الإمارات أراض إقطاعية في أرمينيا

arabic-emirates-in-pakradounian-armenia

تعتبر الإمارات العربية، التي كانت على شكل إقطاعات مستقلة، ظاهرة مميزة في أرمينيا في حقبة البقرادونيين. ورغم عدم نجاح الملوك البقراتونيين في توحيد مقاطعات مملكتهم بعد وفاة سمبات الأول، إلا أنهم أفلحوا مع ذلك في إعادة خلق سلسلة إمارات إقطاعية ذات روابط غير متينة فيما بينها. اتخذت بعض هذه الإمارات تسمية ممالك بينما ظل معظمها على شكل إمارات ودخل جميع أمرائها تحت هيمنة الملك البقراتوني في حقبة حكم آشوت الأول وسمبات الأول مع العلم أن علاقاتها ضعفت مع التاج البقراتوني لاحقاً. وكانت للإمارات العربية في أرمينيا سمات محددة ميزتها عن الممالك والإمارات الأرمنية الصغيرة أهمها أنها كانت ذات طابع مديني لأن العرب وسواهم من الغرياء المحتلين سيطروا على المدن التجارية الغنية ولم يبالوا كثيراً بالمناطق والقرى المحيطة بها. وبعد فشل المحاولة الشجاعة للجحافيين إنسحب الأمراء العرب واكتفوا بالاحتفاظ بالمدن فقط. ويجب التأكيد هنا أيضاً على أنه لم يكن للفلاحين العرب من وجود يذكر في القرى الأرمنية.

إستوطن العرب في المدن الأرمنية لأسباب سياسية وعسكرية منذ الفترة الأولى لاحتلال  أرمينيا من قبل الخلافة العربية. وكانت سيطرتهم على البلاد كاملة بسبب هيمنتهم على المدن الرئيسية وخاصة دبيل. وكانت لقاليقلا– كارين أهمية عسكرية كبيرة أيضاً.

كانت وجهة نظر الأمراء الأرمن تختلف كثيراً عن العرب والمسلمين الآخرين في هذا الشأن. فرغم تمركز الملوك والأمراء البقراتونيين والأردزرونيين والسيونيين والبهلافونيين الأرمن في المدن التجارية إلا أنهم كانوا يقيمون في قلاع حصينة كانت تشرف على مقاطعات خاضعة لهم . تشبث الأمراء الأرمن في أحيان كثيرة بالقلاع الجبلية الواقعة على مقربة من الطرق  التجارية الرئيسية أو قرب المدن المحصّنة. هكذا كانت الحال مع بهلافونيي بجني Bejni وأمراء منطقة لوري ونبلاء سيونيك في كابان وEghekis. وكان من البديهي أن يرغب الأمراء الأرمن أيضاً بامتلاك مدن على طرق التجارة الرئيسية. ولكن عند فشلهم في تحقيق ذلك كانوا يشيدون مدناً جديدة حول هذه الطرق للحصول على نصيبهم من الثروات التجارية الوفيرة في تلك الحقبة. وهكذا، وبسبب الصعوبات التي واجهها الملك آشوت الثالث على طريق إعادة السيطرة على دبيل، إضطر على تحويل آني عاصمة لمملكته. ومن ناحية أخرى، ولمنافسة بيركري والمدن الموجودة حول بحيرة Van، آثر الأردزرونيون على اللجوء إلى جميع إمكانياتهم المتاحة لتنشيط حركة البناء في مدينتي Van وOstan. جاهد الأمراء الأردزرونيون للتوسع نحو المدن التجارية الواقعة شمالي بحيرة Van إلا أنهم لم يفلحوا سوى في احتلال قلعة Amiwk وبقيت بيركري وغيرها من المدن تحت هيمنتهم المؤقتة.

