“الثورة” في مدينة وان VAN

 

 

تقع مقاطعة وان التركية في الزاوية الشمالية الشرقية النائية من آسيا الصغرى. تحاذي الحدود الفارسية من الشرق وتقابل القفقاس في حدودها الشمالية. إنها من أجمل أقسام الإمبراطورية العثمانية وأخصبها، ولها ارتباطات تاريخية غنية جداً. مدينة وان هي عاصمة الولاية وتقع على الشاطئ الشرقي من بحيرة وان، وهي إحدى مدن آسيا الصغرى التي يربو فيها عدد سكان الأرمن عن الأتراك. في خريف عام 1914 كان عدد سكانها /30/ ألفاً تقريباً، وكانت من أهداً وأغنى وأسعد المجتمعات المزدهرة في الإمبراطورية العثمانية، مع العلم أن وان، كما هو الحال في كل منطقة يعيش فيها الأرمن، كانت فيها فترات من الاضطهاد والمذابح، لكن النير التركي هنا كان أخف نسبياً. كان تحسين باشا، حاكم المقاطعة التركي، من نوع الضباط الأتراك المثقفين المستنيرين. كانت العلاقات بين الأرمن الذين يعيشون في القسم الأغنى من المدينة والأتراك والأكراد الذين يشغلون الأكواخ الطينية في القسم الآخر، كانت مقبولة ومحمولة لسنوات عديدة.

أصبحت هذه الولاية بشكل حتمي مسرحاً للعمليات العسكرية بسبب موقعها الجغرافي، وأضحت نشاطات السكان الأرمن موضعاً للشك اليومي. إذا حاولت روسيا غزو تركيا، فإن أسهل طرق العبور تمرُّ من خلال هذه المقاطعة. بدأت بعض الظواهر تسبب القلاقل، مع العلم أن الحرب كانت في بدايتها. مثلاً: إن الثقل الأكبر لمصادرات المؤن في وان، بسبب حاجة الجيش إليها، وقع بشكل أكبر على السكان المسيحيين والأرمن. حصل الشيء نفسه أيضاً في كل المناطق التركية الأخرى. كان على الأرمن أن يقفوا جانباً بهدوء، بينما يستولي الضباط الأتراك على كل قطعانهم وخيولهم وكل شيء نافع لهم، ويعطونهم بالمقابل قصاصات من الورق فقط التي ليست لها قيمة مادية. الشيء الثاني الذي سبب القلاقل في وان هو محاولة التجريد العام للسلاح الذي أثار فيهم الهلع، وزاد الفزع عندهم بسبب المعاملة الوحشية التي لاقاها الجنود الأرمن في القفقاس، ومن جهة أخرى اتهم الأتراك السكان المسيحيين تهماً كثيرة. وفي حقيقة الأمر، كانوا يعزون إليهم أكبر اللوم على الهزائم التي منيت بها جيوشهم، وعلى معاناتهم في القفقاس.

أثار غيظ الأتراك بشدة أيضاً تلك الحقيقة، وهي أن في تغيير ميزان القوى هناك يد للعناصر الأرمنية المميزة. كما أن نصف الأرمن في العالم، يسكنون في المقاطعات الروسية في القفقاس، وهم عرضة ككل الروس للخدمة العسكرية، لذلك لم تكن هناك أسباب منطقية للشكوى من الأتراك ما دامت هذه القوات المجندة الأرمنية هي من الرعايا المخلصين للقيصر. أكد الأتراك أن أعداداً كبيرة من الجنود الأرمن في وان، وفي المقاطعات الأخرى، فرّوا وعبروا الحدود، وانضموا إلى الجيش الروسي، وكان حسن معرفة هؤلاء بالطرق والتضاريس العامل المهم في انتصارات الجيش الروسي، مع عدم تأكدنا من حقيقة هذه الادعاءات، فليس بعيد الاحتمال، أن ذلك الفرار لعدة مئات من الجنود حصل بالفعل.

