الأوضاع الداخلية في إمارة أرمينيا…الحرف والتجارة

arabic-emirates-in-pakradounian-armenia-small

(3) الحرف والتجارة

ظهرت حقائق حول الحرف الأرمنية في الحقبة البقراتونية من خلال نتائج الحفريات الأثرية في آني ودبيل وكتب الجغرافيين العرب المعاصرين بينما لا يقدم المؤرخون الأرمن مع الأسف سوى معلومات يسيرة حول الصناعات المدينية لهذه الفترة. لذلك علينا ملئ هذا الفراغ بالحقائق التي جاءت في روايات الجغرافيين العرب وخاصة الإصطخري وابن حوقل والمقدّسي الذين وجّهوا جلّ اهتمامهم نحو دبيل. اهتم هؤلاء الجغرافيون بشكل أساسي بالصناعات النسيجية والتجارة المتصلة بها، بينما قدمت التنقيبات الأثرية رصيداً كبيراً من اللقى الخزفية والمعدنية الغنية بمعلوماتها حول تطور هذه الحرف اليدوية. قدّم الجغرافيون العرب في القرن 10م أهمية كبيرة لصناعة المنسوجات المنزلية أيضاً. وكانت هذه الأشياء تُصنع باللون الأحمر الفاتح الذي يسميه العرب “القرمز”. ونعلم أن قرية أرتاشات، الواقعة قرب مدينة دبيل، تعدّ مركز إنتاج هذه المادة لذلك كانت تعرف بـ “قرية القرمز” من قبل العرب.

من الشيق أن نعلم أن هذه المنتجات النسيجية المصبوغة بلون القرمز كانت لها شهرة واسعة في جميع أرجاء الخلافة العربية وتُعرف بـ “السلع الأرمنية”. وكانت المنسوجات الخشنة تصنع من الصوف بينما تُحبك الناعمة منها بالحرير الطبيعي. ويقارن اليعقوبي مثلاً في مذكراته المنسوجات التي تمّ صباغتها في مدينة أسيوط المصرية بتلك التي تنتج في أرمينيا مؤكداً على تشابههما في الجودة.

ترك ابن حوقل بدوره، الذي كان معاصراً للبقرادونيين، وصفاً مقتضباً ومحكماً حول ما تنتجه مدينة دبيل قائلاً: “تُستورد من دبيل منسوجات ناعمة من شعر الماعز وأخرى صوفية كالسجاد وأغطية السروج والوسائد وغيرها من الطراز الأرمني التي يصبغونها بالقرمز. ويُستَخلص هذا الصباغ من دودة تشبه دودة القز. وينتج الأرمن أيضاً المنسوجات الحريرية بكميات كبيرة تشبه تلك التي تُصنع  في بلاد الرومان إلا أن منتجات العاصمة الأرمنية هي الأجود. والسلع التي تصنّف تحت اسم البضائع الأرمنية كالمنسوجات والوسائد والستائر والسجاد ووسائد الأرائك الجلدية والمخدات وأغطية السروج لا مثيل لها في جميع أنحاء العالم”.

جميع البضائع التي ذكرها الجغرافي العربي كانت جزءاً مهماً في صناعة دبيل المحلية. وكانت هذه المدينة إحدى أهم المراكز الانتاجية في أرمينيا في تلك الحقبة الزمنية.

أظهرت التنقيبات الأثرية المنهجية في مدينة دبيل وجود صناعات أخرى كالحدادة والصياغة ومعامل نسيج وأفران لصنع الفخاريات. وتنقسم اللقى المكتشفة إلى مجموعتين: الخزفيات والأشياء المعدنية. وتتألف المجموعة الأولى من فخاريات عادية ومزجّجة ckina وغيرها، بينما تحوي اللقى المعدنية أدوات حديدية ونحاسية إلى جانب الأسلحة. وتحوز المصوغات الذهبية على اهتمام خاص وتقدم لنا معلومات قيمة حول تطور صناعة الصياغة الأرمنية.

كانت مدن أرمنية أخرى تقوم بنشاط إنتاجي مماثل. واستناداً إلى ابن حوقل كانت المنسوجات تصنع في مدن أرمينيا الجنوبية أيضاً كسالماس ونبركرت كذلك مارند وتبريز في آذربيجان.

يشير هذا الجغرافي العربي إلى سجادة نفيسة صنعت في سالماست وبيعت 10 دنانير ذهبية. ويذكر أيضاً حول صناعة المناديل والشال في ميافرقين وغيرها من المدن الأرمنية. ولم تكن هذه السلع تباع في أسواق أرمينيا الداخلية فحسب، بل كانت تصل إلى مناطق نائية وتساهم بالتالي في تطوير الحركة التجارية. وبسبب الحروب المستمرة بين بيزنطة والقوى الأخرى والضرائب الباهظة ومعوقات عديدة أخرى بدأ الانحدار الإقتصادي يظهر في أرمينيا في فترة الاحتلال العربي لكنه توقف في القرن 9 م.