إن السمة المهمة الثانية، التي كانت الإمارات العربية تتميز بها عن مثيلاتها من الإمارات الإقطاعية الأرمنية، هي علاقاتها الوثيقة مع مناطق الخلافة العربية الأخرى. لذلك سببت الميول الإنفصالية لزعماء تلك الإمارات العربية أضراراً جسيمة لمستقبل المملكة الأرمنية. لقد حاول الأمراء العرب، كالنبلاء الإقطاعيين الأرمن، الانعتاق من هيمنة الملوك الأرمن. وبما أنهم كانوا حكاماً غرباء عن البلاد فقد تبنى هؤلاء الحكام العرب طرقاً متباينة للتحرر مقارنة بالأمراء والإقطاعيين الأرمن. ومثالنا على ذلك أن ممالك أرمينيا الصغيرة كسيونيك وتاشير– جوراكيت حاولت التخلص من سيطرة ملك آني بشتى الوسائل لكن عند ظهور خطر خارجي عام كان جميع هؤلاء يتّحدون حوله. هكذا كانت الحال مثلاً عندما هدد الإمبراطور البيزنطي John Tzimiskes باجتياح أرمينيا فدخل نبلاء باسفرجان وتاشير– جوراكيت وقارس وسيونيك وصاصون تحت راية الملك آشوت الثالث. وأمام هذا الخطر الكبير لم يبقَ الأمراء العرب خارج هذا التحالف فحسب، بل حاربوا الملك الأرمني. وكانت الإمارات العربية متحالفة بشكل عام مع أعداء الملك الأرمني. وكان لإمارة دبيل، التي ظلت قاعدة أمام الحملات العسكرية من آذربيجان ضد أرمينيا مدة طويلة من الزمن، دور سلبي في هذا المعنى لأنها كانت نقطة انطلاق لعمليات الساجيين العسكرية طوال فترة غزواتهم المستمرة. ولم يتخلَّ  السلاريون عن هذه المدينة أبداً لأنهم كانوا على يقين تام من أهميتها القصوى أثناء الهجوم على أرمينيا ومناطق القفقاس الشرقية.

سرّعت الإمارات العربية أيضاً من وتيرة تقطيع أوصال المملكة الأرمنية بسبب هيمنتها على المدن الرئيسية كانفصال مقاطعات باسفرجان على سبيل المثال. وقطعت الإمارة القيسية في منازكرت بدورها ارتباطاتها مع الملوك البقراتونيين وبقراتونيي تارون فزالت العلاقات بين باسفرجان والمملكة البقراتونية. خلا ذلك كان صراع المملكة الأرمنية ضد هذه الإمارات يتطلب تجنيداً أوسع لوسائل القوة وخاصة أن أي هجوم عليها سيتحول إلى ذريعة للدول الإسلامية المجاورة  كي تتدهور علاقاتها مع أرمينيا.

كانت إمارة القيسيين الأقوى بين جميع الإمارات في أرمينيا البقراتونية وكان أمراؤها يتخذون من منازكرت عاصمة لهم. وتضم إمارتهم، إلى جانب العاصمة، مدناً عديدة كخلاط وأرجكه وأرجيش وبيركري وغيرها. وكان الحكم في منازكرت وراثياً ومحصوراً في عائلة الأمير القيسي أبو الورد. قسّم أولاد هذا الأمير في بعض الأحيان إمارة والدهم وحوّلوها إلى إمارات صغيرة يمكن توحيدها عند الضرورة. وكانت مدينة منازكرت الأوفر حظاً كي تتحول إلى مركز للإمارة رغم سكن خلفاء أبو الورد في هذه المدينة أو تلك حسب الأحوال المستجدة.

كانت مسألة الإدارة الداخلية لمدن هذه الإمارات متّصلة بوثاقة مع الظروف السائدة في المدن الأرمنية في تلك الحقبة. وكان نظام الحكم في هذه الإمارات شرقي الطابع في معظم الأحيان في فترة البقراتونيين وله ميزات مشابهة عديدة مع مدن الخلافة العربية.

