مقدمة كتاب “شهادات غربية عن الإبادة الارمنية في الإمبراطورية العثمانية” إعداد البروفيسور آرشاك بولاديان

%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%b4%d9%87%d8%a7%d8%af%d8%a7%d8%aa-%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%ba%d9%84%d8%a7%d9%81

مئة عام مرت على جريمة الإبادة الأرمنية، تلك الجريمة النكراء التي ارتكبتها السلطات العثمانية بحق مليون ونصف المليون من أبناء الشعب الأرمني، ولا يزال المجتمع الدولي منقسماً على ما حصل انطلاقاً من معايير ومصالح سياسية بين جريمة الإبادة ضد الإنسانية، وبين أحداث مؤسفة أثناء الحرب العالمية الأولى نتيجة الفوضى التي دبت في الإمبراطورية العثمانية، وبين المذابح التي حدثت بحكم العمليات الحربية كردود فعل من بعض الجهات غير المنضبطة ومن دون رضى السلطة المركزية.

إن المآساة الأرمنية، حسب التوصيف الدولي، مزدوجة بين خسارة الشعب وخسارة الوطن، لأنها كانت جريمة إبادة أمة بكاملها ومحو تراثها وحضارتها، وليست أحداثاً مؤسفة خارجة عن سيطرة دولة العثمانيين، كما تحاول اليوم الحكومات التركية ترويجه. إن الإبادة الأرمنية بكل مقاييسها كانت نتيجة النزعة الطورانية التي كانت تسعى إلى إقامة إمبراطورية تركية من الأناضول إلى أقاصي آسيا شرقاً. فمن هذا المنطلق كانت أرمينيا عائقاً أمام هذا المشروع وقيام هذه الدولة، ولذا كان مشروع محو أرمينيا من الخريطة وإزالة شعبها من الوجود.

مئة عام من صمت العديد من المجتمعات والدول في وصف ما حصل مع الشعب الأرمني من كارثة إنسانية وحضارية وثقافية، لذا ناضل ويناضل الأرمن في العالم لاستعادة حقوق وأرض أجدادهم المسلوبة. وبغية تحقيق هذه الأهداف قامت جميع المنظمات والأحزاب السياسية الأرمنية بجهود مشكورة لإحياء ذكرى شهداء الإبادة وعرض القضية الأرمنية على المحافل الدولية، تلك القضية وإن اكتنفها النسيان، ما زالت جرحاً نازفاً لعموم الأرمن في أرمينيا والمهجر. وفي ظل الإنكار القاطع المتواصل للإبادة الأرمنية على مرِّ السنين من سلطات الجمهورية التركية منذ بدايتها حتى الآن، دفع الأرمن بمنظماتهم وأحزابهم وشرائح مجتمعاتهم، منفردة أو مجتمعة، إلى عمل سياسي مكثف في سبيل القضية الأرمنية ورفع عرائض إلى حكومات وبرلمانات الدول الأجنبية ومذكرات إلى هيئة الأمم وغيرها.

خلال مئة عام من الانتظار والشعب الأرمني يؤمن بعدالة قضيته وبالضمير العالمي، ويثق بمفاهيم العدالة والمساواة والحرية وحقوق الإنسان والشعوب في العيش وتقرير مصيره ومتابعة مسيرة النضال من أجل حياة كريمة والاعتراف الدولي بالإبادة الأرمنية. وبالرغم من التحولات والتغييرات الإيجابية في العقود الأخيرة في أوساط بعض المجتمعات الدولية وتحرك بعض الحكومات، انطلاقاً في بعض الأحيان من أهداف سياسية واقتصادية، في مسيرة إدانة واعتراف الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية، مارست ولاتزال تمارس تركيا سياسة الإنكار ورفض مصداقية القضية الأرمنية.

إن مواقف تركيا غير بناءة تجاه القضية الأرمنية وتزييفها للحقائق التاريخية وضع العالم أمام واقع جديد، وأصبحت حكمة الأمم عاجزة عن إيجاد حل منطقي لهذه القضية بكل ملامحها وخلفياتها التاريخية والأخلاقية والقانونية والسياسية، حل قائم على العدالة والتصرف بالأراضي العائدة لأصحابها الأرمن. إن عدم تصالح الأتراك مع التاريخ، والتغلب على العقدة النفسية التي تلاحقهم ليلاً ونهاراً، لا تستوقف إرادة الأرمن حكومةً وشعباً ومهجراً تصميمهم على استعادة العدالة واستكمال وتكثف جهودهم في سبيل اعتراف وإدانة الإبادة الأرمنية.

