مئة عام وعامان: من العثمانيين إلى الأتراك… وأرمن سوريا يشهدون!

 
الإبادة الأرمنية تمت، إلا أن ذاكرة مَنْ بقي عصيّةٌ على الإبادة! معادلة يتمسك الأرمن بها: فلا الأعوام التي تجاوزت المئة بسنتين تمكنت من محو هول المشاهد التي إرتُكبت عام 1915 بحق أكثر من مليون ونصف مليون أرمني، ولا التهجير إلى بلدان أخرى نجح في تبديد اللغة والثقافة والعادات جيلاً بعد جيل، فحافظ الأرمن على قضيتهم وظلّوا شهوداً على شهادة أجدادهم…

في سوريا، الأرض تشهد على الإبادة من حلب إلى دير الزور على طول الطريق الذي سلكه الأرمن المهجرون منذ نحو مئة عام. وفي سوريا، أرض وشعب يشهد على موجة تهجير جديدة في الزمن الحالي لتتكرر المآسي (لو جزئياً بالنسبة إلى فظاعة جريمة 1915)، وليبقى المذنب واحداً: فعضو مجلس الشعب السوري نورا أريسيان تشدد على أن “الحكومات المتعاقبة في تركيا هاجسها إنكار الإبادة التي تم تنفيذها بحق الأرمن في كنف الامبراطورية العثمانية”، واليوم “الدور التركي واضح جداً بشكل عام في الحرب على سوريا وهو دور سلبي في دعم الارهاب وفتح الحدود”.
وبين إبادة الـ1915 وواقع الحاضر، تشدد أريسيان على أن “التهجير القسري من الإمبراطورية العثمانية يومها مختلف عن هجرة الأرمن من سوريا واللجوء إلى لبنان وأرمينيا وكندا اليوم”. إلا أن هذا الإختلاف لا يلغي حقائق تبرزها الأرقام بوضوح: فقبل الحرب في سوريا عام 2011 كان عدد السوريين من أصل أرمني أكثر من 80 ألف نسمة، القسم الأكبر منهم في حلب التي كانت تضم وحدها من 55 إلى 60 ألف سوري أرمني، أما راهناً فانخفض عددهم في حلب إلى نحو 12000 نسمة فقط حسب الأرقام التي تدونها المطرانية الأرمنية هناك. واقع هذه الأرقام ينسحب بنسبة أقل على دمشق التي بقيت آمنة مقارنة بحلب، لكنّ الأرقام تشير إلى أن العاصمة التي كانت تضم قبل الحرب 7 آلاف سوري أرمني باتت تضم اليوم من 4 إلى 5 آلاف.

رغم المحافظة على لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، لا بد من تسجيل واقع أن الأرمن يشكلون قسماً من مكونات المجتمع السوري: لا يعتبرون نفسهم غرباء عن هذا البلد، بل هم باتوا في مئة عام أساساً لأرض احتضنتهم بعد تهجيرهم، فانخرطوا هم في بنيتها المجتمعية. ومن هنا، تشير أريسيان إلى أن “حقوق السوري الأرمني مصانة في دستور الجمهورية العربية السورية، وهو جندي في القوات المسلحة ومساهم في لجان الدفاع الوطني من أجل سوريا”. وعليه، عاش الأرمن الحرب السورية بكل تفاصيلها وتحملوا وزر أعبائها، ومن أبرز الصعوبات على الإطلاق الدمار الذي أصاب المعامل والمنشآت الصناعية التي كان السوريون الأرمن يملكونها خصوصاً في حلب، مع إشارة أريسيان إلى “سرقة هذه المصانع من قبل المجموعات المسلحة خصوصاً التي تدعمها تركيا”.

غير أن هذه المآسي على قساوتها لم تمنع مَنْ بقي من الإستمرار على رغم الصعوبات المعيشية من كهرباء وماء في حلب تحديداً، فالأرمن يقاومون بصمودهم ويستمرون في حياتهم من خلال تعزيز الجمعيات والنوادي الإجتماعية والثقافية والرياضية، إضافة إلى دور كنائسهم كرمز من رموز الوجود.

الحرب في سوريا أضرّت بالسوريين الأرمن اليوم، غير أنها في مكان بدت وكأنها تضرب ذاكرتهم التي يرفضون التخلي عنها وفاءً لأجدادهم وللحق. فالحرب أطاحت بـ”كنيسة الشهداء الأرمن في دير الزور” التي كانت تحوي نصباً تذكارياً ولوحات فريدة، إضافةً إلى متحف في البهو السفلي للكنيسة يضم وثائق وكتباً نادرة ومواداً مهمة تاريخية وتراثية. “تم تفجير الكنيسة، ولا معلومات راهناً عن المقتنيات”، تقول أريسيان.

دارت الحياة دورتها خلال مئة عام وعامين، تقدم الزمن أعواماً وبقي الإجرام والترهيب والتكفير والقتل والتهجير على حاله… بقيت القضيةٌ قضيةً تبحث عن حق وعدل، وبقي الأرمن شعباً شاهداً على هول الفظاعات: من الإبادة حتى اليوم، من بحيرة “فان” الى مسلك نهر “الفرات” في دير الزور، من جبال “أرارات” إلى “حلب”…
ليست “قضية شعب” فقط، بل هم “شعب القضية” يطلقون الصرخة كل 24 نيسان بوجه الإنسانية الصماء!

رواد ضاهر

الكلمة اون لاين 

Leave a Reply

Your email address will not be published.