصد الهجوم فوقف عند مدينة Vagharshapat. وأمام هذا الجيش الجرّار آثر مملان على التقهقر.

كان عداء السكان العرب تجاه الأكراد ظاهراً في هذه الفترة. لذلك لم يفوّت سكان نبركرت، الذين كانوا إلى جانب الحمدانيين، أية فرصة لقتل أي كردي يلتقونه في السوق. وكانت العاقبة قيام حاكم نبركرت الكردي Mamma بالإجراء التالي ضد السكان العرب في عام 384هـ= 994-995م: أمر الحاكم بإغلاق البوابات عند خروج السكان من المدينة في اليوم الأول لعيد الأضحى وسمح لبعض المغادرين بالعودة إلى المدينة. أوعز بعد ذلك بإبادة جميع العناصر غير المرغوبة في المدينة. ويؤكد المؤرخ الأرمني المعاصر أصوغيك على حقيقة هذه الأحداث ويستطرد قائلاً إنه لم يبقَ في المدينة سوى الأرمن والسريان. إلا أن هذا الأمير الكردي دفع ثمناً باهظاً بسبب ممارساته المناهضة للعرب لأنه قُتل بعد فترة من قبل سكان مدينة آمد.

خلفه شقيقه ممهّد الدولة أبو المنصور سعيد بن مروان ولكن أمير آمد رفض الخضوع له إلا أنه قبل مع ذلك بدفع الجزية.

حدث زلزال كبير في عام 995م في منطقة أرمينيا الرابعة الخاضعة لبيزنطة فسبّب دماراً هائلاً في مقاطعات هاستيانك وبالو وخورجيان وكوبك وباغناتون.

تشجَع دافيد ذهبي الفم بفضل انتصاراته السابقة فهاجم مدينة خلاط سنة 998م إلا أن حملته فشلت بسبب تعصّبه الأعمى ومعاملته السيئة تجاه السكان المحليين وازدرائه لهم. فحوّل الإيبيريون المطرانية الأرمنية، التي كانت تقع خارج المدينة كذلك “دير الصليب المقدس” و”دير القديس غاماليل”، إلى إسطبلات ودور سكن. فاستغرب حتى السكان العرب المسلمون في المدينة من هذه التجاوزات. وعند استفسارهم حول سبب ذلك ردّ الإيبيريون: “لا فرق بين كنائسهم ومساجدكم”. لذلك أضعفت هذه الممارسات الحملة الأرمنية–الإيبيرية المشتركة كثيراً كذلك جيش ذهبي الفم الذي كان مؤلفاً من جنود هاتين المملكتين. استمر احتلال خلاط حتى عيد الفصح من عام 998م بعد أن عانى الإيبيريون من إنكسار كبير وتقهقروا تاركين خلفهم قتلى عديدين.

وصل صاحب آذربيجان ماملان إلى أرمينيا عبر H er بعد هذه الهزيمة المنكرة على رأس جيش مساند مسلم وتمركز في مقاطعة أباهونيك وهدّد بتدمير تايك حتى أساساتها وإعادة بناء  قاليقلا لأنها، كما نعلم، كانت إحدى حصون العالم الإسلامي. تصدّى جيش أرمني-إيبيري مشترك لهذا الهجوم فاضطر جيش مملان على الفرار إلى أرجيش بعد معركة مرعبة.

كان التحالف بين كاكيك الأول ودافيد ذهبي الفم قوياً إلى درجة إنهاء وجود الإمارات في أرمينيا إلا أن المخاصمات الصغيرة بين هاتين المملكتين وتدخّل بيزنطة أفشل تلك الفرص والإمكانيات.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (22).

Leave a Reply

Your email address will not be published.