الدور السياسي للأرمن في مصر..مقارنة بين القرن الـ19 والعصر الحالي

 

انتشر الأرمن بمصر في بلاط الحكام، لا سيما في بلاط مؤسس مصر الحديثة محمد علي. مارسوا مهمات عدة مكنتهم من لعب دور سياسي بارز خلال القرن التاسع عشر. إلا أن الكثيرين يجهلون هذا الدور.

يقول اللورد كرومر إفلين، المندوب السامي البريطاني لمصر نهاية القرن التاسع عشر، في مذكراته إن “الأهمية السياسية للأرمن ترجع إلى شغل كثير منهم المناصب العالية في الحكومة المصرية منذ حكم محمد علي، فقد كان الأقباط يشغلون وظائف متواضعة في الجهاز الحكومي، ولم ينجح السوريون حتى في شغل الوظائف الثانوية رغم كفاءتهم. أما الأرمن فقد نجحوا في الوصول إلى أعلى المناصب وقاموا بدور مؤثر في إدارة الشؤون العامة في مصر”، بحسب ما يرد في كتاب “الأرمن في مصر” للدكتور محمد رفعت الإمام.

الأسباب والعوامل

هناك أسباب عدّة أوصلت الأرمن إلى البلاط في عهد محمد علي وخلفائه. هذه الأسباب يلخصها لرصيف22 الدكتور محمد رفعت الإمام، عميد كلية الآداب في جامعة دمنهور: “اعتمد محمد علي بشكل واسع على الأرمن في الإدارة المصرية وإدارة مشروعه النهضوي، لأنهم امتازوا بإجادة اللغات الأوروبية وهي اللغات المطلوبة في التواصل مع الخارج”.

“أيضاً الأرمن لم يدخلوا الجيش”، وفق الإمام، وبالتالي لم يشكلوا خطراً على محمد علي “لأنهم أهل ذمة، وبالتالي لم يكن لهم أي طموح مثل الألبان الذين ينتمي إليهم علي”.

وأضاف صاحب كتاب “الأرمن في مصر” أن الأرمن اشتهروا أيضاً كتجار ووسطاء على أعلى مستوى في أوروبا وكان محمد علي يحتاج إلى التعامل مع هكذا فئة، وذلك بالإضافة إلى عامل مهم وهو كونهم “لا ينتمون لدولة، وبالتالي سوف يعملون من أجل إثبات أنفسهم”، برأيه.

بوابة العبور

تعد وظيفة “الترجمان” الخاص بالحكام أهم وظيفة مارسها الأرمن في بلاط الحكام، وتكمن أهميتها في جهل معظم الحكام اللغات الأوروبية، ومن ثم كان المترجمون يقفون على أسرار الدولة برمتها، وفق ما جاء في كتاب “الأرمن في مصر”.

يذكر الإمام في كتابه أن بوغوص يوسفيان “ناظر ديوان التجارة”، استدعى عدداً من أقاربه وأبناء وطنه “أزمير” ليعملوا مترجمين لدى محمد علي، حتى استأثر الأرمن على وظائف المترجمين في عهد مؤسس الدولة المصرية الحديثة وخلفائه.

وتعترف إيفا دادريان، كاتبة نص الفيلم الوثائقي “إحنا المصريين الأرمن” لرصيف22 بأن قدرة الأرمن على الحديث بأكثر من لغة كان لها فضل في دخول الأرمن إلى بلاط الحكم في القرن التاسع عشر، ولكنها أضافت إلى ذلك أن الشباب الأرمن الذين أتوا من الدولة العثمانية إلى مصر كانوا متعلمين وأكفاء، وهو ما كان يبحث عنه محمد علي، مشددةً على أن “الترجمة كانت ميزة. كانت فقط المفتاح”.

دور آخر للمترجمين داخل البلاط

وتكشف مذكرات نوبار نوباريان (أول رئيس وزراء لمصر) عن قيام المترجمين بدور الجاسوسية لصالح الحكام. فقد عيّن محمد علي “نوبار” مترجماً وسكرتيراً لابنه إبراهيم باشا كي يُراقبه وينقل أمره إلى ولي أمره بوغوص الذي كان ينقلها بدوره لمحمد علي.