كانت مدن الشرق تختلف بشكل عام عن المدن الأوروبية التي كانت تتميز بتوقها إلى الحكم الذاتي والصراع ضد الإقطاعيين أصحاب السلطات غير المحدودة، بينما فكرة الحكم الذاتي المديني كانت غير معروفة في الشرق في الحقبة القروسطية لأن الأمير كان الحاكم المطلق وكان حكمه وراثياً ويعتبر المدينة من أملاكه الخاصة. ونجد في هذه المدن الإسلامية إلى جانب الأمير الزعيم الديني المعروف بالقاضي الذي كان يقوم بمهام دينية وقضائية ويشرف على الهبات والتبرعات والأوقاف التي كانت تتشكل من أملاك المساجد وأموالها وغيرها من العقارات. ورغم نشوب خلافات بين الأمير والقاضي أحياناً، التي كانت تحدث في الأندلس في غالبة الأحيان، لا وجود لهذه الظاهرة في الخلافة الشرقية لأن الأمير ظل سيد المدينة بلا منازع.

كانت التجارة في الشرق باعثاً لظهور منصب آخر هو منصب “المحتسب” الذي كان يعين من قبل الأمير شخصياً. وتكمن مهمته في الإشراف على المعاملات التجارية والحفاظ على دقة الأوزان والمكاييل.

كانت للمحتسب بعض الإمتيازات محصورة بشكل استثنائي في المجال التجاري. رغم ذلك كان مُكرهاً على الأخذ بمشورة القاضي حول أية مسألة تحتاج للتمحيص. ومن مهام المحتسب أيضاً الإشراف على الأخلاق العامة وتقويتها ومنع احتساء المشروبات الروحية في الأماكن العامة و حجب الاجتماعات غير المرخصة. وإذا اكتشف المحتسب حركة مشبوهة ضد الحكم كان عليه إعلام سيده فوراً. نهايةً، وبصفته مشرفاً على التجارة، كان من واجبه تحديد مقدار الضرائب وجبايتها أيضاً. وكان “صاحب الشرطة” يساعده في تأدية مهامه في مدن الخلافة.

كانت هذه الأجواء سائدة أيضاً في مدن أرمينيا البقراتونية ومدن الإمارات. حكم القيسيون وراثياً في منازكرت وخلاط وأرجيش وغيرها من المدن، بينما لم يكن النظام الوراثي سائداً في دبيل وقاليقلا حيث تعيّن آذربيجان الحكام بدون وجود أية صلة قرابة بينهم.

أكدت المصادر العديدة الموّثقة حقيقة وجود القاضي والمسجد في دبيل بسبب وجود الجاليات العربية والجماعات المسلمة الأخرى. أما شؤون الأرمن الدينية فقد كان الكاثوليكوس ينظمها حتى الربع الأول من القرن 10م وأصبحت من مسؤوليات مطران دبيل بعد ذلك التاريخ.

سادت هذه الأحوال من وجهة النظر الحقوقية على جميع مدن الإمارات في فترة الحكم العربي أيضاً. وكانت الشريعة الإسلامية مقبولة في أرمينيا نظرياً أثناء الاحتلال العربي ومنحصرة في الإطار السياسي فقط. وكانت الأمور الخاصة للسكان الأرمن تدار في الحقيقة وتُحلّ عن طريق قوانين الكنيسة الأرمنية التي جُمعَت وصيغت أثناء الحقبة العربية. وكانت للكنيسة محاكمها الروحية (كما هي الحال  في سوريا ودول عربية أخرى حتى  يومنا هذا ـ المترجم) بقوانينها الخاصة. وكانت هذه القوانين تطبق في مدن المملكة الأرمنية أيضاً لأنه لم تكن هناك قوانين مدنية في تلك الحقبة الزمنية رغم الاعتقاد السائد بتطبيق Novellae البيزنطية كذلك ترجمات القانون السوري ـ الروماني في بعض المناطق.