ظهر في بداية الحرب عملاء “الاتحاد والترقي” في مدينة أرضروم Erserum، يناشدون زعماء الأرمن للذهاب إلى داخل أرمينيا الروسية لمحاولة البدء بثورة ضد الحكومة الروسية. في الحقيقة رفض الأرمن العثمانيون الفكرة، وهذا أدى إلى مزيد من القلاقل العامة. اعتبرت الحكومة التركية هذه التصرفات لأرمن وان خيانة، وكانت حجة لتصرفاتهم اللاحقة في معاملة العرق بكامله. إن موقفهم هذا بيّن مرة أخرى حماقة وعناد العقل التركي. بعد إبادة مئات الآلاف من الأرمن خلال ثلاثين سنة وانتهاك حرمات نسائهم وبناتهم ونهبهم وسوء معاملتهم في كل صورة يمكن تخيلها، فمع ذلك مازال الأتراك يؤمنون بأن لهم الحق في مطالبة الأرمن، ليكونوا شديدي الإخلاص في حماسهم.

إن تعاطف الأرمن مع الحلفاء في جميع مناطق تركيا لم يكن سراً. “إذا أرادت أن تعرف كيف تسير الحرب” كتبت جريدة تركية ساخرة “كل ما تحتاج إليه هو أن تنظر إلى وجه الأرمني”، إذا ابتسم فهذا يعني أن الحلفاء يربحون، أما إذا كان مكتئباً، فمعنى ذلك أن الألمان يفوزون”.

إذا فرّ الجندي الأرمني العثماني من الجيش، وانضم إلى الروس فهذا يشكل من غير شك خرقاً فنياً صارخاً ضد الدولة ويجب معاقبته، لكن العقل التركي وحده وطبقة الجنكرز[1] Junkers، بكل احتمال، يمكنهما أن يعتبروا هذا سبباً فاصلاً للأعمال البربرية التي تحصل الآن.

تصرف الأرمن بتمالك نفسي ملحوظ، رغم أن الجو كان مملوءاً بهاجس المتاعب  في خريف وشتاء عامي 1914-1915. كانت السياسة التركية لسنوات عديدة هي تحريض المسيحيين على ارتكاب أعمال عدائية علنية، لتكون عندهم الأعذار للقيام بالمجازر. وجد رجال الدين والزعماء السياسيون الأرمن بوادر كثيرة تشير إلى أن الأتراك عادوا إلى سياستهم القديمة، ولذلك ذهبوا إلى رعيتهم ينبّهونهم، بأن يحافظوا على الهدوء، وأن يتحملوا كل الإهانات، وحتى الاعتداءات بالصبر، حتى لا يعطوا الأتراك الحجة التي كانوا يفتشون عنها. “حتى إذا أحرقوا بعض قرانا” يقول هؤلاء الزعماء “لا تثأروا، لأن قتل بعض منا أفضل من تدمير الأمة”.