وقام المترجمون وفق مؤلف كتاب “الأرمن في مصر”، بتنفيذ بعض المهمات الخاصة التي كان يُكلفهم بها الحكام. فعلى سبيل المثال قام المترجم أبراهام بك بدور كبير في تحويل المناخ المعادي للخديوي إسماعيل في الآستانة إلى مناخ ودي، ما جعله يحصل على كثير من السلطات بفضل الرشوة التي كان يمنحها عن طريق أبراهام ذي الشخصية الدبلوماسية.

أهم الشخصيات الأرمنية

يقول “الإمام” إن هناك الكثير من الشخصيات الأرمنية، التي برزت في بلاط الحكم خلال القرن التاسع عشر، ومنها بوغوص يوسفيان، آرتين شاركيان، نوبار باشا، ديكران، يعقوب آرتين، وأراكيل، مشيراً إلى أن الشخص الذي مارس السياسة حقاً هو نوبار باشا، فهو الذي أجرى مفاوضات الديون، وحصول إسماعيل على لقب الخديوي، ومفاوضات قناة السويس. “هو من وضع أسس المفاوضات في مصر الحديثة”، قال.

بوغوص يوسفيان: هو أول وزير للتجارة والأمور الإفرنجية “الخارجية” عام 1837، في عهد محمد علي، وهو أول مسيحي يحمل لقب “بك”، وإحدى أبرز الشخصيات الأرمنية في القرن التاسع عشر.

استمر لعقود عديدة رجل دولة مؤثراً في مصر، ووصف بأنه مستشار محمد علي وفيلسوفه وصديقه الوحيد. وكان “علي”، يثق به كثيراً، إلا أن علاقتهما ساءت عام 1810 عندما اتهم البعض “بوغوص” باختلاس مبلغ من إيرادات جمارك دمياط الذي كان يديره بالأصالة عن محمد علي، وفشل بوغوص في تبرئة نفسه فأمر الباشا بإعدامه، إلا أن حكم الإعدام لم يُنفذ، وفق مؤلف كتاب “الأرمن في مصر”.

نوبار نوباريان: قول “الإمام” إن نوبار باشا “أهم الأرمن قاطبة الذين ساهموا بدور في السياسة المصرية خلال القرن التاسع عشر”، فقد تقلد العديد من المناصب الكبرى في الحكومة المصرية. هو أول ناظر (وزير) للأشغال العمومية (1864-1865) وتولى نظارة الخارجية مرتين، وتولى رئاسة أول نظارة مسؤولة 1878-1879، أي بصلاحيات حقيقية وغير صورية، وشكل النظارة (الحكومة) مرتين بعد ذلك.

بفضل مفاوضات “نوبار” مع الآستانة، تم تعديل نظام وراثة العرش المصري، بحيث يكون فيه أكبر أبناء الوالي، كما حصل إسماعيل على لقب “الخديوي” الذي ميزه عن بقية الولاة العثمانيين.

لكن علاقة إسماعيل بنوبار بحسب كتاب “الأرمن في مصر” تأزمت عندما أخذ الأخير ينتقد سياسة الخديوي المالية، حتى أمره بمغادرة مصر، فشن في منفاه حملة ضد إسماعيل مستغلاً تردي الأوضاع المصرية التي أرجعها إلى حكم الخديوي المطلق، ناصحاً الدول الكبرى بالضغط عليه لتشكيل نظارة مسؤولة، وهو ما حدث، وكان “نوبار” رئيسها.

أقوال جاهزة

نجح الأرمن في الوصول إلى أعلى المناصب وقاموا بدور مؤثر في إدارة الشؤون العامة في مصر منذ حكم محمد علي.

الأرمني الذي وضع أسس المفاوضات في مصر الحديثة، وأهم من ساهم بدور في السياسة المصرية

أراكيل بك نوباريان: واحد من أرمنييْن أدارا أقاليم تابعة لمصر، حيث تولى حكم الخرطوم. وهو شقيق نوبار باشا.

ولـ”أراكيل” قصة، فهو قوبل بمعارضة شديدة من قبل أقوى القبائل السودانية وكادت معارضتهم تتحول إلى انقلاب ضد حكومة القاهرة لأنها أقامت عليهم حاكماً مسيحياً لأول مرة. ولكن أراكيل رفض محاربتهم وذهب وهو أعزل وتحاور مع زعيم القبيلة المعارضة حول ماهية معارضتهم أهي ضد الحكومة أم ضده كمسيحي، فأعرب زعيم القبيلة عن أنها ضده شخصياً كمسيحي. عندئذ رد عليه أراكيل: “إذا كان الأمر كذلك، فافعل بي ما تشاء حتى لا يُقال أنني كنت سبباً في إراقة دماء الرعايا المخلصين لمولانا”، فهزت هذه الكلمات مشار أبي سن، الذي رد قائلاً “لقد هزمتني”.

