الإبادة الأرمنية على عتبة المئوية الأولى

“الإبادة الجماعية أو العرقية” مصطلح وضعه المحامي البولندي رافايـيل ليمكين في ثلاثينيات القرن العشرين لوصف الجرائم المنظمة بحق جماعة قومية أو عرقيـة أو دينـية بقـصد تقليص عددها أو اقتلاعها من أرضها أو قتلها.

وقد اتّكل ليمكين على المجازر التي ارتكبتها الدولة التركية عام 1915 بحق الشعب الارمني داخل حدود الامبراطورية العثمانية والتي أوقعت مليونا ونصف المليون من الارمن، في أرض أجدادهم، كنموذج حي للإبادة الجماعية. هذا المصطلـح تم تبنـيه من خلال اتفـاقية منع ومعاقبة جريمة الإبـادة الجماعية في الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1948.

وبالرغم من مناقشة الإبادة الأرمنية على أعلى المنابر الدولية، واعتراف أكثر من عشرين دولة حتى الآن بالابادة، حاولت الدولة التركية إنكار حصول الإبادة وتحاشت مجابهة ماضيها من خلال فرض التعتيم الاعلامي تارة، والتضليل الاعلامي أحيانا اخرى. ولم تتوان الدولة التركية عن التهديد والوعيد من خلال التلويح بالمعاقبة الاقتصادية لبعض الدول التي تعترف بالإبادة الأرمنية وبالملاحقة للافراد الذين يتطرقون للموضوع.

وفي عام 2007، اغتيل الصحافي التركي الجنسية الأرمني الاصل هرانت دينك لأنه تجرأ على وصف المجازر الأرمنية بالإبادة الجماعية. وتم تهديد الاديب التركي اورهان باموك الحائز جائزة نوبل للآداب سنة 2006 وسواه من الكتاب والصحافيين الاتراك بالقتل أو السجن للسبب عينه.

ولكن على عتبة المئوية الاولى للإبادة الأرمنية وعلى ابواب القرن الحادي والعشرين ومع انتشار الانترنت، بات العالم أشبه بقرية كونية بلا حدود، وأصبح التواصل بين الجمـاعات والوصول الى المعلومات بلا قيود مادية. هذا ما كسر المحرمات وأدخل القضية الأرمنية الى عالم الصحافة التركية من بابها الواسع، فراح الصحافيون الأتراك يخصصون صفحات واسعة لموضوع كان منذ أمد قريب من أشدّ المحرّمات داخل تركيا.

ولم تنفع محاولات الحــكومات التركية المتعاقبة لمنع الانــترنت وفرض قيود على الصحافة، المئات من المفكرين والصحافيين والآلاف من المثقفين الاتراك من توقيع عريضة على الانترنت تحت عنوان «اطلب العفو» وهذا نصه: “ان ضميري لا يتقبل ان نظلّ غير مبالين بالكارثة الكبرى التي حلّت بالأرمن في الامبراطورية العثمانية عام 1915، وان ننكرها. إني أرفض هذا الظـلم غير العادل وشخصيا أشاطر اخواتي واخوتي الأرمن احزانهم ومشاعرهم وأطلب منهم العفو (www.ozurdiliyoruz.com) .”.

القضية الأرمنية هي مطلب ارمني محق وعادل لا تسقط بالتقادم ولا تمـوت بمرور الزمن. بالرغم من مرور ست وتسعين سنة على الإبادة الأرمنية لا تزال ارض ارمينيا المحتلة والمهجورة وإرثها الثقافي تســكن ضمـير كل ارمني، ولا تزال أرواح الشهداء تفتقد الراحة الابدية. فتلك الارواح المعــذبة لن ترتاح إلا اذا ما أخذت العـدالة مجراها.

ولكن يجب اولاً وقف مفاعيل الإبادة. فالإبادة الثقافية ما زالت مستمرة من خلال التدمير المنهجي للارث الحضاري والثقافي في ارمينيا المحتلة وكيليكيا. فالكنائس والاديرة وســائر المعــالم طالها التدمير المتعـمد، والنــهب والاهمال بهــدف إزالـة كل دلــيل او إثبات على الوجود التاريــخي للأرمن. فلا يمكن لتركيا ان تنضم للعـالم المتحضر إلا من خلال المصالحــة مــع ذاتها وتاريخها، من خلال الاعتراف بأخطائها التاريخية والتعويض على الشعب الأرمني المتضرر، وإعادة حقوقه المسلوبة ورفع الحصار عن الجمهورية الارمنية.

هذا ما نتوقعه ايضاً من العالم المتمدن على عتبة المئوية الاولى للإبادة الأرمنية حتى لا نورث الأحقاد والخلافات للأجيال القادمة.

لودفيك ايوازيان

السفير

Leave a Reply

Your email address will not be published.