الذكرى الثانية بعد المائة لإبادة الأرمن .. قتل أمة…. ومحو هوية

 

كنت أحاول وعبر سنين مضت أن انأى بنفسي عن الخوض بما عرف بالابادة الارمنية لاسباب عديدة لعل اميزها كوني مختص بتاريخ كردستان السياسي، وكنت ولا ازال اعتقد ان تاريخ كردستان السياسي لم يبحث بصورة وافية، وان هناك حلقات لا تزال غامضة، ومن الصعوبة الربط بين بعض الاحداث لافتقار التاريخ الكردي الى التدوين، فضلاً عن عدم وجود مؤسسات مستقلة تدون احداث الايام ووقائعها عند الكرد، فبالتالي اعتمد الكرد في دراسة تاريخهم على مدونات ووثائق الاخرين. لذلك يحتاج التاريخ الكردي الى البحث والاستقصاء فكثير من حلقاته لا تزال غامضة، ويبدو ان هناك حلقات من العمل البحثي لم تغطِ بصورة علمية فمواطن الكرد وجذورهم التاريخية، وعلاقاتهم مع جيرانهم، فضلاً عن اصولهم ووقائع الاحداث التي رافقت بعض الشخصيات الكردية التي كان لها دوراً مهاً في احداث التاريخ. كل هذه الاسباب دفعتني الى البحث والتقصي عن علاقة الكرد مع جيرانهم ، وطبيعة هذه العلاقة؟ ويبدو ان الوثائق المتاحة دفعتني لتسجيل بعض المواقف الايجابية، فضلاً عن المواقف السلبية وفي كلا الحالتي فان هناك علاقة تخضع للمتغير الداخلي وصراع القوى الكبرى على المنطقة .

في خضم ذلك اخذ مني البحث ماخذ في تسجيل بعض الوقائع وتدوين الاحداث حتى وصلت الى قناعة ان هذه العلاقة لا يمكن ان تدرس بعناية دون ان نخوض في جرم يرى الكل ان مرتكبه واحد وهذا الجرم يعرف بـ(الابادة الارمنية).

متى وقعت هذه الابادة؟ وما هي نتائجها ؟ ما هو دور الاتراك فيها؟ هل صحيح ان الكرد كانوا ادات بيد الاتراك؟ ما هو دورهم في الابادة؟ هل هناك قطيعة بين الشعبين(1)؟

اعتقد ان الاسباب التي يعرضها المؤرخين المدافعين عن حق الاتراك وحلفاؤهم في ارتكاب مثل هذه الجرائم هي أسباب غير مبررة، فهناك جرائم ابادة واقولها بملئ الفم (ان هناك جريمة ابادة جماعية) ارتكبت بحق شعب كامل جرد من أرضه وانتزعت منه حقوقه، ليساق الى تخوم الصحراء، بخطة ممنهجة ومدروسة رسمها الاتراك بعناية واعدوا لها سلفاً سيناريو محكم .

تحدث الدكتور كمال مظهر احمد عن الوسائل التي اعتمدت في قتل الارمن، حيث وصل الامر الى انتزاع الطفل من حضن امه وتهشيم جسده الضعيف على الارض امامها، ثم تغتصب وتقتل. ورافق الابادة مشاهدات مروعة كالاجهاض القسري الذي كانت النساء يتعرضن له، او تجريد النساء من ثيابهن ثم اغتصابهم وقتلهن. واسترقاق الفتيات او الأطفال (2) .

