العرب وإهمال مذابح الأرمن

خالد الحروب – كامبردج

أكاديمي ومحاضر فلسطيني – جامعة كامبردج

هناك إهمال عربي رسمي وشعبي ونخبوي مؤسف إزاء المذابح التي نفذت بحق الأرمن في نهايات الحرب العالمية الأولى، أعوام  1915 و 1916، وراح ضحيتها ما بين مليون ومليون ونصف أرمني تُتهم الدولة العثمانية بأنها كانت مسؤولة عن مقتلتهم الكبرى. من ذلك التاريخ والسجال حول مسؤولية الأمبرطورية العثمانية عن تلك المذابح لم ينته حتى اليوم، وقد صدرت مئات المؤلفات والبحوث التاريخية التي أثبتت غالبيتها الكاسحة وقوع تلك المذابح ومسؤولية الأتراك عنها.

في تلك السنوات الحاسمة التي شهدت إنهيار وتفكك الأمبرطورية العثمانية وقيام النخبة السياسية التركية بقيادة حزب الإتحاد والترقي وقعت المذابح الأرمنية، أي في خضم مشروع الدفاع عن الأراضي التركية خشية التجزئة بين الدول الكبرى. تشككت النخبة التركية السياسية والحاكمة آنذاك في ولاء الأرمن سواء بالنسبة للدولة المنقضية أو لتلك المتشكلة حديثاً، وكان أن حدث توافق ضمني ومعلن بين النخب المودعة والنخب القادمة على سياسات الإبادة ضد الأرمن. وأنتج ذلك احد الأسئلة التاريخية الكبرى حول من يتحمل مسؤولية المذابح:

هل هي الأمبرطورية العثمانية التي حاولت الحفاظ على الأقليات الدينية من خلال نظام الملل المعروف، أم هي الدولة التركية الصاعدة حديثاً والمصممة على تخليق وتعميق قومية تركية صلدة لا تعرف المهادنة. من ناحية سياسية ومن زاوية القانون الدولي فإن تركيا الحالية تتحمل أوزار ومسؤوليات الدولة العثمانية بإعتبارها الدولة الوريثة.

لكن السؤال يتعدى البعد القانوني ويذهب إلى قلب تشكل الدولة التركية الحديثة بقيادة أتاتورك، صانع تركيا وبطلها العسكري الذي لملم أجزاءها وحفظها من التفتت، وهو التفتت الذي كان قاب قوسين أو أدنى لو أن أتاتورك لم يتمرد على أوامر الخليفة الضعيف بوقف حروبه ضد التمردات هنا وهناك. السؤال الأرمني في قيام تركيا الحديثة هو شقيق السؤال الكردي، وكلاهما يتعلق بمقدار ثقة الدولة بنفسها في تجاوز الأجزاء المظلمة من تاريخها. نعرف بطبيعة الحال أن الإعتذارات التاريخية الكبرى إزاء جرائم فادحة ضد الشعوب الأخرى، أو الأقليات، تحتاج إلى فترات زمنية طويلة كي تستجمع الدولة المعنية أطراف الثقة بالنفس ولا تشعر بأن الإعتذار يهز من شرعيتها بل يؤكدها ويقويها. هذا ما شهدته السنوات الأخيرة من إعتذارات غربية سواء إزاء تجارة العبيد أو حقب الإستعمار. بعض الدول الغربية ما تزال تتلكأ في إصدار تلك الإعتذارات، وهو تلكوء يعكس توتراً وهشاشة أكثر من عكسه لصلابة في الموقف أو ثقة في المكانة.

نعلم أن الكونغرس الأمريكي والولايات المتحدة بشكل عام كانت قد ناصرت طوال عقود الموقف التركي إزاء إنكار أية مسؤولية عن تلك المذابح. وكانت تلك المناصرة خلال حقبة الحرب الباردة تقوم على إعتبار تركيا حليفاً أساسياً ضد الإتحاد السوفياتي في تلك الفترة، وبكونها العضو الشرق أوسطي الوحيد في حلف الناتو. لم يكن موقف الولايات المتحدة أنذاك يعبء بالجوهر الإنساني لقضية الأرمن، بل كان قائماً على البراغماتية السياسية في أكثر تمثلاتها وحشية. واليوم عندما يصدر الكونغرس الأمريكي قراراً يُطالب تركيا بالإعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن تلك المذابح فربما لا زالت أرضية الموقف هي نفسها، أي البراغماتية السياسية، وبهدف لي ذراع تركيا الحالية. ولكن في كلا الحالتين لا نستطيع إلا أن نقول أن هذا هو ديدن السياسة القائمة على المصالح المتبادلة وإستخدام الضغوط وأنتزاع المواقف. والأهم من ذلك أنه في كل الحالات فإن البوصلة الهادية يجب أن تكون في مناصرة المظلومين والدفاع عن حقهم وحق أحفادهم ليس فقط في الإعتذار بل وفي تصويب كل ما نتج عن الجرائم التي أقترفت في حقهم. وفي الصراع الدائم بين القيم الإنسانية والمصالح السياسية البشعة علينا دائما أن نوسع جبهة القيم وننتصر لها خاصة في الجرائم التي تتخطى كل الحدود الحمر.