فهذا التصميم الحازم والإرادة القومية أصبحا من أولويات السياسة الخارجية لجمهورية أرمينيا خاصة بعد استقلالها من عام 1991. إن هذا العمل المشترك والمستمر لأرمن الشتات وحكومة أرمينيا يزيد يوماً بعد يوم معنوية وخصوصية جديدة للاعتراف الدولي بالقضية الأرمنية العادلة وإحياء ذكرى الشهداء الأبرياء الذين دفعوا الغالي والنفيس لانتمائهم للجنس الأرمني. ودليل على تلك  الصرخة الأرمنية العالمية حكومة وشعباً لإحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية في الأمبراطورية العثمانية عبر انطلاق فعاليات واسعة النطاق رسمية وشعبية وثقافية وغيرها على مدار عام 2015 في عاصمة أرمينيا وفي جميع أنحاء المعمورة.

من دون شك، لقيت فعاليات مئوية الإبادة بأنواعها وأشكالها وعلى جميع المستويات أصداء عالمية، ليس لها مثيل، وساهمت بشكل كبير من جديد في تدويل القضية الأرمنية سياسياً وإعلامياً، وهنا يجب الإشارة إلى الدور الكبير والجهود المشكورة للرئيس سيرج سركيسيان رئيس هيئة اللجنة الحكومية لإحياء ذكرى مرور مئة عام على الإبادة الأرمنية، التي قامت بتنسيق دقيق ومدروس للفعاليات في أرمينيا والشتات.

إن الفعاليات الرسمية لإحياء الذكرى المئوية جرت من 22-24 نيسان 2015 في يريفان بمشاركة زعماء عدة دول ورجال الدين ووفود برلمانية وعلمية وإعلامية وشعبية ليس فقط من الشتات الأرمني، بل من جميع البلدان الصديقة.

وإلى جانب الفعاليات الحكومية الرسمية في أرمينيا وإجلالاً لأرواح شهداء الإبادة، تم في 23 نيسان إشهار مليون ونصف مليون أرمني، ضحايا جريمة الإبادة التي ارتكبت قبل مئة عام، بأنهم “قديسون” ليكملوا سلسلة القديسين الأرمن في الكنيسة الرسولية الأرمنية، وذلك ضمن مراسم كنسية وقداس خاص أقيم في العاصمة الأرمنية الروحية (إيتشميادزين). وترأس القداس كل من الكاثوليكوس كاريكين الثاني كاثوليكوس عموم الأرمن (إيتشميادزين) والكاثوليكوس آرام الأول كاثوليكوس بيت كيليكيا (أنطلياس)، ولفيف من المطارنة ورجال الدين.

وخلال القداس الخاص تم وضع رفات من دير الزور يعود لعام 1965 من أنطلياس وإيتشميادزين، إضافة إلى رفات عدد من القديسين والكتاب المقدس لزيتون، واليد اليمنى للقديس كريكور. وحضر المراسم كبار الشخصيات في الدولة برئاسة رئيس الجمهورية إلى جانب عدد كبير من ممثلي الدول والوفود، ومن بينها الوفد البرلماني السوري الذي ترأسه رئيس مجلس الشعب الدكتور محمد جهاد اللحام، التي نتجت آفاق جديدة للاعترافات الدولية بالمذابح الأرمنية كواحدة من أكبر عمليات الإبادة العرقية في التاريخ الحديث، وذلك عند لقائه الأخير مع رئيس جمهورية أرمينيا سيرج سركيسيان عند افتتاح المنتدى السياسي الدولي “مكافحة جريمة الإبادة” في يريفان.

خلال اللقاء مع رئيس مجلس الشعب السوري أعرب سركيسيان عن شكره لتخصيص جلسة في البرلمان السوري في 17 آذار 2015 ووقوف دقيقة صمت بمناسبة الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، والكلمة التي ألقاها رئيس المجلس، معرباً عن امتنانه عن الخطوات التي تتخذ في سورية بشأن الاعتراف بالإبادة الأرمنية.