عندما بدأت الحرب استدعت الحكومة المركزية تحسين باشا حاكم وان، وعينت جودت بيك صهر أنور باشا بدلاً منه. هذا التصرف في الحقيقة ولّد جواً من عدم الرضى والانزعاج لدى الأرمن. كان هناك دائماً في “المؤسسة العسكرية التركية” ضباط لا يؤمنون بسياسة المجازر. لذلك لم تعتمد الحكومة المركزية عليهم لتنفيذ الأوامر الصارمة والدموية. كانت طباع خليفة تحسين باشا أكثر إثارة للمخاوف بعد استلام منصبه. قضى جودت بيك أكثر حياته في وان. كان رجلاً غير متوازن الطباع. فهو صديق لغير المسلمين تارة وعدوهم تارة أخرى. ريائي وخياني ومتوحش الطباع حسب أردأ نواميس عِرْقِه. كان يكره الأرمن، ويتعاطف بحرارة مع الخطة المُنجزة من زمان بعيد لحل القضية الأرمنية. ليس هناك شك، أنه جاء إلى وان بتعليمات واضحة لإبادة الأرمن في هذه المقاطعة. لكن لم تسمح ظروفه في الشهور القليلة الأولى لتنفيذ هذه العمليات، لأنه كان غائباً عن وان يحارب الروس في القوقاس. عند اقتراب العدو رأى جودت أن السياسة الحكيمة، تتطلب أن يُمسَكَ عن سوء معاملة أرمن مدينة وان. يُعتبر بشكل عام ملاحقة الجيش المنسحب من الجيش المنتصر تكتيكاً حربياً جديداً، لكن انسحاب الروس كان انسحاباً سعيداً برأي الجنرالات الاتراك لسببٍ رئيسٍ، هو أن الأرمن جُرّدوا من حماتهم، وتُركوا تحت رحمة الجيش التركي. فبدلاً من أن يلحق الجيش التركي عدوه المنسحب، التفت إلى الداخل، وغزا أرضه في وان، وبدلاً من أن يحارب الجيش الروسي المدرب، وجّه أسلحته ورشاشاته الأوتوماتيكية وأسلحة أخرى على النساء والأطفال والشيوخ الأرمن. بعدئذ اتّبع الجنود عادتهم القديمة بأن وزّعوا أجمل النساء الأرمنيات على المسلمين، ونهبوا وحرقوا القرى الأرمنية، وقاموا بالمذابح لعدة أيام من دون توقف.

في 15 نيسان تجمع حوالي /500/ من شباب الأرمن لسماع أوامر السلطان،  عند الغروب ساروا على الأقدام خارج المدينة، وقُتل كل واحد منهم بالرصاص بشكل وحشي، كُررت هذه الاجراءات في نحو ثمانين قرية أرمنية، وخلال ثلاثة أيام قُتل زهاء /24/ ألفاً من الأرمن بهذا الشكل المروّع. سأسرد حادثة واحدة تبين بوضوح فساد وفسق الطبيعة التركية.

جرت مشادة في قرية شاداك الأرمنية بين الأرمن والأتراك، طلب جودت بك الذي وصل تواً إلى وان من أربعة زعماء أرمن، أن يذهبوا إلى شاداك، ويحاولوا تهدئة الحشد. قام هؤلاء الرجال بالرحلة، وعلى طريقهم، وقفوا عند كل قرية أرمنية، يحثّون الجميع على حفظ الهدوء العام. بعد أن أتمّ هؤلاء الأربعة مهمتهم، قتلوا في قرية كردية.

عندما عاد جودت بك إلى قيادة الموقع، طلب من وان أن تزوّده بأربعة آلاف عسكري. من الطبيعي لم يكن الأرمن في نفسية تسمح للموافقة على طلبه. عندما يفكر الإنسان ملياً ماذا حصل قبلاً، وماذا يمكن أن يحصل فيما بعد، تبقى في نفسه ثقة قليلة جداً بالهدف المستتر تحت هذا الطلب.

جودت الذي يعمل بأوامر من القسطنطينية كان مستعداً لمحو جميع السكان الأرمن. كان هدفه من استدعاء أربعة آلاف رجل أصحاء البدن هو إبادتهم، ولكيلا يبقى لباقي الأرمن من يحميهم. اقترح الأرمن بعد مفاوضات طويلة لكسب الوقت تجهيز /500/ عسكري، ودفع البدل للباقي. لكن جودت بدأ الآن يتكلم بصوت عالٍ عن “الثورة”، وعن عزمه لتحطيمها بأي ثمن “إذا أطلق المتمردون طلقة واحدة” أعلن جودت: “سأقتل كل رجال ونساء المسيحيين” ومشيراً إلى ركبتيه “وكل طفل إلى هنا”. كان الأتراك يبنون الخنادق والاستحكامات حول المنطقة الأرمنية لمدة غير قليلة ويملؤونها بالجنود. ورداً على هذا الاستفزاز، بدأ الأرمن بالاستعداد للدفاع عن أنفسهم، واشتعلت الشرارة في 20 نيسان، حينما اعتقلت زمرة من الجنود الأتراك عدة نساء أرمنيات، كن يدخلن المدينة. ركض عدد من الأرمن لمساعدتهن، ولكنهم قتلوا بالرصاص. بعدها فتح الأتراك النار على الأحياء الأرمنية بالأسلحة والمدفعية، واشتعلت المدينة بسرعة وبدأ الحصار المنظم.