يرى كثيرون أنه ربما من الصعب زمنياً وظرفياً مطالبة تركيا حزب العدالة والتنمية بالإعتذار الآن عن المذابح الأرمنية وطي هذه الصفحة. ففي نهاية المطاف لا تزال الدولة التركية قيد التشكل و الترسخ رغم مرور أكثر من تسعين عاما على قيامها الحديث. فالدولة التي تهز أركانها مسألة تافهة مثل إرتداء الحجاب في الجامعات أم عدمه لا تزال حقا بعيدة عن مستويات الثقة بالنفس التي تؤهلها لتطهير تاريخها ونفسها من جريمة كبرى بحجم المذابح الأرمنية. مع ذلك يبقى مثل هذا الطلب في نطاق المعقول السياسي ولا يقع خارجه. ندرك أن الحكومة الحالية لا تستطيع الاقتراب كثيراً من هذا المحرم الذي قد يفجر غضب المؤسسة العسكرية برمتها، وكل أساطين اليمين القومي التركي، ويستثير أعتى شوفينياته. بيد أن مسايرة تلك الشوفينيات إلى أقصى مدى هو أيضا انتهازية سياسية. ذلك أن ما يمكن ويجب أن تقوم به الحكومة الحالية، بكونها مختلفة جوهريا وإيديولوجيا عن الحكومات السابقة وتريد أن تقدم نموذجاً بديلاً، هو قطع نصف المسافة بإتجاه الاعتذار التاريخي، وليس التصلب القومي وإتباع سياسة شعبوية عينها على تصفيق المهتاجين والقوميين، وليس على تأهيل تركيا حضارياً وإنسانياً وهوياتياً وصاحبة مشروع آفاقه مفتوحة. إن آجلاً أم عاجلاً سوف تضطر تركيا للإعتراف بالمسؤولية وإعلان الإعتذار التاريخي. تقديم ذلك الاعتذار فيه اكتساب لمقادير أوسع من الثقة بالنفس، وفيه نفض لذلك الجزء من التاريخ الموحل بالدموية والمظالم، وإعادة إنتاج تركيا في ثوب جديد متخفف من أثقال الماضي ودفوعاته التي لا معنى لها. تأخير ذلك الاعتذار لا يؤدي إلى دفع أكلاف إضافية لا ضرورة لها، وإبقاء القضية في مسرح الابتزاز السياسي بين الأطراف الحزبية الانتهازية، فضلاً عن إبقاء التوتر مع الجارة أرمينيا. وهذا كله بطبيعة الحال لا يحقق هدف السياسة الخارجية التركية الحكيمة والذي يدور حول تخفيض النزاعات مع دول الجوار إلى مستوى الصفر.

لكن بعيداً عن موقف تركيا الرسمية وغير الرسمية من الجريمة التاريخية ضد الأرمن هناك قضية يجب أن تهمنا بشكل خاص وحساس في الفضاء العربي وهي الإهمال والإغفال العربي المُفجع إزاء المذبحة الأرمنية. وهنا، وفي حدود إطلاع كاتب هذه السطور، لا يمكن الحديث إلا عن تجاهل محير، أو جهل لا يعفي أحدا يقود إلى الإعراض حتى عن إبداء أدنى مستويات الإهتمام بتلك المذبحة. ما يجب أن نفترضه نظرياً هو وجود حساسية إضافية عند ضحايا القمع والإبادات والإحتلالات. وفي منطقة عانت من حقب الإستعمار وبشاعاته، ولاتزال تعاني من الإحتلال والقمع والحروب الإسرائيلية، فإن التضامن مع آلام الآخرين يجب أن يكون في مقدمة ما يصوغ الموقف والرؤية إزاء القضايا العالمية والإنسانية. بعض الكتابات العربية، على قلتها، عن تركيا والمسألة الأرمنية، تبدو ملكية أكثر من الملك. والهمة التي يتم الدفاع بها عن تركيا اليوم إزاء تلك المسألة تذكر بدفوعات المؤرخ برنارد لويس عن نفس المسألة وهو صاحب أكثر الطروحات الإستشراقية إستعلاء وربما عنصرية إزاء العرب والمسلمين. لويس كان، ولا زال، من أشد المتحمسين للمشروع الأتاتوركي، وقد نافح بحرارة عن “براءة” تركيا من دم الأرمن لعقود طويلة. وحاول نقض التوثيق التاريخي الضخم لتلك المذابح والذي قام به مؤرخون من حجم جيمس برايس وآرنولد توينبي، كما حاول دحض يوميات هنري مورغنطاو السفير الأمريكي لدى أستانبول في سنوات 1913 و1916 والتي تعتبر أحدى الوثائق الأساسية التي تشير لمسؤولية الدولة التركية عن تلك المذابح. الذين يدافعون بلا حصافة عن تركيا اليوم ومسؤوليتها عن مذابح الأرمن، وبغض النظر عن الحكومة الحالية، يقفون مع برنارد لويس في نفس المربع.

Leave a Reply

Your email address will not be published.