عرض كتاب الأرمن في مصر ) 1896- 1961 (تأليف: الدكتور محمد رفعت الإمام

 

عرض: عطا درغام

يُعد الدكتور محمد رفعت الإمام من أوائل الباحثين الذين خاضوا غمار الدراسات الأرمنية في مصر، وارتبط اسمه بالأرمن في مصر، ولا يذكر الأرمن في مصر إلا ويذكر معهم حيث فتح آفاقا جديدة أمام الباحثين في مصر والعالم العرب وارتبطت الدراسات الأرمنية في مصر بالدكتور محمد رفعت منذ صدور كتابه الأول ( الأرمن في مصر : القرن التاسع عشر)، وأتبعه بكتاب ( الأرمن في مصر 1896 -1966 )، ثم ( الأرمن والغرب والإسلام ) و ( القضية الأرمنية في الدولة العثمانية) ودراسات موجزة تحمل عنوان سلسلة مئوية الإبادة الأرمنية وأصدر منها (أرمن الإسكندرية ) و( القضية الأرمنية في المعاهدات الدولية ) و( القضية الأرمنية في المصادر العربية ) وأخيرا كتاب (مسألة أضنة).

 وخارج العباءة الأرمنية، كتب الدكتور محمد رفعت الإمام ( نفي الآخر) و( إبادة الجنس البشري) و( اليوناني المتمصر) و( أطفال الشوارع ) وأخيرا ( البهائية في مصر ).

استطاع الدكتور محمد رفعت الإمام أن يكون صاحب مدرسة في البحث التاريخي ، ويمكن أن نوجز ملامحها في كلمة الدكتور أحمد زكريا الشلق فيقول : ” الدكتور محمد رفعت ليس من ذلك النفر من الباحثين الذين ينشرون أبحاثهم ويفرغون منها، ولكنه من هذا النوع المثابر الذي تنمو الفكرة في عقولهم وتتطور بعد أن يتعهدها بمزيد من البحث والتقصي، للوصول إلي أفضل إنجاز”.

والكتاب الذي نعرض له ، يُعد الحلقة الثانية في سلسلة تصديه لتاريخ الأرمن في مصر ، وهو كتاب مستقل بذاته ، وإن كان مكملا لذات الدراسة.قُسمت الدراسة إلي ستة فصول رئيسية تسبقها مقدمة وتنتهي بخاتمة

في مقدمة الكتاب أكد “الإمام” أن “هذه الدراسة تستكمل تاريخ الأرمن فى مصر بين عامي 1896 -1961″، موضحا أن “الأرمن فى القرن التاسع عشر كانوا يمثلون نخبة منتقاة وجالية متميزة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا”.وأشار إلى أن “نزوح الأرمن نتيجة سياسية الإبادة التي انتهجتها السلطات العثمانية ضدهم حتى لا يطالبون بأية امتيازات سياسية، كما كانوا العقبة فى تنفيذ المشروع الطورانى ؛ لذا تعرض الأرمن لسلسلة من الاضطهادات والمذابح التي أودت بحياة الآلاف منهم ،وشتت آخرين فيما تمخض عنه المهجر الأرمني.

وعلى الرغم من أن مصر كانت جزءا من الدولة العثمانية وقتها ، إلا أنها أصبحت بلداً مهمة لهجرة الأرمن الذين دخلوها سالمين وعاشوا آمنين لتصبح مصر هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي استوعبت الأرمن النازحين تحت حماية مصر المحروسة .

وأوضح أن “الأرمن عاشوا فى مصر بنفس ميراثهم وسلوكهم دون أن ينصهروا فى بوتقة المجتمع لكنهم نجحوا نسبيا فى التكيف معه”.

واعتمد د . الإمام كما ذكر علي جملة مصادر متباينة باللغات الأرمنية والعربية والإنجليزية والفرنسية والروسية ، وقد تنوعت بين الوثائق غير المنشورة والمنشورة ، التعدادات والأدلة ، الألبومات والكتالوجات ، المذكرات والذكريات، البحوث والدراسات ، الصحف والموسوعات.

