إخضاع بيزنطة لمناطق أرمينيا الجنوبية والغربية

Byzantium650ADhy

توفي دافيد ذهبي الفم سنة 1000م. وفي فترة عصيان بارداس فوكاس كان ذهبي الفم قد أوصى بأملاكه لبيزنطة كي ينجو من ثأر باسيل الثاني وخاصة أنه لم يرزق أولاداً. وبعد وفاته بفترة قصيرة وصل الإمبراطور البيزنطي شخصياً لاستلام أملاك دافيد والتأكد من خضوع الأرمن والإيبيريين له.

وكانت الفترة الحاسمة للهجوم البيزنطي على قلب أرمينيا قد حان أوانها لأن باسيل الثاني اعتقد أن الوقت أصبح مناسباً لإزالة الممالك المستقلة التي تأسست في أرمينيا وإيبيريا. وكانت انتصارات الجيش البيزنطي في الشرق قد تحققت بشكل رئيسي بسبب وجود القادة العسكريين الأرمن في هذا الجيش. لذلك لم يكن مستغرباً أن ينظر إليهم العرب كأعداء للإسلام. ويذكر ابن مسكويه أن عدداً كبيراً من العرب احتشدوا في الري (طهران) سنة 965-966م واشتكوا إلى السلطات قائلين: “ليس هناك خطر أعظم من طموحات البيزنطيين والأرمن للهيمنة علينا واحتلال ممتلكاتنا الحدودية”.

كان العرب المسلمون ينظرون إلى أرمينيا كعدوة للشرق بسبب بعض المغامرين من العسكريين الأرمن في وقت لم تتمكن المملكة الأرمنية حتى من حماية حدودها أمام الهجمات المستمرة للمغيرين المسلمين الجيران. وكان هؤلاء المغامرون السبب الرئيسي في دمار المملكة الأرمنية وتوتّر علاقات أرمينيا مع جيرانها المسلمين من جهة، ودعم هجمات الجيش البيزنطي من ناحية أخرى. وقد أكد المؤرخ الأرمني المعاصر أصوغيك على ذلك قائلاً: “حارب الفرسان الأرمن، الذين كانوا ضمن تشكيلات الجيش البيزنطي، العرب إلى جانب بارداس سكليروس”.

لهذا السبب ينسب بعض المؤرخين العرب في مناسبات شتى الدمار الذي سبّبه الجيش البيزنطي إلى الأرمن. ويشير ابن الأثير مثلاً إلى أحداث عام 352هـ=963م قائلاً: “هاجمت جماعات كبيرة من الأرمن مدينة الرها Edessa واحتلتها وقامت بقتل عدد كبير من سكانها”.

ثم دخل الإمبرطور البيزنطي باسيل الثاني إلى المقاطعتين الأرمنيتين هانجيت وبانو عبر مليتينه وتوقف عند مدينة Erez حيث استقبله الأمير المرواني أبو المنصور صاحب نبركرت وقدم له الإمبراطور رتبة Magistros وأمر جيوش أرمينيا الرابعة وتارون بدعمه عندما تقتضي الضرورة .

تابع الإمبراطور البيزنطي سيره باتجاه حفجيج حيث استقبله ملك إيبيريا باقارات وولده كوركين . وكان أمراء ونبلاء دافيد ذهبي الفم بين الحضور أيضاً بسبب استيلاء دافيد على أملاكهم. وصل لملاقاة الإمبراطور أيضاً الأمير الأرمني وحاكم مدينة قارس عباس وسينيكيريم صاحب باسفرجان اللذين قدما هدايا نفيسة له . وكانت بيزنطة تعتبر جميع هؤلاء الملوك والأمراء الأرمن خاضعين لها. استمر الإمبراطور في تقدمه عبر طريق هارْك وتوقف عند مدينة Vagharshapat في Pakrevand على أمل خضوع آشوت الأول ملك آني له. إلا أن هذا الملك المتغطرس اعتبر مثوله أمام الإمبراطور، الذي تمركز على الحدود الجنوبية لمملكته، انتقاصاً من كرامته فرفض استقباله فقفل باسيل الثاني راجعاً إلى القسطنطينية عبر قاليقلا خاوي اليدين.

ضم باسيل الثاني إلى مملكته جميع المناطق التي وهبها له دافيد ذهبي الفم وتحديداً كارين وباسين وهارك وأباهونيك ومارداغي وخالدوياريج وكومايري وعيّن حكاماً وموظفين في هذه المناطق كما يحلو له.

