الأوضاع الداخلية في إمارة أرمينيا… السكان..

img3h

(2) السكان

كانت المدن مراكز الجاليات العربية لذلك من البديهي أن تكون لأفرادها بعض النفوذ فيها رغم أن غالبية سكانها كانوا من الأرمن. وإذا استشهدنا بدبيل مثلاً نرى أن جميع الجغرافيين العرب يؤكدون على هذه الحقيقة. وعندما يقول المقدّسي أن معظم سكان مدينة دبيل هم من المسيحيين فمن البديهي أنه كان يعني أنهم من الأرمن.

يؤكد الجغرافي العربي ابن حوقل بدوره أن سكان دبيل وضواحيها ونخجوان يتكلمون بالأرمنية.

كانت هناك جماعات مسلمة مختلفة تقطن جنباً إلى جنب مع السكان الأرمن في مدينة دبيل إلا أن معظمهم كانوا من العرب بناء على أقوال المؤرخ الأرمني المعاصر غيفوند أثناء حديثه عن ثورة عام 774-775م مؤكداً على أن القوات العربية التي اندحرت من قبل الثوار الأرمن “لجأت إلى مدينة دبيل والتقى المحاربون هناك بأفراد من بني جلدتهم”.

بدأت العناصر الفارسية بالتزايد في المدينة مع مرور الوقت. ويذكر المؤرخ منجّم باشي حول  وجود حامية مؤلفة من الديلميين في قلعة دبيل في حقبة السلاّريين التي خانت محمد بن الشداد عند صدّها لهجمة سلاّريي مرزبان.

ولأن الأكراد كانوا جزءاً من العناصر الفارسية فقد لعبوا دوراً كبيراً في الدفاع عن دبيل. أكد المقدّسي على ذلك قائلاً: “دافع الأكراد عن مدينة دبيل”.

ذكرت المصادر والمؤلفات المختلفة هذه العناصر من عرب وأكراد وديلميين تحت تسمية عامة هي “المسلمون” لذلك ليس من اليسير دائماً معرفة ما يُقصد بهذا التعبير العام. يقول المقدّسي على سبيل المثال أن مسلمي مدينة دبيل ينتمون إلى الطريقة الحنفية مؤكداً على أنه حضر شخصياً احتفالاتهم الدينية في المدينة. وكان للمسلمين مقبرتهم الخاصة في دبيل منذ السنوات الأولى للقرن 9 م حيث دُفن الحاكم العربي خالد بن مَزْيَد الشيباني إلى جانب شخصيات مسلمة عديدة. ولم تكن “بوابة المقابر”، التي ذكرها منجّم باشي، بعيدة عن قبر هذا الحاكم.

ليست لدينا معلومات مباشرة ودقيقة أيضاً حول عدد المسلمين في مدينة دبيل في كتابات الجغرافيين العرب سوى في التلميحات غير المباشرة لمنجّم باشي. وعندما يتكلم هذا المؤرخ عن هجوم آشوت الثالث على دبيل مثلاً يشير إلى أن محمد بن الشداد أخرج السكان المسلمين من المدينة لصد الجيش الأرمني المؤلف من 30,000 رجل فبدا للملك الأرمني أن جموع السكان كانت كبيرة إلى درجة أنها تشبه حبات الرمل التي لا تحصى. وهذا دليل غير مباشر على العدد الكبير للمسلمين في العاصمة الأرمنية دبيل.

هناك مصادر موثّقة حول وجود اليهود في دبيل في فترة الحكم العربي إلا أن معلوماتنا غير كافية حول الدور الذي لعبه هؤلاء في حياة هذه المدينة في حقبة المملكة البقراتونية تحديداً. وبعد نشوب خصام بينهم وبين النساطرة في المجْمع الكنسي للمدينة في عام 555م لا نعثر لهم على أي ذكر بعدئذ تقريباً. ويشير الكاثوليكوس هوفهانّيس إلى وفد سرياني مرسل إلى الملك سمبات الأول لكننا لا نعلم لأية جماعة من السريان ينتمي هؤلاء. وهناك احتمال أنهم كانوا من سريان دبيل. وتوجد في الوقت الحاضر قرية سريانية قرب أنقاض مدينة دبيل التي من المحتمل  تأسست بسبب هجرات هذه الجماعات لاحقاً. جاء ذكر الجالية اليهودية في دبيل مرة واحدة فقط عندما أعطى حبيب بن مَسْلَمة الأمان لسكان دبيل وذكر اليهود إلى جانب المسيحيين والمجوس. ولا نسمع عنهم شيئاً بعد ذلك لأنهم من المحتمل هاجروا من المدينة.