جرائم لا يمكن تبريرها وفضائع لا يمكن السكوت عنها. تحدث جيلبرت سينويه في رواية الرائعة بشخوصها الحقيقين عن قاطرة الموت، وكيف سيق الارمن من ديارهم ، ارتال يتساقطون موتى بين ايدي جلاديهم، ثم تحدث عن مراحل القتل الجماعي الذي استخدم بحقهم في مقدمة اقل ما يقال عنها بانها رائعة قال:” من المهين جداً التعذر بالجهل … فلتمشوا على الوحل، وعلى الدماء. فلتطأ أقدامكم هذي الرؤوس المقطوعة، ولتزيحوا عن ممركم هذي الاجساد المعلقة في اطراف الطرقات ، ولتمروا فوق اجسادنا هؤلاء النساء المغتصبات ببطنهن المبقورة، والمخضبة بالدماء كأنهن خرجن لتوهن من مجزرة ولتتأملوا أخيراً هؤلاء الاطفال الصغار ذوي الجماجم المهشمة…لا شك في انكم سترفعون أصواتكم قائلين :”هذا غير ممكن”(3).

 يبرر الاتراك  ذلك بدواعي امنية ساقتهم لهذا الفعل وان :” الارمن نفوا موقتا الى –العراق او سوريا – حيث كلفوا بالاقامة فيه الى ان تضع الحرب اوزارها”(4)، ووفقاً للرواية العثمانية فان هذه:” الهجرة كانت تحت اشراف السلطات المدنية، ولم تكن للجيش علاقة بها”(5). يعترف جمال باشا بان الاوامر صدرت بنفي جميع الارمن من الاناضول(6)، لكنه يحاول ان يبين ان هناك رد فعل قام به السكان المحليين من الاتراك والاكراد ازاء ما ارتكبه الارمن بحق العزل في القرى الكردية والتركية(7).

المبررات التركية لم تجد لها صداً، والحقائق نقلها اكثر من مصدر، فقد ذكر سفير الولايات المتحدة ان هذه المذابح وقعت قبل هذا التاريخ اي قبل 1915م، وهذا يعطي تاكيد لما قاله الدكتور كمال مظهر احمد من ان الازمة بدأت قبل هذا التاريخ  وفقاً لما ذكره السفير الامريكي  فلم :”تكن هناك معوقات كبيرة لعملية الابادة التركية في عام (1895-1896) والاعوام الطويلة الاخرى “(8).

مورغنطاو لم يحدد السني التي بدأت فيها سياسات التهجير والتي يعتقد انها سبقت عام 1895م وهذا ما ذهبنا اليه، من ان التهجير كان ممنهج وسار على وتيرة واحدة فلم يكن السلطان عبد الحميد اول من نفذه، بل سبق هذا العصر بسنوات، ولعله ازداد عنفاً في ظل حكم هذا السلطان الذي بدأ حكمه في عام 1876م.

الصراع الدولي والمنافسة بين الدول الغربية وروسيا ربما ساعد الاتراك في تنفيذ سياساتهم وعدم الالتزام بكل بنود بمعاهدة برلين التي تم التوقيع عليها في 13/ تموز/ 1878 بين المانيا والنمسا وهنغارية وفرنسا وبريطانيا وروسيا و(الرجل المريض) العثمانيين. طرحت هذه المعاهدة (64 مادة)، عالجة في مجملها ما كان يعرف (المسألة الشرقية) والاملاك العثمانية، وعدلت بعض بنود معاهدة سان ستيفانو فألزمت الباب العالي بإقامة بلغارية ذات حكم ذاتي خاضعة لسيادة السلطات العثمانية ومتمتعة بحكومة مستقلة، كما ان هذه المعاهدة منحت مقاطعة (مونتينيغرو وصربيا) الاستقلال، فضلاً عن استقلال رومانية(9)، وألزمت الاتراك احترام هذه البنود والتي ورد فيها احترام حقوق الأرمن الخاضعين للسيطرة التركية(10)، بيد ان سياسة التهجير ملازمة لسياسات العثمانيين التي استمرت على وتيرة واحدة حتى بعد انقلاب 1909م الذي اطاح بالسلطان فكانت عمليات القتل والتهجير اكثر قسوة من سابقاتها.