تورطت أرمينيا البقرادونية مدة قرنين في حروب متقطعة مع ساجيي آذربيجان ومع ذلك ساهمت فترات السلم الطويلة في تطوير المدن الأرمنية.

إزدهرت المدن الواقعة على الطريقين التجاريتين الرئيسيتين اللتين تخترقان أراضي أرمينيا عبر آذربيجان وأغبانيا باتجاه آسيا الصغرى وسوريا. وانتعشت بشكل موازٍ حتى القرن 10م الطريق الشمالية التي تقع قربها مدينة نخجوان ودبيل وآني وقاليقلا (وأردزن لاحقاً) ومدن الطريق الجنوبية مثل Her وVan وبيركري وأرجيش ومنازكرت وخلاط وباغيش ونبركرت. وتحوز “رسائل” سمبات الأول، التي احتفظ بها المؤرخ الأرمني هوفهانّيس دراسخاناكيردتسي، على أهمية  كبيرة  في إبراز بعض ملامح هذه الحقبة. وكان هذا الملك الأرمني قد كتب إلى آفشين الساجي مؤكداً على أن التجارة بين مملكته وبيزنطة ستعود بالنفع على الخلافة أيضاً. وحاول سمبات إقناعه أن معاهدته مع بيزنطة لم تيسّر استيراد الثياب والحلي البيزنطية فحسب ، بل فتحت المجال واسعاً أمام  تصدير سلع المسلمين إلى آسيا الوسطى.

رغم عدم توقف الحروب الدموية مع ساجيي آذربيجان توسعت المدن الأرمنية  دبيل وكارين ونبركرت ونخجوان وأرجيش وبيركري ومنازكرت وباغيش وغيرها في الحقبة الأولى للبقراتونيين وتأسست مدن جديدة بين القرنين 10-11م كآني وأردزن بينما كانت المدن السالفة الذكر تنعم بفترة رخاء كبير. ومن الشيق أن نذكر هنا أن هذه الظاهرة جرت بشكل لافت للنظر على الطريق الشمالية التي كانت تحت هيمنة الملوك البقراتونيين المباشرة.

يجب أن نذكر أيضاً أن معظم المدن الموجودة قرب الطريق الجنوبية كانت تقع ضمن أراضي الإمارات وتحت سيطرة الأمراء الكاملة. ويقدم ابن حوقل الوصف التالي لهذه الطريق قائلاً: “تبدأ الطريق من مراغا وتتجه إلى أورميا وسالماس وخوي وبيركري وأرجيش وخلاط وبدليس وأرزن وميافرقين”.

لكن الوضع كان مختلفاً بالنسبة للطريق الشمالية حيث معظم المدن حولها كانت بيد الأرمن. خلا ذلك لعب التجار الأرمن دوراً حيوياً في تطوير تجارة مدينة دبيل. وكانت هذه الطريق نشيطة جداً في القرنين 10-11م والازدهار الذي تتكلم عنه المصادر التاريخية يعود إلى هذه الفترة بشكل خاص. وأوضح برهان على ذلك توسّع مدينة آني السريع جداً.

شُيدت مدن جديدة على مسار هذه الطريق الشمالية بسبب الوضع غير الآمن للمدن القديمة. لقد حثّ وقوع مدينة دبيل تحت الهيمنة الأجنبية الأمراء الأرمن على بناء مدينة آني وتطويرها. كذلك أدى دمار قاليقلا الكامل إلى تشييد مدينة أرزن وتطويرها. كذلك تمتّعت المدن الكائنة قرب الطريق الجنوبية من هذا الرخاء العام أيضاً. وإنها حقيقة أن الوضع السياسي غير المستقر في البلاد والاجتياحات البيزنطية المستمرة خلقت أحوالاً غير آمنة.

أدّت الحركة التجارية النشيطة مع سوريا ومنطقة ما بين النهرين على طول الطريق الجنوبية إلى تطوير العلاقات بين أرمينيا والدول الأخرى في مجالات شتى. وكانت السلع التي تصدّر من دبيل وآني تمر عبر منازكرت وخلاط وباغيش ونبركرت وتصل إلى آمد التي كانت مركزاً كبيراً لتخزين البضائع التي تصل من أرمينيا. وكانت هذه الطريق تنقسم إلى فرعين: كان الأول منهما يتجه نحو منطقة ما بين النهرين بينما يسير الثاني باتجاه سوريا. يحوز الوصف، الذي قدمه الجغرافي العربي ابن حوقل حول آمد، على أهمية كبيرة عندما قال: “لم تتوقف الحركة التجارية فيها بتاتاً لأنها تعتبرمرفأ أرمينيا البيزنطية وأردزن. تبحر السفن من هناك إلى الموصل وهي محملة بالعسل والزيت والجبنة والجوز والبندق واللوز والفستق والتين وسلع أخرى من جميع الأصناف”.