لعب العنصر العربي دوراً معيناً في نخجوان. وكانت هذه المدينة على علاقات وثيقة مع دبيل وهي دائمة الذكر في المصادر العربية لأنها أصبحت مركزاً إدارياً مهماً في حقبة الحكم العربي. ويؤكد ابن حوقل مع ذلك أن اللغة التي يتكلم بها السواد الأعظم من الناس هنا كانت الأرمنية حتى نهاية القرن 10م.

كانت مدينة كارين (قاليقلا) مدينة أرمنية خالصة حتى النهاية. استمرت المدينة، التي كانت تساهم في المجهود الحربي البيزنطي كقاعدة عسكرية أمامية، في مهمتها فأضحت ثغراً عسكرياً بعد أن احتلها العرب. يؤكد البلاذري أن فاتح أرمينيا حبيب بن مسلمة أسكن 2,000 مقاتلاً عربياً في هذه المدينة جاء بهم من سوريا ومنطقة ما بين النهرين عام 654م ووزع عليهم بعض الأراضي.

فانخفض إثر ذلك عدد اليونانيين بسبب استيطان العرب في المدينة كعنصر حاكم. لذلك تعتبر كارين المدينة الأرمنية الأولى التي استوطنها العرب منذ بداية اجتياحهم للبلاد بسبب أهميتها الحاسمة كقاعدة عسكرية في حروبهم ضد بيزنطة. جذب استيطان العرب في هذه المدينة انتباه بيزنطة في ذلك الوقت فقامت باحتلالها بشكل مؤقت في منتصف القرن 8 م بعد هدم أسوارها كاملة كما أكد المؤرخ الأرمني المعاصر غيفوند: “أمر الإمبراطور البيزنطي قواد جيشه اصطحاب الأسرى العرب والسكان المسلمين وعائلاتهم إلى بيزنطة”.

أدرك السكان المحليون (الأرمن واليونانيون) بشكل جلي أن الحملة البيزنطية كانت مؤقتة الأهداف لذلك بدأوا بالهجرة غرباً. وكان البيزنطيون قد تمكنوا من دخول المدينة بسبب خيانة شقيقين أرمنيين كما يؤكد البلاذري.

بعد احتلال المدينة مباشرة أعيد توطينها بالعرب الذين تمّ تحريرهم من الأسر والمهاجرين الجدد الذين جيء بهم من مناطق ما بين النهرين ومقاطعات أخرى. يؤكد المؤرخ قسطنطين أن معظم سكان كارين (قاليقلا– ثيودوسيوبوليس) أصبحوا من المسلمين بشكل رئيسي.

لا يشير هذا المؤرخ طبعاً إلى أن معظم سكان المدينة كانوا من السكان الأصليين الأرمن. بناء على تأكيدات المؤرخ البيزنطي Attaliades هاجر عدد كبير من سكان هذه المدينة نصف المدمّرة المهجورة عندما بدأت مدينة أردزن بالازدهار في القرن 11م.

والاحتمال كبير أن معظم هؤلاء المهاجرين كانوا من الأرمن لأن أردزن كانت مدينة أرمنية ولا نملك مستندات حول وجود العرب في ربوعها.

لذلك نستنتج أن عرب مدينة قاليقلا– كارين تشتتوا ولجأوا إلى المدن والبلدان القريبة. ونعلم من أعمال المؤرخ البيزنطي قسطنطين حول وجود العرب في بعض القلاع الكائنة على الجهة الغربية من مدينة كارين في القرن 10م عند ذكره للغزوات البيزنطية التخريبية في هذه الفترة من أجل احتلال إمارة أونيك وغيرها في مقاطعة باسين.

ليست لدينا تفصيلات أخرى حول تركيبة سكان المدن الواقعة في إمارات أرمينيا الجنوبية. وكانت بيركري مدينة صغيرة محصّنة تُحكم من قبل قبيلة Uthmanids العربية التي استوطن معظم أفرادها داخل المدينة لدرجة يدعوهم المؤرخ الأرمني المعاصر توماس أردزروني “مواطني بيركري”. تمركز هؤلاء العرب في قلعة Amiwk أيضاً الواقعة على شاطئ بحيرة Van إلا أن الأردزرونيين تمكنوا من احتلالها  وقتل جميع من فيها.