استعرض المؤلف في الفصل الأول ” تطورات القضية الأرمنية 1878- 1923″ في الدولة العثمانية عبر ثلاث مراحل أساسية وهي : الحميدية والاتحادية والكمالية ، ويرصد هذا الفصل ظروف ميلاد القضية الأرمنية وتبلورها دوليا في المادة “61” من معاهدة برلين مرورا بالمذابح لتي تعرض لها الأرمن في دولة السلطان حتي إغلاق ملف القضية في مؤتمر لوزان عام 1923 .

ويذكر أن المذابح الأرمنية استمرت منذ 13 أكتوبر 1894 حتى 30 نوفمبر 1895 عندما بدأت القوات العثمانية والكردية بأوامر من الأستانة هجوما منظما علي القرى والأحياء الأرمنية ،وبلغت هذه المذابح ذروتها خلال يومى 28-29 من العام 1895 حيث أبادوا ثلاث ألاف أرمني حرقا واستمرت المذابح وعمليات السلب حتى يوليه من عام 1896.

وأكد أن المصادر تُشير إلى قتل 100 ألف وتشريد أكثر من نصف مليون أرمني، وقد نجح السلطان عبد الحميد فى إضعاف الحركة القومية الارمنية ؛إذ مارس فى سياسته القتل والعنف علنا وبكل قسوة وعلى نطاق واسع ،حتى جعل ” المذابح ” جزءا مألوفا فى السياسة الداخلية للدولة إزاء الأرمن.

 وفي الفصل الثاني، تناول المؤلف ” حركة اللجوء الأرمني إلي مصر ” عبر ثلاث موجات كبيرة : أولها ؛ من الأستانة وضواحيها ثم من قيلقية إبان حكم السلطان عبد الحميد 1896-1909 ، ثانيها : الأرمن اللاجئون من جبل موسي وسائر أنحاء قيليقية خلال الحرب العالمية الأولي. ثالثها : الأيتام الأرمن الذين نزحوا إلي مصر نتيجة الحروب الكمالية في الأناضول .

أما الموجة الثانية 1915 – 1919 ، فقد استثمرتها فرنسا وبريطاني علي نطاق واسع ؛ إذ أنقذت البحرية الفرنسية أرمن جبل موسي ونقلتهم إلي بورسعيد ، بينما سمحت قوات الاحتلال الإنجليزي في مصر بإيوائهم في مخيم عسكري علي غرار معسكراتها في مصر

وفي الموجة الثالثة 1923-1927 ، فقد كان أغلبها من الأرمن اليتامى الذين اصطدم وجودهم في مصر بسعي الحكومة المصرية إلي تقنين الهجرة إليها ، ورغم أن الحكومة المصرية كبلت هجرة الروس والأتراك والبلغار إلي القطر المصري ، إلا أنها سمحت ببقاء الأيتام وإحضار غيرهم إلي القطر المصري لدواعي إنسانية ، فضلا عن مكانة الجالية الأرمنية في دوائر الجاليات بالمحيط المصري.

وتأرجح وجود هؤلاء اللاجئين في مصر بين الرفض والقبول ، إلا أن مصر قد أسهمت بفاعلية في إنقاذ حيوات آلاف الناجين من المذابح عندما آوتهم بين أحضانها – ولو مؤقتا – لحين زوال الخطر ثم عادوا إلي أوطانهم أو هاجروا إلي أماكن أخري . كما سمحت لكثيرين منهم بالإقامة بين ظهراني شعبها .

وأسهم الأرمن اللاجئون في نمو الجالية الأرمنية المستقرة في مصر ؛ إذ تكونت من جملة الأرمن القاطنين إبان القرن التاسع عشر واللاجئين إليها منذ منتصف تسعينات القرن . كما أسفر عن نزوح اللاجئين قيام مطرانيه الأرمن الأرثوذكس بالقاهرة بدور محوري في حياة الشعب الأرمني نظرا لإبطال بطريركية الأرمن بالأستانة وتدهور بطريركية الأرمن بالقدس.

خصص الكاتب الفصل الثالث لمعالجة ” الإطار القانوني للأرمن ” وقد بدأه برصد الأصول الجغرافية للأرمن وتوزيعاتهم علي الخريطة المصرية، ويشير الكاتب إلي أن نسبة “65.72%” من إجمالي الجالية الأرمنية قد نزحوا إلي القطر المصري إثر سياسة الإبادة المباشرة ، بينما تكونت النسبة الباقية ” 34.28% ” من الأرمن المستقرين بالقطر قبل حدوث المذابح ، أو جاءوا من المناطق غير الأرمنية والعثمانية عن نطاق المذابح .