كان هناك مجلس محلي له بعض الصلاحيات في إدارة أمور السكان في بعض المدن البقراتونية وكانت طبيعة هذه المجالس  تختلف بين مدينة وأخرى في دبيل وآني مثلاً. كان لهذه الإدارة المحلية دور مميز طوال تاريخها لذلك تستحق منا التفاتة خاصة إليها. ليس هناك أدنى ريب أن مدينة دبيل، كمدن أرمينيا الأخرى بشكل عام، لم تكن تتمتع بالحكم الذاتي بسبب أوضاعها غير المستقرة التي كانت السبب في فتح المجال واسعاً أمام اسقلالية عمل الإدارة المحلية. واجهت دبيل خطرالفوضى باستمرار طال مدة قرن كامل منذ احتلال الساجيين للمدينة حتى إعادة توحيدها مع المملكة الأرمنية في حقبة كاكيك الأول. وهناك معلومات محددة في المصادر الأرمنية والعربية حول الإدارة المحلية لمدينة دبيل. يذكر البلاذري مثلاً عن نبيل طاعن في السن كان يقطن في هذه المدينة يدعى برماك بن عبد الله الدبيلي كذلك يشير إلى “مشايخ” مدينة كارين– قاليقلا عند حديثه عن أحداث جرت في أرمينيا في حقبة الاحتلال العربي. وعندما يصف المؤرخ الأرمني المعاصر توماس أردزروني معركة جرت بين كاكيك أردزروني وأميرهاجم دبيل يجهل اسمه يؤكد أنه لإنقاذ المدينة من الدمار الشامل: “ركع أعيان المدينة أمام كاكيك يرجونه بقبول الحل السلمي مصطحبين معهم الجزية والرهائن”.

أكد على ذلك بوضوح المؤرخ الأرمني المعاصر هوفهانّيس دراسخاناكيردتسي أيضاً قائلاً: “ذهب النبلاء الكبار والشخصيات المرموقة والأمراء في دبيل إلى الملك كاكيك …”.

هذا دليل أن المؤرخ يشير إلى أعضاء الوفد الذي خرج من دبيل وهم شخصيات مرموقة تشكل هيئة الإدارة المحلية للمدينة.

لم يكن باستطاعة هذه الإدارة المحلية أن تلعب طبعاً دوراً ريادياً في حياة المدينة تحت الظروف العادية أي في حقبة حكم وراثي راسخ الأركان. لكن عند غياب الحكم الوراثي في المدينة، وبسبب الخوف من ضياع القانون والنظام العام، كان لا بد أن يحوز قَدَر هذه المدينة الغنية على اهتمام خاص من قبل النبلاء الذين كانوا مكرهين على استلام زمام إدارة المدينة بشكل مؤقت فقط. وكان دورهم الإستثنائي ينتهي طبعاً بعد وصول الحاكم الجديد الذي يوافق على تطلعاتهم. وهكذا، وعندما أصبح محمد بن الشداد على يقين تام من خيانة  سكان دبيل له، غادر المدينة فتعقّبه نبلاؤها ورجوه عدم تسليمهم للديلميين والعودة إلى المدينة ليحكمها ثانية.

*ينفرد موقع “أزتاك العربي للشؤون الأرمنية” بنشر كتاب “الإمارات العربية في أرمينيا البقرادونية” للمؤلف المستشرق الدكتور البروفيسور آرام تير-غيفونديان، (الطبعة الثانية المنقحة)، ترجمه عن الإنكليزية: الدكتور ألكسندر كشيشيان، عضو اتحاد الكتاب العرب، رئيس تحرير “كتاب العاديات السنوي للآثار”، صدر الكتاب عن مؤسسة المهندس فاروجان سلاطيان، حلب 2013، وسيتم نشر فصول الكتاب تباعاً (27).

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.