ونجح أراكيل في استيعاب الموقف والقضاء على أول أزمة واجهته في مستهل عمله وأصبح المعارضون من أهم أعوانه.

الأرمن في القرن الـ20

تزايد عدد الأرمن في مصر مطلع القرن العشرين، خاصة بعد المذبحة التي ارتكبتها الدولة العثمانية ضدهم عام 1915، وفق مؤلفة “إحنا المصريين الأرمن”. ولكنها تشير إلى أن “الأرمن الذين وصلوا مصر بعد المذبحة كانوا مدمَّرين”، وتابعت: “وأنت مدمر وفي بلد غريب لا تفكر في السياسة. ستفكر في لقمة العيش”، لذا بدأت نهاية دور الأرمن السياسي في مصر.

وتضيف “إيفا” أنه مع نمو القومية المصرية بعد ثورة 1919 والاتجاه الوطني نحو تمصير الإدارة، حل الأقباط المصريون مكان الأرمن، وكان المصريون يناهضون الإنجليز، لذا كانت الوطنية عندهم تعني مناهضة كل الأجانب ومن بينهم الأرمن، فرفضت الأحزاب السياسية ضم الأرمن بالرغم من حصولهم على الجنسية المصرية في عام 1922، عندما فتح الملك فؤاد الأول الباب لذلك.

ومع انتهاء الملكية باندلاع ثورة يوليو 1952، استمر انعدام الدور السياسي للأرمن في مصر، ويقول “الإمام”: “مع سياسات جمال عبد الناصر بعد ثورة 1952 والاتجاه نحو التأميم الذي أضر الرأسماليين الأرمن شأنهم شأن المصريين، قرر الرأسماليون من الأرمن الهجرة من مصر. وبقي البعض الآخر منهم”.

وتشرح “إيفا” ما حدث بعد ثورة 1952: شعر الأرمن نتيجة سياسة التأمين التي اتبعها جمال عبد الناصر، أن مجهود 50 سنة ضاع منهم، فشعروا بأن “مصر مش عايزة أرمن” لذا ترك عدد كبير منهم البلد.

وتشير إلى أن عدد الأرمن وقتها كان 50 ألفاً، وأصبح الآن 4 آلاف تقريباً. وتستطرد “إيفا”: “لم نكن ضد عبد الناصر، ولكن ضد سياساته”.

القرن الـ21

يقول عميد كلية الآداب في جامعة دمنهور إن الأرمن تفاعلوا مع ثورة 25 يناير و30 يونيو ولكن لم يكن لهم أي حضور مميز، وأشار إلى أنهم “قد يميلون إلى القوى الليبرالية أكثر”.

وبالرغم من تواجدهم الكبير في بلاط الحكم في القرن التاسع عشر، لا يوجد منهم من شغل منصب سياسي في عصر الرؤساء المصريين السابقين، وكذلك الرئيس الحالي، ولم يتم تعيين أي منهم عضواً في البرلمان وفق “الإمام” لأن “عددهم قليل جداً” قد لا يتجاوز الألفين (يحق لرئيس الجمهورية تعيين عدد معين من الشخصيات في البرلمان).

المصريون الأرمن بعدما شاركوا في ثورة 25 يناير “فضلوا عدم الانضمام لأي حزب سياسي حتى تتضح لهم الأمور أكثر. وكان قرارهم صائباً”. هكذا تقول “إيفا”، وتضيف: “كل الأحزاب التي ظهرت اختفت، حتى حزب الوفد الذي كان موجوداً على الساحة من قبل”، لافتةً إلى أنه مع ظهور صدامات عنيفة في الشوارع بين المتظاهرين والأمن اختفى الأرمن لأن الخوف في دمهم بسبب ما حصل لأجدادهم من الدولة العثمانية”، وذلك بجانب الخوف الطبيعي الذي تملك الكثير من المصريين.

إسلام عزت

موقع رصيف22

Leave a Reply

Your email address will not be published.