الإبادة.. الدم الذي صنع أرمينيا الجديدة

%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%af%d9%8a%d9%86 

على ظهر تلّة في قلب يريفان مسلّة مجوّفة تحتضن أخرى على مرأى من جبل آرارات. للمكان وقع موسيقي حزين يلف الزائر مذ لحظة الوصول بصور لم يرها بعد لكنه يتلمّس دموعها، تماماً كما الضرير الذي يقوده حدسه. الدموع سمة أرمنية، فعل متكرر منذ قرن وقليل، منذ “مزاد الأرواح” الذي نجت منه أورورا مارديغانيان، الفتاة الأرمينية إبنة العائلة المقتدرة التي اختطفت وبيعت ومن ثم هربت لتوثق جزءاً من إرث قومها بكتاب ومن ثم تجسيداً لمأساتها تمثيلاً.

أورورا ليست وحيدة، لعلها واحدة من قلّة تمكنت من النفاذ لتروي الحكاية على أذان العالم الصماء. لم نكن لنتعرف على الأيقونة الأرمنية لولا صورتها المعلّقة وسط متحف الإبادة إلى جانب العشرات من الوثائق والأفلام التي تحكي الحكاية.

في متحف الإبادة إعادة إحياء لخطّ زمني طويل يذهب عميقاً في التاريخ. الإبادة ليست البداية إنما نتيجة لسنوات سوداء سبقت، عملية تدحرجٍ ممنهجة للقيم الإنسانية بحدّها الأدنى، مسلسل قهر صامت لم يسمع به العالم حتى رأى ضحاياه. المشهد قاتم والمسار طويل، وصور الجلادين والضحايا تتشارك حائطاً أضحى محكمة قضاتها أنت وأنا وكل من سنحت له الفرصة للسير في الرواق الطويل. تمشي الهوينا مدققاً في كل صورة، في كل أثر، في أي قصاصة تاريخ معلقة على الجدران، يشعر المرء وكأنه معني بحسم الأمر وإن قضي الأمر قبل عقود.

نتابك قشعريرة وصوت كوميداس يدندن من عميق، الفنان ورجل الدين الأرميني الذي نجا من الإبادة ومات كمداً بسببها بعد سنوات في مشفى نفسي في باريس يواجهك قبل قليل من صور المتهمين بالمسؤولين عن الإبادة. جمال باشا السفاح ليس سفاحاً في بلاد الشام فقط، هو أحد المخططين الأساسيين للجريمة إلى جانب مجموعة من المسؤولين العثمانيين.

لا ينتهي بنا المتحف قبل أن نلتقي بصورة للمجموعة التي انتقمت من السفاح في تبليسي، عاصمة جورجيا اليوم. ستيفان دزاغيغيان وأرتاشيس كيفوركيان وبتروس بوغوصيان، كانوا جزءاً من عملية انتقام ممنهج طالت إلى جانب جمال باشا، طلعت باشا في برلين وسعيد حليم باشا في روما وجمال عزمي في برلين.

تعيدنا مرشدتنا إلى العام 1915 مجدداً، تذكرنا بدور عربي مساند للأرمن، تتحدث عن شريف مكة، الحسين بن علي، ودوره في إنقاذ من تبقى من أرمن آنذاك، تضيف بعربية ركيكة تعلّمتها قبل سنوات في جامعة دمشق “هو طلب من العرب أن يحافظوا على الأرمن كما يحافظون على أبنائهم وأموالهم، وبعد ذلك أصبح الأرمن في سوريا ولبنان جزءاً من النسيخ الإجتماعي” تضيف بينما نتصفح وجوه شهود العيان ومن كتبوا عن المجزرة. فايز الغصين شهد كذلك على المجزرة وكتب عنها، “العرب بشكل عام، السوريون واللبنانيون بشكل خاص لعبوا دوراً محورياً في إنقاذ آلاف الأرمن، كان العثمانيون يعتقدون أن العرب سينهوا ما بدأوه هم لكن العرب على العكس فتحوا بيوتهم واستقبلوا أهلنا الذين أصبحوا لاحقاً من أبناء البلاد”.

بين أول المتحف وآخره عبارتان قاتلتان، الأولى للجندي والكاتب الألماني آرمين واغنر، الشاهد الرئيسي على المجزرة والذي وثّقها بالصور التي تعدّ اليوم أهم ما لدى الأرمن لتقديم مأساتهم، كتب واغنر “لقد ماتوا موت كل الأرض، موت كل العصور”، لم يكن شيء غير الصور ليعبّر كما عبّر الألماني… العبارة الثانية لألماني آخر، نقشت عند المحطة الأخيرة قبل الخروج من المتحف، “لا أحد يتحدث في هذه الأيام عما حلّ بالأرمن” يقول الديكتاتور الألماني أدولف هتلر لجنوده قبل ساعات من دخولهم بولندا، يقول قوله وكأنه يطمئنهم قبل الغزو القادم بأنهم سينجون بفعلتهم. صاعقة هي العبارة بقدر ما هي واقعية، ولائحة الوقائع طويلة جداً.

علي هاشم

الميادين

Leave a Reply

Your email address will not be published.