من جانبه عبر اللحام عن تقدير سورية قيادة وحكومة وشعباً لمواقف جمهورية أرمينيا الصديقة الداعمة لسورية في ظل ما تتعرض له من إرهاب تكفيري وضغوط سياسية واقتصادية من دول استعمارية، وجدد اللحام تضامن سورية وشعبها مع جمهورية أرمينيا والشعب الأرمني الصديق في الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، مؤكداً أن العالم مدعو اليوم للتعلم من دروس الماضي والاعتراف بحقوق الشعوب واحترامها والعمل بروح الشراكة الإنسانية بعيداً من الأيديولوجيات المتطرفة والمفاهيم الانعزالية المنغلقة.

في ذكرى مئوية الإبادة الأرمنية وفي إطار زيارة النصب التذكاري في يريفان، ألقى رئيس جمهورية أرمينيا ورئيس اللجنة الحكومية لفعاليات إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية سيرج سركيسيان كلمة قال فيها: نحيي اليوم الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية، قبل مئة عام، في 24 نيسان بدأت الاعتقالات بحق المفكرين الأرمن في عاصمة الإمبراطورية العثمانية، واستكملت بإحدى أكبر جرائم القرن العشرين، وكانت الأحداث أمراً استثنائياً لم يسبق له مثيل. أشار أيضاً إلى أعمال التهجير والنفي التي تعرض لها الشعب الأرمني، وعمليات الإبادة التي راح ضحيتها 1,5 مليون أرمني.

وتحدث سركيسيان عن الذاكرة الجماعية وضرورة نقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة التي تبنى عليها عملية منع الجرائم المقبلة، مستشهداً بخطاب البابا فرنسيس عن الجرح النازف، ومذكراً بالأحداث التي تمر في الشرق الأوسط وضرورة إيجاد الحلول لمنع تكرار الإبادات، وقال: يبدو أن الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية باتت مرحلة جديدة للنضال الدولي لمكافحة الجرائم، فهناك العديد من الدول والمنظمات الدولية التي اعترفت وأدانت أول إبادة في القرن العشرين، وأكد آخرون تجريم محاولات إنكارها ورفضها، وأكدوا أن الاعتراف بالإبادة الأرمنية انتصار للعدالة وضمير الإنسانية ضد العنصرية والكراهية. وشدّد أن الشعب الأرمني سيقف إلى جانب المعذبين من الجرائم بحق الإنسانية، وأن النضال الدولي لمكافحة الإبادات سيكون جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية في أرمينيا، وفي نهاية الخطاب ختم قائلاً: “لا يمكن أن ننسى، وأنه بعد مئة عام نتذكر ونطالب”.

وخلال حضور المراسم الرسمية لمئوية الإبادة في يريفان أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ثبات موقف روسيا حول مذابح الأرمن قائلاً: أنه لا تبرير ولا يمكن أن يكون هناك أي تبرير للإبادة الجماعية، وقال: نحن نتعاطف بإخلاص مع الشعب الأرمني الذي عانى من أكبر الكوارث في تاريخ البشرية. وأكثر من 1,5 مليون مدني قتلوا وجرحوا، وأكثر من 600 ألف طُردوا من بيوتهم، وتعرضوا للقمع على نطاق واسع. وأكد الرئيس الروسي أن أحداث 1915 هزت العالم كله، واعتبرتها روسيا مأساة خاصة بها، مشيراً إلى أن مئات الآلاف من الأرمن حصلوا على اللجوء في روسيا. مذكراً أن موسكو بادرت دولياً إلى اعتبار مذبحة الأرمن جريمة بحق الإنسانية، وفي النهاية أضاف: إنه من أجل جعل العالم مكاناً أفضل وأكثر أمناً واستقراراً، من الواجب أن ننظر بتفاؤل إلى المستقبل، ونثق بمبادئ الصداقة وحسن الجوار والتعاون، ونتعلم الخير والوفاق واحترام بعضنا بعضاً، ومصالح بعضنا بعضاً.

من جانبه أشار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في كلمته خلال إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية أمام النصب التذكاري للإبادة الأرمنية في يريفان أن فرنسا وروسيا وبريطانيا أصدرت عام 1915 بياناً مشتركاً، واعتبرت أن ما حدث للأرمن هو جريمة بحق الإنسانية. وذكر أن فرنسا استقبلت الأرمن الناجين من الإبادة، مشيراً إلى أن فرنسا أصدرت عام 2001 قانوناً تعترف فيه بالإبادة الأرمنية وقال: “نحن هنا في يريفان ندعو الجميع للدفاع عن الأقليات وخاصة المسيحيين في الشرق الأوسط”. واعتبر أن إحياء الإبادة يعني قبول المأساة بكل مناحيها، ومنع الجرائم في العالم.