شكل أرمن مصر نسبة هامشية من إجمالي السكان العام لم تزد في أعلي معدلاتها عام 1927 عن “11%” وإن احتلوا عدديا المرتبة الخامسة علي مستوي الجاليات بعد اليونانيين والإيطاليين والبريطانيين والفرنسيين . واستقطبت العاصمة المصرية وثغرها معا نسبة “92.7%” من إجمالي الأرمن مقابل “7.3%” مبعثرين علي كافة الأقاليم المصرية .

واستعرض الباحث الوضع القانوني للأرمن، وأوضح أن وضعية أرمن مصر كانت مستقرة قبل عام 1929 عندما تجنسوا شأن المصريين بالرعوية العثمانية . ولكن بعد هذا التاريخ اهتزت هذه الوضعية وتزعزعت بسبب اتجاه السلطات الحكومية إلي فصل الجنسية المصرية عن العثمانية وترسيخ أسسها . ولذا ، سببت التشريعات المتباينة المنظمة للجنسية المصرية في تعميق المسافة بين الأرمن وحصولهم علي حقوق المواطنة المصرية مما جعل عدة آلاف منهم إلي مغادرة القطر. ونجحت أغلبية الجالية الأرمنية في أن تمصر وضعها القانوني عام 1961 في ظل تشريعات الجمهورية العربية المتحدة الفضفاضة .

خضعت الجالية الأرمنية الأرثوذكسية للوائح والفرمانات العثمانية حتي انفصال مصر عن الدولة العلية في 5 نوفمبر 1914. ونجح الأرمن منذ عام 1905 في نيل اعتراف الحكومة المصرية رسمياً بطائفتههم ، ولكن بينما نجحت مساعي الأرمن الأرثوذكس والكاثوليك في الحصول علي اعتراف رسمي بهم من الحكومة المصرية ، أخفق أقرانهم البروتستانت ، وبينما أدي هذا الاعتراف إلي استقرار الطائفتين الآنفتين نسبياً والحفاظ علي تماسكها ، نجم عن عدم الاعتراف بالأرمن البروتستانت تشتتهم وذوبانهم في المحيط البروتستانتي ومع أقرانهم الأرمن الأرثوذكس.

اتبع الأرمن الكاثوليك الأحكام العامة للشريعة الكاثوليكية في أحوالهم الشخصية شأن كافة الطوائف الكاثوليكية في مصر ، كما اندرج الأرمن الإنجيليون تحت مظلة الشريعة الإنجيلية الوطنية ، أما الأرمن الكاثوليك فقد تباينوا عنهما في أحوالهم الشخصية وفقاً لفرمانات ومراسيم ولوائح نظامية خاصة بهم .

واستمدت طائفة الأرمن الأرثوذكس بمصر تشريعاتها وامتيازاتها القضائية بشأن الأحوال الشخصية من رافدين أساسيين : أولهما عثماني ، فقد استمدت الطائفة ولاية الحكم في كافة قضاياها المدنية والجنائية والأحوال الشخصية من نظام الملل العثماني

ثانيهما – الرافد المصري ، فقد بدأ من حيث انتهي الرافد العثماني عقب انفصال مصر عن الدولة العلية بصدور قانونه رقم “8” لسنة 1915 الذي أجاز للطوائف الاستمرار في ولاية الحكم مؤقتاً طبقا لفرماناتها العثمانية لحين تنظيمها بقانون مصري ، ثم أعقب هذا القانون مرحلة اعتراف الحكومة المصرية باللوائح الداخلية للطوائف ومحاولاتها المتكررة لإصلاح النظام القضائي الملي الخاص بالأحوال الشخصية لغير المسلمين. وأنذرت الحكومة الطوائف بعدم تنفيذ الإدارة لأحكامها مالم يقدموا لائحة بنظام الإجراءات الداخلية لديهم ليعرف منها علي وجه قاطع الهيئة التي تتولي الحكم والإجراءات التي تتبعها ويتبعها المتقاضون . وفي هذا الخصوص ، قدم الأرمن الأرثوذكس لائحتهم علي غرار بطريركية الأرمن بالأستانة . ولكن الحكومة رفضت اعتمادها بسبب اختلافها مع القوانين المصرية .

