التاريخ يؤكد قوّة الالتزام والعلاقات الوطيدة بين سورية وأرمينيا … «أرشاك بولاديان» وكتاب جديد عن أرمينيا اليوم لمناسبة مرور 25 عاماً على الاستقلال

%d8%a8%d9%88%d9%84%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b7%d9%86 

صدر له بالعربيّة كتابان هما «شهود عيان على الإبادة الأرمنيّة»، و«شهادات غربيّة على الإبادة الأرمنيّة»، واليوم يضع د. «آرشاك بولاديان» بين أيدينا كتابه الثالث الذي حمل عنوان «أرمينيا ماضياً وحاضراً» لمناسبة مرور 25 عاماً على الاستقلال. ويقدّم للكتاب د. «نبيل طعمة» الذي يذكر من وحي الكتاب: “… ليس من السهل أن تجمع تاريخ شعب، وتتابع طموحه مع ما مرّ به من مآسٍ وانتهاكات، وبشكلٍ خاصّ ذاك الحكم الطوراني العثماني الذي جثم على صدر الشعوب والأوطان لأكثر من أربعمئة عام، ارتكب خلالها أبشع أنواع التخلف والمجازر، وخاصة بحق الشعب الأرمني الذي دفع أكثر من مليون وخمسمئة ألف شهيد قديس عام 1915، الذي شكّل مع الشعب السوري وحدة دم وهدف ومصير، بحكم ما تعرض معه لذلك العدوان الغاشم، وما يتعرض له حالياً من الطورانيين العثمانيين الجدد ذاتهم منذ عام 2011”.

يذكر مؤلف الكتاب د. «آرشاك بولاديان» في مقدمة كتابه: “في نتيجة الانهيار التدريجي للاتحاد السوفييتي كان إعلان الاستقلال هو الخيار الوحيد للشعب الأرميني، الذي على مر العصور كان يمتلك مقومات الشعب المستقل صاحب الحق في السيادة على أراضيه التاريخية. قبل 25 عاماً، في 21 أيلول عام 1991 أعلنت أرمينيا عن استقلالها نتيجة الاستفتاء العام وحققت بذلك قراراً تاريخيّاً جاء استجابة لإرادة شعبها، مؤكدةً قدرة أبنائها على صنع القرارات وشق طريق المستقبل بنظرة واعدة وواثقة، انطلاقاً من تمسكها بالقيم الإنسانية ومما تملكه من رصيد حضاري وقدرة بشريّة وفكريّة وثقافيّة”.

حمل الكتاب عناوين لافتة اختصرت تاريخ أرمينيا ومرحلة الحكم العثماني وصولاً للقضيّة الأرمنيّة، فقد غطّت مساحتها مساحة كبيرة، تحدّها آسيا الصغرى من الغرب، وسلسلة جبال القوقاز من الشمال، والبحر الأسود من الشمال الغربي، وبحر قزوين من الشمال الشرقي، وأرض فارس من الجنوب الشرقي، ولا بدّ من الانتباه إلى أن أرمينيا القديمة تشمل معظم شرق تركيا، والجزء الشمالي الشرقي من إيران وأجزاء من جمهوريتي أذربيجان وجورجيا فضلاً عن جمهورية أرمينيا الحاليّة بأكملها. أمّا بالنسبة للاحتلال العثماني فقد عاش الأرمن ما يقارب الثمانية قرون تحت السيطرة التركيّة، مضت بسياسة قسريّة من السلاطين العثمانيين تجلّت بالقتل والظلم وفرض القسم الأكبر من تموين الجيوش على الشعب الأرمني، إضافة إلى الضرائب المالية وممارسات كثيرة من عنف ونهب وسلب واغتصاب وغيرها.
تبلورت معاداة الشعب الأرمني بسياسة إبعاد هذا الشعب عن أرضه، بالقتل والتهجير، وهذا المشروع بدا واضحاً في عام 1884 على يدّ كبير وزراء الإمبراطورية العثمانيّة «سعيد كوتشوك باشا» فكان منهجاً سلكه بعده السلطان الأحمر «عبد الحميد الثاني»، لكن العام الأبرز الذي حمل القرار الظالم ضدّ الشعب الأرمني بإبادته كاملاً كان العام 1915 الذي حمل مجازر وحشية وإبادات لا يمكن للخيال البشري أن يتصورها. واليوم بعد مرور 100 عام على هذه الجريمة لا يزال المجتمع الدولي منقسماً على ما حصل تبعاً لمصالح السياسة لتلك الدول.

العلاقات الأرمنيّة العربية عبر العصور

ورد في الكتاب: «تمثّل مؤلفات الجغرافيين والمؤرخين العرب– على اعتبارها جزءاً مهماً من التراث العربي الشامل– مصدراً جديراً بالاهتمام بغرض دراسة تاريخ أرمينيا والشعب الأرمني في القرون الوسطى. وهذه المؤلفات لا تتعامل فقط مع موضوعات متعلقة بالشرق الإسلامي وإنما تتعرض لكلّ البلدان التي كانت معروفة من العرب من أوروبا غرباً حتى الصين شرقاً… على الرغم من أن أرمينيا كانت منذ نهايات القرن التاسع الميلادي، كما ذكرنا، أصبحت في واقع الأمر منفصلة عن الخلافة إلا أن المفكرين العرب استمروا في الإشارة إليها على اعتبارها جزءاً من العالم الإسلامي، فأقبلوا في أعمالهم على ذكر مصطلح «أرمينيا» وتحدّثوا عن جغرافيتها وسردوا وقائع مختلفة عن تاريخها». كما ورد أيضاً: «إن المؤلف الجغرافي الأول الذي وصل إلينا يدعى «كتاب المسالك» من القرن التاسع الميلادي لصاحبه «ابن خرداذبة»، الذي استعان في وضع مؤلفه بالعديد من الوثائق الرسميّة والمعلومات المدونة والشفهيّة المحكمة وقد ظهرت هذه المواد فيما بعد في مؤلفات الجغرافيين الآخرين. يشمل عمل «ابن خرداذبة معلومات مهمة عن أرمينيا، ويعدّ من المؤلفين الأوائل الذين ذكروا التقسيم الإداري لأرمينيا. ويتكرر هذا التقسيم ذاته بالشكل الذي اعتمده «ابن خرداذبة» في أعمال الجغرافيين الآخرين في عصور لاحقة على الرغم من وجود بعض الاختلاف أحياناً، كأن تلحق منطقة أو مدينة ما إلى قسم من أقسام أرمينيا ثم تلحق إلى قسم آخر وهكذا، ويلاحظ هذا في مؤلف «فتوح البلدان» لصاحبه «البلاذري» الذي عاصر «ابن خرداذبة» في القرن التاسع الميلادي».