في السياق ذاته أشار الرئيس الفرنسي إلى أن إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية هو واجب على فرنسا للتذكير بضخامة وبشاعة الجريمة وتذكر ضحايا الإبادة ونقل الذاكرة إلى الأجيال المقبلة، وأكد في النهاية أن الاعتراف بالإبادة الأرمنية هو حدث للسلام.

في الوقت الذي تنكر فيه السلطات التركية مسؤولياتها عن تلك الجرائم البشعة والبربرية بحق أمة بكاملها، فقد اعترفت بها دول العالم المتحضرة، والهيئات والمنظمات الدولية وحقوق الإنسان، وقداسة بابا الفاتيكان البابا فرنسيس، والبرلمان الأوروبي، والعديد من البرلمانات التي دعت حكومة حزب العدالة والتنمية للاعتراف بالإبادة الأرمنية، على أنها تطهير عرقي والاعتذار من الشعب الأرمني.

إن مرور قرن من الزمن على الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانية، لا يعفي تركيا كوريثة وخليفة السلطنة العثمانية من مسؤوليتها التاريخية وتبعاتها الأخلاقية والمادية، مع الأسف الشديد، قامت تركيا بخطوات تعاكس إرادة المجتمع الدولي، وحاولت بتشويش إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية وعرقلة مشاركة رؤساء الدول والوفود الرسمية فيها، وعمدت إلى إحياء ما تسميه معركة »غاليبولي« في مراسم استعراضية على مضيق الدردنيل، التي ليست لها علاقة من بعيد أو قريب مع توقيت ومفهوم الإبادة الأرمنية، ولكن من دون جدوى. صبت كل جهود تركيا في هذا المسار في مصلحة إحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمنية على الصعيد العالمي.

في ظل موقف الحكومات التركية منذ بداية الإبادة الجماعية للأرمن وحتى الآن، كما هو معلوم، الرفض الكامل للواقعة على أساس أنها كانت حرباً سياسية ولم تكن عرقية، ومحاولاتها ماضياً وحاضراً لعدم تدويل القضية الأرمنية، وتشويه الحقائق التاريخية، خير عمل هو توثيق الوقائع والحقائق التاريخية، فالتوثيق بشكل خاص له قيمة أساسية في البحث التاريخي، ويمنح الفرصة للتعمق في أسباب ونتائج الظواهر والأحداث التي لها صلة مباشرة بالإبادة الأرمنية، وخاصة أن مصادر التوثيق تابعة ليس للأرمن، بل لشخصيات أجنبية، عاصروا تلك المرحلة العصيبة في تاريخ المنطقة شرق الأوسطية، وبالذات عاشوا بحكم عملهم في الإمبراطورية العثمانية، وشاهدوا بأم أعينهم ما حل بالشعب الأرمني من ويلات ووقائع فظيعة. فمن هذا المنظور يثير اهتمام بالغ مذكرات ودراسات الدبلوماسيين وشهود عيان غربيين، التي تتضمن حقائق لا تنكر، ولا تستهان، وتسلط الضوء على الأحداث التاريخية، وتكشف سياسة ووحشية العثمانيين الطورانيين تجاه المناطق الأرمنية وسكانها الحقيقيين.

وفي الختام.. نتقدم بخالص الشكر والامتنان إلى »دار الشرق« للنشر وخاصة لرئيس مجلس إدارة طعمة الدولية الدكتور نبيل طعمة المفكر والأديب السوري البارع، الذي قام بتسهيل جميع الأمور لنشر كتب تخدم القضية الأرمنية العادلة والصداقة الأرمنية – السورية. كما نشكر جميع من شارك في تحضير هذا الكتاب خاصة السيدة مانيا كشيشيان، والآنسة كارون كوركجيان والسيد أيهم يونس لمساهمتهم الفعالة.

د. آ. بولاديان

دمشق 10 أيلول 2015

* ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر مقاطع كتاب “شهادات غربية عن الإبادة الارمنية في الإمبراطورية العثمانية” إعداد ومراجعة ودراسة: البروفيسور-الدكتور آرشاك بولاديان، دمشق – 2016، (1).

Leave a Reply

Your email address will not be published.