وهكذا ضُمت مقاطعات أرمينيا الغربية إلى بيزنطة وحُجّمت مملكة المروانيين في الوقت ذاته وانحصرت في مقاطعة أغجنيك فقط وبذلك انسلخت المدن الكائنة حول بحيرة فان من هيمنتهم تدريجياً. وكان الأمراء المسلمون يحكمون منطقتي بيركري وأرجيش في هذه الفترة ويخضعون للأردزرزنيين الأرمن في باسفرجان بينما ظلت خلاط وحدها في حوزة المروانيين.

أرسل الإمبراطور باسيل الثاني أميراً من نيكوميديا إلى أرمينيا عام 1018م لتحصيل ضريبة الرؤوس وإعادة تعمير مدينة قاليقلا التي تعتبرها بيزنطة قاعدة عسكرية هامة. وكانت منازكرت بدورها من القواعد العسكرية الحيوية للإمبراطورية. فأوعزت بيزنطة على توطين يونانيين عديدين في هذه المناطق الأرمنية وتهجير السكان الأرمن ونقلهم وإعادة إسكانهم في مقدونيا.

عاد باسيل الثاني إلى أرمينيا ثانية بين عامي 1020-1022م للاستمرار في عملية ضم الأراضي وخاصة أن كاكيك الأول كان قد توفي أثناء ذلك ولم تكن أحوال باسفرجان تسمح لها بصد هجمات الجحافل السلجوقية. لذلك قدّم هوفهانّيس أردزروني جميع مقاطعات باسفرجان إلى باسيل الثاني . وهكذا دخلت جميع مناطق أرمينيا الجنوبية والغربية بين أملاك بيزنطة وبقيت مع ذلك مملكة البقراتونيين في آني والممالك الصغيرة في Vanand وسيونيك وTashir-Joraget مستقلة .

فشلت بيزنطة في خلق مملكة مستقرة في باسفرجان على الرغم من تشكيلها وحدة خاصة تدعى Asprakania أو Basprakania التي تشتمل على المناطق الشمالية من بحيرة Van أي منازكرت وبيركري وأرجيش إلى جانب باسفرجان طبعاً.

غادر سينيكيريم باسفرجان مصطحباً معه جالية كبيرة تتألف معظمها من كتائب عسكرية. وفي هذه الأثناء شنّ باسيل الثاني هجوماً على أمير Her المتمرّد والجار التابع لباسفرجان وطوّق جيش الفرسان الإمبراطوري المدينة وقطع الأشجار المزروعة حول أسوارها لتدمير تحصيناتها بالمنجنيقات. وعند رؤية ذلك  طلب أمير المدينة من الإمبراطور الرأفة ووعده بدفع الجزية. وبينما كان الإمبراطور يستعد للهجوم على المدينة هطلت أمطار جارفة صاحبتها رياح عتيدة ثمّ بدأ تساقط الثلوج والبَرَد فرفضت الخيول والبغال على التزحزح عن مكانها بينما تجمدت أطراف الجنود . وأمام هذه الحال اضطر الإمبراطور على التقهقر.

إحتل حاكم باسفرجان نيكيفوروس كومينوس مدينة أرجيش في حوالي عام 1023-1026م وبذلك انتهى وجود هذه الإمارات المسلمة. وصل حاكم بيزنطي آخر يدعى قسطنطين كاباسيلاس على رأس جيش كبير لاحتلال مدينة بيركري سنة 425هـ=1033-1043م التي كان يحكمها أبو الهيدجة بن ربيب الدولة ابن شقيقة وحسودان بن مملان حاكم آذربيجان.

بناء على أقوال ابن الأثير حثّ عم أبو الهيدجة وحسودان، الذي كان على علاقة سيئة معه، البيزنطيين على مهاجمة مدينة بيركري.

يؤكد المؤرخ السرياني متى الرهوي أن هذا الجيش المغير كان معظم أفراده من الأرمن يقودهم أمير أرمني يدعى Ganji.