العلاقات الثقافية

يذكر هذا القسم من الكتاب العلاقات الأرمنيّة العربيّة الثقافيّة، ومن الأسماء التي أشار إليها والتي دوّنت معلومات بالغة الأهمية ذكر: «سيبيوس»، و«غيفوند»، و«كريكور ماكيسدروس». ووفق الدراسات اللغويّة استخدم الأرمن مئات الكلمات العربيّة ومن بينها 700 كلمة من أصل عربي في اللغة الأدبيّة. وكثير من النقوش العربيّة على الحجارة تدل على الاستخدام الرائج للغة العربيّة في جميع أرجاء أرمينيا. ويمكن الإشارة أيضاً إلى اهتمام المفكرين الأرمن بالفلاسفة والشعراء العرب أمثال الكندي والمعري وابن رشد والمتنبي وغيرهم.

صلات لا تُمحى

نوّه الكاتب أيضاً بالعلاقات التجاريّة بين أرمينيا والعرب وذلك تبعاً للموقع الجغرافي الخاصّ بها، أمّا بخصوص العلاقات التاريخيّة الحديثة والمرتبطة بالقرن العشرين والقضيّة الأرمنيّة فقد ذكر المؤلف أيضاً كثيراً من النقاط التي تدل على استقبال سورية ولبنان وعدد من الدول العربيّة للأرمن المهجرين والهاربين من ظلم الاحتلال العثماني ووحشيّته ومنه نقتطف: «قدّر موقف الأرمن تقديراً عالياً الرئيس «شكري القوتلي» أثناء حرب الاستقلال في سورية، كما رحب رئيس الوزراء اللبناني «رياض الصلح» بدور الأرمن في لبنان. إلى جانب الدور العسكري الذي لعبوه في الجيوش العربيّة، تقلد الأرمن ابتداء منذ أربعينيات القرن العشرين، بفضل مواطنيتهم المخلصة ووفائهم للعرب، أرفع المناصب السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية والثقافيّة والفنيّة في سورية ولبنان والعراق وغيرهم».

التعاون الثنائي الأرمني السوري

بين هذا القسم في استعراضٍ سريع أهم اللقاءات بين البلدين «سورية وأرمينيا» منذ آذار عام 1992 وإلى العام 2015، فتكررت اللقاءات والزيارات الرسميّة بين الوفود والوزراء والرؤساء لتعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها، كما ذكر بعض التفاصيل التي بينت عملياً أوجه التعاون والرغبة في العمل بين البلدين وتعزيز العلاقات السياسيّة والحفاظ على العلاقات التي لها جذور تاريخيّة لا تتشابه مع أي بلدٍ عربي آخر.

وثائق وشهادات

حمل الكتاب وثائق وشهادات أرمنيّة وعربيّة تاريخيّة تبين وتؤكد عمق العلاقات والصداقة مع الأرمن ومنها نقتطف ما قاله الرئيس الراحل «حافظ الأسد» لمناسبة زيارة رئيس جمهوريّة أرمينيا «ليفون ديربيتروسيان» إلى سورية في نيسان عام 1992: «إنكم تحلون في بلد فتح في ساعة المحنة والشدّة ذراعيه للأرمن الذين لجؤوا إليه، فوجدوا فيه الأمن والاستقرار، وعاشوا في راحة وطمأنينة وأصبحوا جزءاً من شعبه، لهم ما لسائر أبناء البلد من حقوق وواجبات المواطنين، فاندمجوا في حياة سورية التي وفرت لهم فرص الحياة الكريمة والحريّة الكاملة للحفاظ على لغتهم وتراثهم الروحي والقومي…». ومن الوثائق أيضاً ما ذكره الأمين العام للجامعة العربيّة «عمرو موسى»، والشيخ «كامل الغزي»، والباحث والمؤرخ «عثمان الترك»، والمستشار والمؤرخ «فؤاد حسن حافظ»، والمؤرخ «صالح زهر الدين»، ود. «نعيم اليافي»، وغيرهم، إضافة إلى شهادات أرمنية مثل رئيس جمهورية أرمينيا «روبيرت كوتشاريان»، ورئيس جمهورية أرمينيا السابق «ليفون ديريبيتروسيان»، والمفكر والصحفي «كرسام أهارونيان»، والحقوقي روبين بوغوصيان.

أخيراً
ضمّ الكتاب في جزئه الأخير معلوماتٍ عن جمهورية أرمينيا اليوم وشرحاً مبسطاً عن رموزها كالعلم والشعار والأعياد والآثار والصروح المعمارية ومعالمها والعلوم فيها والجامعات والسياحة والاستثمار والمناخ وغيرها من المعلومات الأساسية التعريفيّة.

عامر فؤاد عامر

الوطن

Leave a Reply

Your email address will not be published.