إلى جانب هذه المنتجات الطبيعية يذكر الجغرافي العربي بإعجاب البغال التي كانت تصدّر من أنجيواجيك قائلاً: “من زوازان وبعض مناطق أرمينيا وأران يتمّ تصدير بغال عمّت شهرتها لقوتها وجلدها ورشاقتها إلى العراق والشام وخرسان. لم تكن مدينة آمد المرفأ النهري الوحيد الذي يخدم أرمينيا لأن الموصل، التي كانت أهم مركز تجاري في منطقة ما بين النهرين، اشتركت معها في مهمة التجارة المتبادلة أيضاً. ويؤكد اليعقوبي بدوره أن سفناً عديدة محملة بالبضائع الأرمنية كانت تصل إلى بغداد.

وأهم الصادرات الأرمنية هي تلك التي يسميها الجغرافيون والمؤرخون العرب “البضائع الأرمنية” التي كانت لها شهرة واسعة ورواجاً كبيراً في كل عربي تقريباً كمنطقة بلاد ما بين النهرين وسوريا ومصر كذلك إيران. وعند ذكره لسجاد أصفهان من أعمال إيران يؤكد ابن روسته Rusta، الجغرافي من القرن 10م: “هذا النوع من السجاد سيكون أجمل مظهراً عند استعماله مع الأثاث الأرمني فقط”.

يذكر اليعقوبي أن المواد الخام المستوردة كانت تستخدم في صنع هذا الأثاث ابتداء من القرن 10م: “كانت نوابض من شرطان منسوجة تُصنع في مدينة نهروان قرب الوسيط وتصدر بعدها إلى أرمينيا على شكل حزم أو جدائل”.

كانت أرمينيا تصدر المعادن أيضاً. إلى جانب هذه السلع كانت أسماك بحيرة Van، وخاصة الداريخ، يسميها العرب سمك التِرِّيخ، تملّح وتشحن على السفن باتجاه الموصل ومناطق أخرى في العراق وسوريا. وكان الملح الصخري يجمع من حواف البحيرة ويصدّر إلى العراق ليباع للمخابز.

تقع مدينتا دبيل وقاليقلا، اللتان كانتا تدخلان ضمن الإمارة العربية في معظم الأحيان، قرب الطريق الشمالية التي تخترق المناطق البقراتونية بشكل أساسي. بقيت دبيل مركزاً تجارياً وصناعياً رئيسياً في أرمينيا طوال حقبة البقراتونيين حتى بدأت مدينة آني بمزاحمتها تجارياً وانتزاع الزعامة منها تدريجياً في نهاية القرن 10م وطوال فترة القرن11م. وكانت دبيل في الوقت ذاته أهم نقطة تقاطع على الطريق التجارية فانطلقت منهاطريق تجارية شرقاً نحو بردعة وشاماخي حتى دربند ووصلت إلى بلاد الخزر. وكانت هناك طريق أخرى سارت نحو الشمال إلى البحر الأسود عبر مدينة تبيليسي. ولكن الأهم بين هذه الطرق كانت تلك التي انطلقت غرباً وتفرّعت إلى قسمين قرب مدينة آني: امتدّ أحد الفرعين من كارين إلى طرابزون بينما اتجه الثاني جنوباً. وكانت هناك طريق أخرى تربط دبيل بإيران عبر نخجوان وتبريز.

كانت لمدينة دبيل 4 بوابات تنطلق منها 4 طرق. لكن المقدسي يذكر 3 منها فقط: “باب آني” و”باب تفليس” و”باب كندار”.

تقع بوابة آني إلى الجهة الغربية من المدينة تقريباً بينما تقع بوابة تفليس على الجهة الشمالية منها. ومن الصعوبة بمكان معرفة موقع البوابة الثالثة حالياً ويمكن الاستنتاج تخميناً أنها كانت على السور الشرقي للمدينة بسبب العلاقات التجارية الواسعة بين دبيل وبردعة. خلا ذلك يخبرنا المؤرخ منجّم باشي حول وجود “بوابة المقابر” التي هرب عبرها الشداديون من قلعة دبيل إلى باسفرجان أي إلى الجهة الجنوبية ـ الغربية. ونستخلص من هذه المعلومات أن البوابة كانت موجودة في مكان ما على الجهة الغربية من المدينة. ومن المحتمل وجود بوابات أخرى على أسوار هذه المدينة. ونقول مع الأسف أن التنقيبات الأثرية لم تقدم لنا الجديد لأن الأسوار الطينية للمدينة تفتتت وتحولت إلى تراب عبر هذه العصور الماضية الطويلة.

آست مدن أرمنية عديدة مثل كارين ومنازكرت وخلاط وغيرها من الدمار الواسع نتيجة الإجتياحات البيزنطية التي كانت لها عواقب ضارة جداً على تجارتها وانحدرت العمليات التجارية فيها بشدة وخاصة بعد ظهور السلاجقة- الأتراك.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (26).

Leave a Reply

Your email address will not be published.