كانت مدينة خلاط القاعدة المفضّلة لدى الحكام والقواد العرب منذ البداية وخاصة هؤلاء الذين  وصلوا من سوريا. وكان الحاكم العربي يقف عادة في هذه المدينة لتحقيق أمور تجارية قبل وصوله إلى دبيل.

كان عدد المسلمين كبيراً في مدينة خلاط في حقبة البقراتونيين. فإلى جانب العرب كانت هناك عناصر تتكلم باللغة الفارسية مؤلفة من إيرانيين بشكل رئيسي. تحولت المدينة إلى مركز للفرس في عملياتهم التجارية ونشاطاتهم الأخرى بسبب وقوعها على الطريق الرئيسية في آذربيجان. يؤكد الكاتب الفارسي Nasiri Khusrav، الذي زار المدينة عام 1046م أن 3 لغات كان يتداول بها في هذه المدينة هي العربية والفارسية والأرمنية وسميت خلاط (أخلاط) بسبب هذا المزيج من اللغات والشعوب.

إن وجود مطرانية الأرمن وكنيستي “الصليب المقدّس” و”القديس غامالايل” خارج أسوارالمدينة دليل مؤكد على الموقع المهيمن للعناصر المسلمة التي كانت تقطن داخل هذه المدينة.

تُعدّ منازكرت من أشهر المدن العربية ـ الأرمنية المشتركة بعد مدينة دبيل في حقبة البقراتونيين لأن الأمراء السُلّميين (القيسيين) استقروا فيها بين القرنين 9-10م. إلا أن المصادر العربية، التي تذكر المدينة مراراً، لا تقدم مع الأسف أية معلومات حول حياتها الداخلية بسبب عدم ازدهارها كثيراً على الأرجح رغم موقعها السياسي الممتاز. لدينا معلومات أن العرب من قبيلة سُليم كانوا  يشكلون جالية كبيرة في هذه المدينة. وعندما دخلت منازكرت تحت هيمنة دافيد ذهبي الفم، أمير تايك، في نهاية القرن 9 م تمّ إخلاء المدينة من العرب وتوطين الأرمن بدلاً منهم.

استولى الكردي Badh على المدينة بعد وفاة دافيد مباشرة وأعاد بناءها لدعم حكم المروانيين. لا توجد لدينا أية معلومات حول سكان مدينة أرجيش في هذه الحقبة رغم تأكيدات ياقوت أن غالبية السكان كانت من الأرمن. إلا أننا نعتقد أن هذه المعلومات تعود إلى فترة لاحقة أي إلى القرن 13م.

هكذا إذاً كانت الصورة العامة للمدن داخل الإمارات في أرمينيا البقراتونية التي كانت لها أواصر حميمة مع المدن الأرمنية الأخرى. كما ذكرنا كانت الكتلة الأساسية من سكانها الأصليين من الأرمن. لكن الوضع تبدل كاملاً لاحقاً في المدن التي كانت خارج المملكة  الأرمنية وتحديداً باغيش (بدليس) وأرزن (أرزان) وخاصة نبركرت (ميافرقين) التي كانت مدينة معرّبة شُيّدت على أنقاض مدينة تيكراناكرت Tigranocerta، عاصمة الملك الأرمني الكبير ديكران الثاني. كانت هذه المدينة قاعدة عسكرية حيوية للعرب وخاصة أنها تقع على الطريق المؤدية إلى منطقة الصراع العربي ـ البيزنطي الأساسية فأصبحت المدينة، بل منطقة أغجنيك برمتها، قسماً لا يتجزّأ من منطقة شمالي ما بين النهرين. وكانت طبيعة السكان تشبه تلك السائدة في منطقة ما بين النهرين وسوريا.

إذا دققنا النظر في التركيبة السكانية لمدن الإمارات الأرمنية نلاحظ بشكل عام أن العرب شكلوا العنصر المهاجر الأكبر عدداً إلى جانب السكان الأرمن المحليين. إلا أن هذا التوازن اختل لاحقاً بسبب تنازل العرب عن مكانهم للأكراد. ومن الغريب أن زوال الوجود العربي من أرمينيا كان سريعاً لدرجة انعدام ذكرهم تماماً لدى المؤرخين بعد القرن11م. عانى السكان العرب، الذين كانوا يقطنون في المدن الأرمنية، من مجازر عديدة نفذتها الجيوش البيزنطية. وإلى جانب ذلك تعرضت المدن كارين ومنازكرت وخلاط ونبركرت للدمار الواسع رغم إعادة بنائها وإسكانها بالمسلمين ثانية. إستقر اليونانيون (من المحتمل الأرمن الذين اعتنقوا المذهب الأورثذكسي اليوناني) في كارين ومنازكرت وأرجكه وأرجيش وبيركري إلا أن الوضع تبدّل جذرياً بعد وصول السلاجقة – الأتراك.