في مقاربة جميلة يتحدث كمال مظهر عن هذه الكارثة الانسانسة قائلاً :”أثار ميل الارمن الى روسيا ومساعي الاخيرة لاحتلال أرمينية الغربية حقد الحكام العثمانيين ضد الارمن الى اقصى حد. وبدلاً من أن يفعلوا شيئاً يجلب لهم عطف الارمن بهدف وضع حد لتغلغل النفوذ الروسي على اقل تقدير، فانهم كانوا يبحثون على فرصة يغتنموها للقضاء عليهم نهائياً. وقد أدى نشوء الحركة التحررية الارمنية وتطورها الى تعمق كره (الترك) العثمانيين للارمن ، مما انعكس أكثر فاكثر في ترسيخ سياستهم المتخلفة ازاءهم والتي تحولت الى عنصر مهم في نمو الحركة الأرمنية”(11).

اعتقد الاترك ان نصيب الأرمن مستقبلاً ربما يكون كنصيب البلغار والصرب واليونان في الحصول على استقلالهم ، وهذا يعني ان تركيا تفقد المنطقة الممتدة من بحيرة وان حتى الحدود العراقية او قريباً منها يشاركهم الاكراد في ذلك. وهي حدودهم التاريحية كما يرون، والحقيقة ان هذه المناطق يختلف فيها تواجد الارمن بين اغلبية في محيط بحيرة وان، واقلية في جنوباً باتجاه الحدود العراقية، والسيطرة على هذا الشريط تعني عزل الاتراك في اسيا الوسطى عن الاناضول، وهذا يحالف توجهات الطورانيين في ما سموه تركيا العظمى. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا.  هل مهد الاتراك لمثل هذه الاعمال؟ وهل كانت فعلاً ممنهجة كما يراها الارمن ومناصروهم؟(12).

لا يخفى ان الثورات والانتفاضات تلد في رحم المعانات، وحيث ان الأرمن كانوا يتعرضون الى ممارسات قمعية دفعتهم الى الثورة كنوع من الرفض والممانعة لمثل هذه الاساليب التي اعتمدها الاتراك في اخضاعهم، ويبدو ان هذه الثورات كانت مستمرة وكانت علاقتهم مع الاتراك غير ودية بخلاف ما يشاع عنها، فسياسة التهجير سبقة عام 1840م بسنين وفقاً لما يراه ميثل ﺷﭭﺎلييه، الذي يرى ان اعداد الارمن بدأت تنخفض منذ ذلك التاريخ، ويعتقد ان رعونة الانكليز وخبثهم كانت سبب في انفلات الامن في هذه المناطق مما دفع السكان الى ترك قراهم بعد ان تعرضوا الى حملات تنكيل وقتل ممنهج(13).  فما حدث لهم بعد عام 1914 هو اتمام لما بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر، والحديث عن موالتهم للروس وتأمرهم على العثمانيين مبررات لا تتيح للعثمانيين (الترك) ابادة شعب وازالته من الوجود .

المهم في الامر ان الأرمن تعرضوا الى شتى انواع الظلم على يد الاتراك وتم قتلهم ولم ينج منهم الا القليل وهؤلاء الذين كتب لهم لينجوا عاشوا معانات جديدة، تمثلت بالغربة والحرمان والتشرد، فضلاً عن فقدان الاهل والولد، والتكيف مع البيئة الجديدة التي هربوا اليها بارواحهم.

بيد ان الارمن لم يستكينوا لعاديات المحن فكان لهم دورهم في كل ارض وطئوها وكل بلاد حلوا بها ومن بين هذه البلدان التي فتحت لهم ابوابها (العراق). وكان للأرمن دوراً فاعلاً في بناء الدولة العراقية الحديثة التي تأسست في مطلع القرن العشرين .

