موقع أهل القرآن: الأتراك حينما تحولوا إلى وحوش.. عن فيلم «The Promise»حول إبادة الأرمن


إبان الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، أصيبت الإمبراطورية العثمانية – التي كان يطلق عليها وقتها «رجل أوروبا المريض» لما حل بها وبسلاطينها وبلاطهم من ضعف وانهزام- بحالة من التشكك والفوبيا والخبل، جعلت قادة الإمبراطورية الأتراك يصابون بما يشبه السعار، فخلال فترة الحرب اتخذوا قرارًا بإبادة أي حركة انفصالية داخل الإمبراطورية حتى ولو كانت مسالمة، وحتى لو كانت تطالب بحق تقرير المصير بشكل بعيد عن العنف، واتخذوا قرارًا بإبادة أي عرق قد يتم الشك – مجرد الشك- في ولائه، أو مجرد الشك أو التخمين في تعاونه مع دول الحلفاء (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، في مقابل دول المحور ألمانيا واليابان والإمبراطورية العثمانية).

ومن ضمن هؤلاء الضحايا، قام الأتراك بإبادة ما يقدر بين مليون إلى مليون ونصف مواطن أرمني مسيحي (بالإضافة إلى عرقيات أخرى تشمل سريان وكلدان وآشوريين ويونانيين)، بشكل ممنهج، وتحت مسمى أفعواني ملاوع شديد الخبث «إعادة التوطين»، كانوا يجبرون ضحاياهم على مغادرة قراهم ومدنهم بشكل جماعي بحجة دواعٍ أمنية، ويعرضونهم لأسوأ ظروف ممكنة أثناء الانتقال، من جوع وعطش وتنكيل وتشريد، وأثناء عملية الانتقال يتم قتل أعداد كبيرة منهم وإلقاؤهم في مقابر جماعية، بجانب جرائم عنيفة تتعلق باغتصاب النساء، وإعدام الأطفال بدم بارد.

وبالتزامن مع ذكرى مذابح الأرمن التي يحتفل العالم بذكراها في الرابع والعشرين من شهر أبريل/ نيسان من كل عام، تم عرض فيلم The Promise الوعد، الذي يستعرض تفاصيل المآسي التي تعرض لها الأرمن عبر تتبع قصة مأخوذة عن أحداث حقيقية، بطلها شاب أرمني «ميكايل بوغوسيان»، يسكن في مدينة صغيرة بتركيا ويعمل في الصيدلة، وهي المهنة التي يحبها وتوارثها عن آبائه، لكنه يريد استكمال دراسته في «القسطنطينية» ليصبح طبيبًا، إلا أن الدراسة مكلفة للغاية، فيقرر أن يقوم بخطبة فتاة ليستخدم مال المهر الذي يقدمه أهل العروس للعريس في دفع نفقات دراسته، يقرر «ميكال» -يلعب دوره الممثل أوسكار آيزاك- السفر للقسطنطينة في أقرب وقت بعد أن وعد خطيبته «مارال» بأنه سيعود إليها لإتمام الزواج فور حصوله على شهادة ممارسة الطب، ليمكنهما حينها الزواج، وتأسيس حياة هادئة رغدة.

ينتقل ميكال للعيش في القسطنطينية في كنف قريبه «ميسروب بوغوسيان»، التاجر الثري، وهناك يتعرف إلى مدرسة الرقص التي تعلم بنات قريبه، وهي فتاة أرمينية جميلة تدعى «آنا خيساريان». مع الوقت يقترب ميكال من آنا، لكنه يحاول كبح مشاعره لسببين، أولهما وعده للفتاة التي تنتظره، وثانيهما أن آنا على علاقة مع صحافي أمريكي يدعى «كريس مايرز» – يقوم بدوره الممثل الكبير كريستيان بال-، وإن كانت علاقتهما مضطربة بسبب إدمان كريس للخمر، وبسبب حدة طباعة ومزاجه المتقلب.

يندمج ميكايل في الدراسة ويبدي نبوغًا كبيرًا، وفي نفس الوقت يستكشف مجتمع القسطنطينية الراقي بمساعدة «إيمري أوجان»، وهو صديق له تعرف إليه في مدرسة الطب، وبدا شابًا ثريًّا مستهترًا أكثر من كونه طالب طب وقورًا، كان إيمري ابنًا لأب نافذ يعمل في الجيش العثماني، ودخل مدرسة الطب فقط ليتم استبعاده من الخدمة العسكرية، وكان أيضًا صديقًا مقربًا من كريس وآنا.