فحلّ الأكراد مكان العرب بشكل عام وبدأت القبائل الإيرانية، التي كانت تقطن في المناطق الجنوبية لأرمينيا الكبرى قروناً عديدة، بالتغلغل باتجاهات مختلفة منذ القرن 10م.

وبسبب ظهورهم على شكل جماعات مسلحة تمكنت القبائل الكردية من لعب دور محدد في الحياة المدينية في الشرق الأوسط. وأوضح برهان على ذلك وصول الأيوبي صلاح الدين إلى منصب السلطان في مصر الذي كان جده قد هاجر إلى مصر من ضواحي مدينة دبيل الأرمنية . وابتداء من القرن 10م وبداية القرن 11م تحولت إمارات أرمينيا العربية إلى إمارات كردية لكنها سُميت بالإمارات العربية لأسباب شتى. وكانت الجموع الكردية المتغلغلة مؤلفة من جماعات صغيرة من المغامرين الذين تمكنوا من الهيمنة على هذه المدينة أو تلك بقوة السلاح. ومن الظواهر المميزة أن العرب لم يبنوا حتى مدينة واحدة على أرض أرمينيا على النقيض من البلاد المفتوحة الأخرى وخاصة في تلك المناطق التي كانت هجرة القبائل العربية كبيرة جداً حيث شيّدوا مدناً عربية خالصة كالكوفة والبصرة في منطقة ما بين النهرين والفسطاط في مصر والقيروان في تونس. تحولت هذه المدن إلى قواعد انطلاق لجيوش الخلافة العربية وساهمت بشكل كبير في تعريب المناطق البعيدة منها كشمال إفريقيا على سبيل المثال. لم يقم الحكام العرب في أرمينيا باتخاذ مثل هذه الخطوات، بل اكتفوا بإيجاد الجاليات العربية في بعض المدن الأرمنية واحتلال المناصب القيادية فيها.

هكذا كان التوزيع الإثني في مدن الإمارات الأرمنية. ومع ذلك لم تختلف هذه المدن عن المدن الأرمنية الأخرى من وجهة النظر الطبقية. وكانت الطبقة العليا من المجتمع مؤلفة من الإقطاعيين المستقرين في المدينة. يشير إليها المؤرخ الأرمني المعاصر بـ “القادة النبلاء” في مدينة دبيل.

إنحدر أمراء المدينة من هذه الطبقة الاجتماعية ذاتها ولم يكن نظام الحكم مع ذلك وراثياً في جميع المدن. وكان الحكام في دبيل وكارين مثلاً من الشخصيات المغمورة وفي القرن 11م  وتمكن الشداديون من ترسيخ أقدامهم فيها. ومن الإمارات ذات الحكم الوراثي نذكر سلّميي (قيسيي) منازكرت وخلاط وأرجيش وUthmanids وبيركري وشيبانيي وحمدانيي نبركرت وزُراريي أرزن وغيرها.

لعبت طبقة التجار أيضاً دوراً معيناً في المدن الأرمنية في الحقبة البقراتونية. إلا أننا نفتقد إلى أدلة كافية لتحديد دور التجار الأرمن والعرب في الحياة التجارية للمدن المذكورة. ومع كل ذلك بحوزتنا بعض الحقائق التي تخص حياة طبقة الحرفيين وعامة الناس في مدن الإمارات استخلصناها من نتائج التنقيبات الأثرية.

من العبث التحري حول أوضاع الفلاحين في المقاطعات الأرمنية لأنه ليست هناك مصادر حول حياتهم اليومية في أرمينيا أو حتى في الأراضي التي تمّ تعريبها كسوريا ومصر وغيرهما حيث كان الفلاحون المحليون يتكلمون بلغتهم السريانية والقبطية لقرون عديدة وحافظوا على عقيدتهم المسيحية.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (25).

Leave a Reply

Your email address will not be published.