كانت القوة الأرمنية المقاتلة كلها تتألف من /1500/ رجل فقط. كان عندهم /300/ بندقية وذخيرة غير كافية، بينما كان لدى جودت بك جيش مدرب من /5000/ رجل مجهزين ومزودين بشكل كامل. حارب الأرمن مع ذلك بشجاعة وخبرة أكبر. كانت إمكانياتهم لصد أعدائهم طويلاً بسيطة. كانوا يعلمون أن جيشاً روسياً يتقدم إلى وان، وأنّ أكبر أمل لهم في النجاة، أن يرصّوا صفوفهم، ويتّحدوا، ويصمدوا، ضد المطوقين ريثما يأتي هؤلاء الروس. بما أنني لا أكتب قصة حصار أو معارك، لذلك لا أقدر أن أصف العديد من الأعمال البطولية الفردية والتعاون والتآزر بين النساء الأرمنيات، وعن حماسة وشجاعة الفتيان، والتضحيات من البعثات التبشيرية الأمريكية، وخاصة الدكتور أشر Usher وزوجته والآنسة كريس كناب Grace Knapp، وعن آلاف المناسبات التي جعلت من هذا الشهر الفظيع أكثر الصفحات المجيدة في تاريخ الأرمن الحديث. الشيء الرائع في هذا هو أن الأرمن انتصروا. بعد خمسة أسابيع من القتال من دون نوم، ولا راحة، ظهر الجيش الروسي فجأة، وهرب الأتراك إلى المناطق المجاورة. قام الأتراك بمزيد من المجازر في القرى الأرمنية المسالمة انتقاماً لهزيمتهم وتهدئة لغضبهم. دمّر مشفى الدكتور آشر طبيب البعثة التبشيرية الأمريكية في هذه الحوادث بالمدفعية التركية. الدكتور آشر هو شاهد العيان للرواية التي تقول: إنه بعد طرد الأتراك بدأ الروس بجمع وحرق جثث الأرمن الذين قتلوا في المنطقة. كان عدد المحروقين /55/ ألفاً.

إنني أروي قصة “الثورة” في وان، ليست فقط لأنها كانت المرحلة الأولى والمحاولة المنظمة لضرب أمة بأكملها؛ بل لأن الأتراك جاؤوا بذكر هذه الحوادث دائماً لتبرير جرائمهم اللاحقة، حينما لجأت واحتكمت إلى أنور وطلعت وباقي الزعماء من أجل التخفيف عن آلام الأرمن، ضربوا لي دائماً مثلاً ثابتاً عن “الثوار” في وان، كنموذج لخيانة الأرمن. هذه “الثورة” الشهيرة التي يهتم بها الأرمن، ترينا عزم الأرمن على حماية أرواحهم وشرف نسائهم، بعد أن أباد الأتراك الآلاف من جيرانهم، وتنبّهوا إلى المصير المحتوم الذي ينتظرهم.

* المصدر: كتاب “شهادات غربية عن الإبادة الارمنية في الإمبراطورية العثمانية” إعداد ومراجعة ودراسة: البروفيسور-الدكتور آرشاك بولاديان، دمشق – 2016 ، وثائق تاريخية عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانيةـ قــتــل أمــة، مذكرات، هِنري مورغنتاو، السفير الأمريكي في تركيا بين (1913-1916) عن المذابح الأرمنية في تركيا، ترجمة: الدكتور الكسندر كشيشيان، حلب – 1991، الفصل الثاني.

8-  الفرسان الإقطاعيون الألمان في القرون الوسطى – (المترجم).

Leave a Reply

Your email address will not be published.