تستمر حياة ميكايل بشكل هادئ حتى تبدأ نذر اندلاع الحرب، فيتم طلب الشباب التركي للتجنيد، ومن ضمنهم ميكال –رغم حصوله على إعفاء نتيجة دراسته للطب، إلا أن الأرمن قد كانت بدأت معاملتهم بتمييز-، إلا أن صديقه إيمري يتدخل عبر اسم والده النافذ وينقذه في آخر لحظة من الانتقال لجبهة القتال والتعرض لمصير محتم.

تتصاعد الأحداث مع تصاعد الهياج التركي الشعبوي ضد الأرمن والأعراق الأخرى، فيبدأ المواطنون الأتراك المشحونون بالغل والكراهية التي زرعها فيهم الساسة وقادة الجيش العثماني، في مهاجمة الأرمن ومنازلهم ومحالهم وأملاكهم تحت سمع وبصر السلطة، ودون تدخل منهم بل وفي حمايتهم، وتتعرض أسرة «بوغوسيان» للتنكيل، إذ يفقد الرجل تجارته كلها التي أضرمت فيها النيران، ويتم مهاجمة منزله وتهديد حياة زوجته وبناته.

ولا يمضي وقت طويل حتى يتم القبض على ميسروب وميكال وإيداعهما معسكرات الاعتقال؛ حيث يتعرضان لظروف شديدة القسوة، ويتم الاستعانة بميكال ضمن آخرين في أعمال شاقة ضمن الجهود العثمانية في الحرب، الحفر وتفتيت الصخور ومد الخطوط الحديدة للقوات وشق القنوات وتعميق الخنادق، في إطار أشبه بالسخرة. فمن يعمل قد يعش وينجُ، ومن يسقط من التعب فمصيره الموت إما عطشًا وجوعًا وإرهاقًا، وإما برصاص الجنود الأتراك.

وتتشعب القصة بين أسرة ميكال التي تم مهاجمة قريتهم من بين قرى أخرى لجأت إلى الجبال، ولتنظيم مقاومة مسلحة ولو بالحجارة للدفاع عن النفس ضد جنون الأتراك، وبين كريس الذي يعمل بجد لتغطية تطورات الحرب وتجاوزات الأتراك الشنيعة ضد الأقليات، كان يوثق كل شيء بالصور والأخبار، ويرسل التقارير عبر التلغراف إلى نيويورك على مدار الساعة. وبين آنا التي تقرر البقاء في تركيا بدلًا من الهرب خارجها، لمساندة بني جلدتها والوقوف بجانب أسرة ميزروب حتى يتم العثور عليه وعلى ميكال.

الفيلم يعرض بانوراما إنسانية شديدة العمق عبر مجموعة قصص متداخلة، في مقاومة هولوكوست السلطة العثمانية ضد الأقليات، فيلم لا يقل جمالًا ولا إتقانًا ولا رهافة عن أفلام شبيهة أخرى تناولت الهولوكوست النازي مثل The Pianist للعبقري رومان بولانسكي، وSchindler’s List للأسطورة ستيفن سبيلبيرج.

صاحب الفيلم شريط صوتي شديد الجمال يحوي مجموعة رائعة من الموسيقات ذات النكهة الشرقية من إبداع «جابريل ياريد»، المؤلف الموسيقى الذي أبدع موسيقى أفلام رائعة مثل The Talented Mr. Ripley للنجم «مات ديمون»، و Cold Mountain للنجمة الجميلة «نيكول كيدمان».

أيضًا الملابس في الفيلم كانت عاملًا ملفتًا جدًّا، لجودتها وإتقانها كعنصر بصري مهم، وهو أمر قد لا يثير الاندهاش إذا عرفنا أن «بيير إيف جيروود» صاحب تصميمات أفلام كبيرة مثل Perfume وCloud Atlas هو من قاد فريق تصميمات الملابس.

الفيلم قطعة فنية مبهرة بكافة المقاييس، ويسلط الضوء على قضية يحاول العديد من الأطراف طمرها في التاريخ، وإنكار حدوثها، وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي يرفض حتى هذه اللحظة الاعتراف بالمذابح العثمانية ضد الأرمن، وكأنها لم تكن، وكأن مئات الآلاف ماتوا دون سبب.

Leave a Reply

Your email address will not be published.