ورغم عدم وجود لائحة داخلية خاصة بالأحوال الشخصية لطائفة الأرمن الأرثوذكس لم يسلبها ولاية الحكم الثابتة لها، إلا أن غيابها أوقع أبناء الطائفة في العديد من المشاكل الشائكة المرتبطة بمصير الأسرة والأبناء والحقوق الوراثية . ولهذا ، كررت المطرانية مساعيها لدي الحكومة المصرية للتصديق علي اللائحة الداخلية حتي تسني لها ذلك في 29 يونية 1946 . وفد ظل معمولاً بهذه اللائحة حتي صدور القانون رقم ” 462″ لسنة 1955 الذي ألغي المحاكم الشرعية والمحاكم الملية ابتداء من أول يناير 1956 وإحالة الدعاوي المنظورة أمامها لغاية 31 ديسمبر 1955 إلي المحاكم الوطنية.

ويتصدي الفصل الرابع ل” النشاط الاقتصادي للأرمن ” في كافة المجالات الصناعية والحرفية والتجارية والمهنية والوظائفية. فقد مارس الأرمن كافة الصناعات علي الصعيد الصناعي المصري ، والجدير بالذكر أنهم لم يحبسوا أنفسهم في إطار إنتاج محدد ، بل مارسوا تقريبا معظم الصناعات .

وثمة حقيقة جد مهمة؛ وهي أن المؤسسات الصناعية الأرمنية الموجودة بمصر قد أسسها الأرمن النازحون إليها ، وبمرور الوقت أثبتوا جدارتهم واستقلوا بأنفسهم في مشروعات خاصة ، ولم يدخل الأرمن إلي مصر بصناعاتهم- عدا الدخان- التي عملوا بها قبل النزوح ، بل اضطروا إلي ممارسة ما تيسر لهم من الصناعات كل حسب ظروفه والفرص التي أُتيحت له . ولهذا ، لم تتسم الرأسمالية الصناعية الأرمنية بتوجه عام ، مثل اليونانيين واليهود ، واتصفت بالعشوائية والتشرذم الإنتاجي.

كان بعض أصحاب المؤسسات الصناعية الأرمنية أعضاء في الاتحاد المصري للصناعات ، منهم ليفون چوچانيان، كيفورك تشاكچيان، نصيب توركوم ، مارديج ضربخانليان ، كريكور مينيتيان ، ماتوسيان ، جامسراچان ، ه.أ. تشايلاكيان، هاري جودسوزيان ، روز ماتوسيان، توباليان … وغيرهم .

وممن التحق بالغرف الصناعية المختلفة . علي سبيل المثال ، كان ماتوسيان مستشارا ل” الاتحاد المصري للصناعات ” وكان مارديج ضربخانليان عضوا بالغرفة النقابية لصناعة الجلود في مصر التي تأسست في 22 يناير 1931 . وكان كريكور مينيتيان عضوا بغرفة صناعة الزيوت المصرية التي تأسست عام 1938 ، كما كان عضوا بغرفة صناعة الصابون في القطر المصري التي تأسست عامئذ أيضا .، وكان كل من ه.أ .تشايلاكيان وروز ماتوسيان عضوين بالغرفة النقابية لأرباب الطباعة في القطر المصري التي تأسست في 13 مارس 1939، كما كان ف . مانوجيان مستشارا لهذه الغرفة .

وظلت المؤسسات الصناعية الأرمنية تزاول أنشطتها بحرية تامة في مصر حتي صدور قوانين التأميم الاشتراكية عام 1961 ، فخضع معظمها للسيطرة الحكومية المصرية

وعلى الصعيد الحرفي للأرمن في مصر ،مارسوا ثمانية حرف متميزة كما وكيفا؛ الصياغة ، الساعاتية ، الزنكوغراف، التصوير الفوتوغرافي، صناعة اليازمات ( الطرح) ، التطريز ، الترزية الإفرنجي ، القمصانچية الإفرنجي .أما بقية الحرف (92 حرفة )، فلا تخرج عن نطاق الحرف التقليدية التي اشتغل بها كافة الأهالي .