رغم إحكام الطوق حوله في القلعة تمكن أمير المدينة، الذي يسميه المؤرخ الأرمني ختريك،  دعوة الأجانب في آذربيجان لمساعدته بينما ذهبت القوات البيزنطية والأرمنية بقيادة Ganji وArcak للحصول على العلف وإمدادات أخرى بعد فك حصار القلعة. وصلت في هذه الفترة القوات المسلمة إلى المدينة وقتلت أفراد كتيبة الفرسان البيزنطيين الذين بقوا في المدينة لأنهم كانوا في حال سكر شديد. قتل هذا الأمير أيضاً بينما فكّ الجيش البيزنطي الحصار وولّى هارباً ومع ذلك أُسر عدد كبير من الجنود البيزنطيين فأمر ختريك بقتل جميع هؤلاء وسكب دمائهم في حفرة واستحم فيها منتشياً.

بناء على أقوال المؤرخ اليوناني Skylites كان القائد  المسلم Aleim  يأمل بالهيمنة على المدينة لكن خاب ظنه في تحقيق مأربه لذلك اصطحب معه قوة مساندة وذبح جميع البيزنطيين بعد الاستيلاء عليها. أرسل الإمبراطور ميخائيل الرابع 1034-1041م جيشاً مجهّزاً بعدة الحصار لتطويق مدينة بيركري في السنة التالية. وعندما شرع بهدم أسوارها استسلم سكانها شريطة الحفاظ على أرواحهم. كانت هذه الحملة بقيادة القائد البيزنطي Niketas Pegonitis كما أكد المؤرخ الأرمني لاستيفردتسي.

كانت منازكرت وأرجيش وبيركري المدن الأرمنية الأخيرة التي ظلّت تحت هيمنة الأمراء المسلمين بعد مدينة قاليقلا (مع أونيك وماستادون) التي احتلها البيزنطيون بينما ظلت باغيش ونبركرت بيد المروانيين. هجّرت بيزنطة بعد ذلك السكان العرب من المدن الأرمنية لتوطينها باليونانيين. يذكر ماركوارت جدولاً جاء في مخطوط يعود إلى القرن 11م يحوي أسماء مطارين أرثوذكس في أبرشيات بيركري وأرجيشس وأرجكه وغيرها. وهكذا نرى أن الكنيسة اليونانية لم تفوّت بدورها هذه الفرصة المواتية لنشر العقيدة الخلقيدونية في المدن الأرمنية بسبب الفوضى التي نشأت باختفاء العناصر المسلمة.

مع كل ذلك لم تكن المقاطعات الأرمنية، التي ضُمَّت إلى الإمبراطورية البيزنطية، بمنأىً عن هجمات المسلمين. بناء على أقوال ابن الأثير هاجم أفراد قبائل Oghuz (التركية-المترجم) على أرمينيا عبر آذربيجان سنة 420هـ=1029م وأسروا العديد من السكان تاركين وراءهم خراباً كبيراً. وقام المروانيون بدورهم بحملات عسكرية واجتاحوا أرمينيا عبر منطقة ما بين النهرين في عام 423هـ=1031م على رأس جيش قوامه 10,000 رجلاً وتقهقروا مصطحبين معهم أسرى عديدين.

من البديهي ألا يظل الأمراء الأرمن متقاعسين وبدون حراك أمام الفوضى. لذلك استعدّ خلفاء الأردزرونيين، الذين بقوا في باسفرجان، وأمراء صاصون للدفاع عن مقاطعاتهم. يقدم متّى الرهوي وصفاً ملحمياً حول هذه الفترة مؤكداً أنه في عام 1042م هاجم غرباء من مدينة Her على منطقة تورناوان من أعمال باسفرجان التي كان يحكمها الأمير الأرمني الكهل خاجيك أردزروني. فقام هذا الأمير بالدفاع عن إمارته إلا أنه قُتل مع ولده إشخانيك في ساحة المعركة وتولى ولداه حسن وجنجغوك، اللذان كانا في بيزنطة، مقاليد حكم المقاطعة وقرّرا أخذ الثأر لوالدهما وشقيقهما. ويذكر هذا المؤرخ السرياني هنا أيضاً أن زعيماً كردياً كان يحكم المناطق الواقعة قرب تورناوان وذلك دليل إضافي أن العناصر الكردية لم تتغلغل إلى أغجنيك بين القرنين 10-11م فحسب، بل توجّهت شمالاً إلى أنجيواجيك أيضاً.