الهوامش:

([1])  هذه الدراسة عبارة عن مدخل لهذا الكتاب وهناك كتاب اقوم بتصنيفة يتحدث بصورة خاصة عن (بالابادة الارمنية) لذلك لم اتوسع في هذا الجانب بشكل يخرج الدراسة عن اهدافها. وستجدون الاجابة عن هذه الاسئلة في كتاب } انموروك، ما بعد الجليد قصة شعب…. وتاريخ ابادة{.

(2) كمال مظهر احمد، كردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى، ترجمة : الملا احمد عبد الكريم، بغداد، مطبعة المجمع العلمي الكردي، 1977)، ص ص255 – 259 .

(3) جيلبرت سينويه، يريفان، ترجمة : عبد السلام المودني، (بيروت، دار الجمل، 2012م)، ص11.

(4)  جمال باشا السفاح، مذكرات جمال باشا، تعريب علي احمد شكري، تحقيق: عبد المجيد محمود، (بغداد، مكتبة دار البصرة ، 1963)، ص320.

(5)  جمال باشا السفاح، مذكرات جمال باشا، ص321.

(6)  المصدر نفسه، ص321.

(7)  المصدر نفسه، ص ص 324-325.

(8)  هنري مورغطاو، قتل امة،  ترجمة الكسندر كشيشيان، (حلب، شركة دلتا للطباعة، بلا ت)، ص45..

(9)  المادة (الاولى) من اتفاقية برلين .

([1])  المادة (26) من اتفاقية برلين.

(10)  كمال مظهر، كردستان في سموات الخرب العالمية الاولى، ص246

(11)  لم اتوسع في عرض الابادة بشكل يخرج الدراسة عن اهدافها، وستجدون الاجابة عن هذه الاسئلة في كتاب اخصصه قريباً جداً ان شاء الله عن الابادة الارمنية اسميته } انموروك، ما بعد الجليد قصة شعب…. وتاريخ ابادة{.

(12) ميثل ﺷﭭﺎلييه، المسيحيون في حكاري وكردستان الشمالية ، ترجمة: نافع توماسا، مراجعة الاب د. يوسف توما مرقس،(بغداد، منشورات مجلة الفكر المسيحي،  2010م)، ص126.

 

الدكتور جواد كاظم البيضاني

مدير المعهد العراقي للدراسات الكردية

 

  1. لا وجود لكردستان شمالية الا في الخيال اولا 1- احصائيات سنة 1914 في الولايات الارمنية الستة 6 في دولة الشر الامبراطورية العثمانية تقول ان الارمن اغلبية سكانية في ولايات فان وبتليس وارزروم وخاربوت / خاربيرت وسيفاس/ سيباستيا ودياربكر / ديكراناكيرد اي اغلب سكانها ارمن ومع الاشوريين واليونان اكثرية سكانية ساحقة ولهدا الولايات الارمنية كانت مرشحة للحكم الداتي الارمني تحت اشراف هولاندا والنرويج وثانيا 2- معاهدة سيفر 1920 تؤكد ارمنية واشورية شرق تركيا/ الهضبة الارمنية المحتلة وبعد الجريمة التركية / الكردية بحق الارمن والمسيحيين الابادة الارمنية والمسيحية 1915-1923 على يد الاتراك وعملائهم المرتزقة الاكراد بندقية الايجار فرغت شرق وجنوب تركيا الحالية من الارمن والاشوريين واليونان سكان الاناضول الاصليين لانه تم قتلهم واستكرادهم وطردهم من بلادهم وسنة 1925 منع الدكتاتور الجزار مصطفى كمال عودة الارمن والاشوريين واليونان الى بلادهم الهضبة الارمنية المحتلة هده البلاد ارمنية ومسيحية وستظل ارمنية وارض ما يسمى كردستان شمالية هي نفسها ارض ارمينيا الغربية ونقول لن نسمح لكم بانشاء امبراطورية كردستان في ارمينيا الغربية المحتلة

Leave a Reply

Your email address will not be published.