تمصرت هذه الحرف قلبا وقالبا في خضم تمصير الحياة المصرية عموما وصدور قوانين التأميم الاشتراكية في عام 1961خصوصا . ناهيك أن هجرة الأسطوات الأرمن قد أفسحت الميدان أمام جيل من الأسطوات المصريين- الذين تعلم بعضهم في رحاب الورش الأرمنية- ليمسكوا بزمام الوسط الحرفي والهيمنة علي سوقه.

وفي مجال التجارة ، شكل التجار والباعة الأرمن في مصر نسبة 7% من إجمالي الجالية وبنسبة 19.8% من إجمالي القوة الأرمنية العاملة .

تبلورت الرأسمالية التجارية الأرمنية بوضوح في مصر بين عامي 1896 – 1914 ؛ أي منذ النزوح الجماعي الأول حتى اندلاع الحرب العالمية الأولي ، واشتغل أغلبية التجار الأرمن في الاستيراد ومارست أقلية منهم التصدير.

وازدهرت في مصر بسبب ارتباطها الوثيق بالرأسمالية الأجنبية ؛ فقد كانت أغلبية البيوتات التجارية الأرمنية بمثابة همزة الوصل بين المنتجات الأوروبية والسوق المصري ، وظلت هذه الرأسمالية في الانتعاش حتي اندلاع الحرب العالمية الأولي التي أحدثت خسائر جمة في الأستانة وأزمير ومصر وغيرها في وقت تنامت فيها البورجوازية الوطنية ضد الرأسمالية الأجنبية الكاسحة ، وبعد أن فقد الأرمن مقعدهم علي مائدة الرأسمالية التجارية ، تحولوا إلي تجار من الدرجة الثانية وباعة بسطاء ثانويين .

عمل الأرمن في مصر بالمهن المختلفة ، ولم تقتصر وظائفهم علي مصلحة بعينها أو وظيفة بذاتها ، بل انتشروا تقريبا في معظم المصالح الحكومية، ولكن يلاحظ غلبة الوظائف الفنية علي المكتبية والحسابية لا سيما الهندسة والرسم والتصوير التي امتهنها الأرمن بشكل ملحوظ في وزارة الأشغال العمومية وفروعها.

وإذا كانت الوظائف الحكومية قد جذبت الأرمن المستقرين بمصر قبل عام 1896 ، فإن الشركات والمؤسسات المختلفة قد استوعبت الكثير من الأرمن النازحين إلي مصر بعد هذا التاريخ. وأشار الباحث إلي شريحة أرمنية من ملاك الأراضي الزراعية بمصر ، ويُلاحظ أن معظمهم كانوا ممن توظفوا بالحكومة المصرية أو استقروا بالبلاد قبل عام 1896 . قد تكونت من رافدين أساسيين ؛ أولهما – المنح التي أنعم بها الحكام المصريون علي موظفيهم من الأرمن، وثانيهما – شراء الأراضي من الأفراد والدولة .

ويركز الفصل الخامس على ” المواقف السياسية للأرمن ” في ضوء أربعة محاور أساسية : المحور الأول : موقف أرمن مصر من تطورات القضية الأرمنية ،وتُشير الدراسة إلي تأرجح موقف أرمن مصر في تفاعلهم إزاء القضية الأرمنية بين الإيجابية والسلبية منذ تدويلها في برلين 1878 وحتي تمويتها في لوزان 1923 . وقد سعت كل طبقة إلي حل القضية من وجهة نظرها وفي إطار مصالحها ، ولكن أسفرت أوضاع الأرمن في الدولة العثمانية عن تبوأ أرمن مصر مكانا قياديا بخصوص القضية الأرمنية ، وألف الأرمن المصريون فيما بينهم (الاتحاد القومي) لمتابعة مطالب الشعب الأرمني وحقوقه، إلا أن سياستة الانشقاقية لم ينجم عنها أية ثمار إيجابية ، ورغم هذا الإخفاق ، أسهم الأرمن بفعالية شديدة في إغاثة أقرانهم العثمانيين المنكوبين ، وفضلا عن الإسهامات البارزة في ميدان التطوع علي جبهتي القوقاز والشام ، ولكنهم فشلوا في حل القضية الأرمنية بسبب الضغوط السياسية الدولية ، وتطويق سلطات الاحتلال البريطاني لنشاطهم خاصة مع قيام الحرب العالمية الأولي، ناهيك عن انشقاقاتهم المزمنة .