يشير ابن الأثير أيضاً إلى حادثة مماثلة للدفاع عن النفس جرت عام 427هـ=1035-1036م عندما وصلت جماعة من “الحجاج” من خرسان وطبرستان وآذربيجان ولأسباب مجهولة غيّرت وجهتها ومرت من خلال أرمينيا. وبعد عبور هؤلاء مدينتي فان وOstan خرج الأرمن لملاقاتهم يدعمهم رجال صاصون “الصناصونة” الذين، حسب المؤرخ العربي، كانوا قد عقدوا معاهدة صلح مع الأمير المرواني في خلاط وهاجموا هؤلاء “الحجاج” وقتلوا وأسروا العديدين منهم. وإثر ذلك جهّز الأمير المرواني نصر الدولة جيشاً للهجوم على رجال صاصون الذين كانت بلدتهم محصّنة بقلعة منيعة وممرات ضيقة عديدة.

سافر الكاتب الفارسي الشهير نصيري خوسراف إلى مقاطعات أرمينيا الجنوبية. وبعد عبوره لماراند وخوي وزيارةVan  وOstan وبيركري وصل أخيراً إلى خلاط حيث تقطن العناصر المسلمة المختلفة (لم يلتقِ بمسلمين في بقية مناطق أرمينيا) حيث كان باستطاعة المرء الاستماع إلى أناس يتكلمون بلغات عديدة كالعربية والفارسية والأرمنية وغيرها. ويعتقد هذا المؤرخ أيضاً أن اسم المدينة اشتُقَّ من كلمة “أخلاط” “خليط” بسبب هذا المزيج من الشعوب المختلفة.

بعد مقتل المرواني أبو المنصور سعيد بن مروان ورث حكم المملكة من بعده شقيقه أبو النصر أحمد بن مروان المعروف بنصر الدولة. أمضى هذا الحاكم 50 سنة من حكمه 1011-1061م في سلام ورخاء نسبيين.

أفلح نصر الدولة في صدّ هجمات الأوغوز بنجاح بتقديم رشاوى لهم في بعض الأحيان أو اللجوء إلى الحيل الديبلوماسية وسواها في مناسبات أخرى. وكان يخدمه وزراء مرموقون كأبي ناصر أحمد بن يوسف المنازي (نسبة إلى مدينة منازكرت) الذي كان شاعراً مشهوراً.

هناك قصة يرويها المؤرخون بشغف وهي أنه كان لنصر الدولة حرملكاً يحوي 360 محظية وكان يمضي سهرته عند واحدة منهن يومياً.

اقترن هذا الوزير من أرملة شقيقه أيضاً التي كانت ابنة الأمير الأرمني سينيكيريم (سنحاريب) حسب أقوال المؤرخ العربي.

يؤكد نصيري خوسراف أن نصر الدولة كان يقيم في مدينة خلاط ويربو سنّه على 100 ورزق بأولاد عديدين طوال حياته المديدة وعين معظمهم في مناصب شتى. ويبدو أن هذا الأمير المرواني كان يقطن في المدينة بشكل مؤقتاً فقط  لأن مركز حكمه كان في مدينة ميافرقين.

عُيِّن الأمير كريكور بن Vasak Abughamerents Pahlavuni بين عامي 1045ـ1058م حاكماً على تارون وباسفرجان ومناطق شمالي ما بين النهرين. وكان الأمير قد سافر إلى القسطنطينية بعد تسليم مقاطعته للبيزنطيين إلى جانب قلعة بدجني ونال من الإمبراطور لقب Magistros. وكان المروانيون يُعتبرون من أتباعه. ونجد في “رسائل” كريكور أنه كان مشغولاً بأمور الأدب أكثر من اهتمامه بالشؤون السياسية والعسكرية.

بدأت اجتياحات السلاجقة المدمّرة داخل أرمينيا في حقبة حكم نصر الدولة. نجح هذا الأمير في استمالة المغيرين وتمكن من الحفاظ على حياته. إلا أن اجتياحات هذه القبائل اكتسبت طبيعة جديدة في فترة خليفتيه نظام الدين، صاحب ميافرقين، وسعيد، حاكم آمد، رغم إعلان نظام الدين عن خضوعه لألب أرسلان الذي انتصر في المعركة الحاسمة قرب منازكرت عام 1071م. خلف نظام الدين في الحكم ولده أبو المظفّر منصور سنة 1090م لكنه توفي بعد 5 سنوات فقط مجرداً من جميع أملاكه فتحولت جميع أملاك المروانيين إلى السلاجقة.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (23).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.