أما المحور الثاني : موقف أرمن مصر من أرمينية السوفيتية ، فنجد أن النشاطات السياسية أرمنية في المهجر المصري تمحورت حول قطبين متضادين منذ انضمام أرمينية إلي الكتلة البلشفية في 29 نوفمبر 1920، احدهما ينتمي إلي حزب الطاشناق والآخر إلي حزب الرامچافار الليبرالي ، أما حزب الهنشاك ، فقد كان ضعيفا مفككا توهنه الصراعات الداخلية ، ولذا لم يقم بدور واضح في مصر باستثناء بعض ردود الأفعال السلبية والإيجابية نحو بعض الأحداث.

والمحور الثالث : الصراع الحزبي الأرمني في مصر ، حيث اتسمت الحياة الداخلية الأرمنية المصرية بالصراعات العميقة التي تبلورت في أحزاب ومؤثرات حزبية، وقد رمي الطاشناق من وراء هذا الصراع إلي احتلال كافة كنائس المهجر الأرمني التابعة لإيتشميادزين – المركز الروحي بأرمينية – وتأسيس آلية جديدة رفيعة المستوي تصير عدوا لأرمينية السوفيتية ، مما أدي إلي دخول انتخابات المجلس الملي الأرمني دائرة الصراع السياسي بين الأحزاب الأرمنية ، وعندما فشلت هذه الأحزاب في إدارة الجالية الأرمنية ، دخل غير الحزبيين الميدان ، ولكنهم أخفقوا أيضا في إدارتها. واستقرت جميع القوي العاملة في محيط الجالية المتناحرة أيديولوجيا وسياسيا علي التمثيل النسبي لهم جميعا داخل المجلس الملي.

والمحور الرابع : وضع الأرمن المصريين في إطار السياسة المصرية ، فقد نجح الاحتلال البريطاني في عزل الأرمن المصريين عن الاشتراك في مقاومته من خلال قنوات محايدة ولكنها استعمارية الأصل ، وذلك بتطبيق مفهوم ” (فرق تسد) إذ نجح البريطانيون في أن يظهروا للأرمن بأن مجابهتهم ليست في صالح المسيحيين عموما ، وأن الأعمال المضادة لبريطانيا في مصر إنما هي ثورات أو حروب ذات طابع ديني، وبدا الخط السياسي العام للأرمن في مصر محايدا إزاء الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني في مصر الذي نجح في استقطاب شريحة منهم لتدعيم وجوده وترويج مشروعاته خاصة ذوي العلاقات مع الرأسمال البريطاني وتماشت بعض الأقلام الأرمنية مع هذه الأفكار ، وقامت بعضها بعملية تحييد للجالية الأرمنية إزاء مسألة جلاء الإنجليز عن مصر. وفوق هذا ، نجح الاحتلال البريطاني في استثمار سوء التفاهم الذي وقع بين المصريين والأرمن إبان أحداث ثورة 1919 لتقبيح صورة المصريين في مؤتمر باريس حتي لا ينالوا استقلالهم .

ورغم أن أحداث الثورة قربت الأرمن إلي الاحتلال ، إلا أنها وضعتهم في مواجهة مباشرة مع الطموحات المصرية، ومن ثم بدأ الأرمن يولون وجوههم شطر أماني البلاد القومية ، علي استحياء ، وما لبثت أن تحول إلي التصفيق لثورة 23 يولية 1952 ، لكن المناخ الذي أوجدته الثورة – خاصة موقفها من الأجانب وقوانينها الاشتراكية – كان السبب الحقيقي في تقلص الوجود الأرمني في مصر. ولا تعدو حادثة الجاسوسية التي وقعت في سورية سوي القشة التي قصمت ظهر الجالية الأرمنية في مصر.

يعالج الفصل السادس ” الأنشطة الاجتماعية والثقافية للأرمن ” في خمسة ميادين :

الميدان الأول : الجمعيات الأرمنية ، وقدر عددها ب”104″ جمعية متباينة التخصص قامت بدور فعال في تنشيط حركة المجتمع الأرمني علي كافة الأصعدة.، ويلاحظ علي رغم كثرتها قياسا إلي عدم كبر الجالية الأرمنية، فضلا عن تنوعها ، تُعدد أنشطتها وأوجه اهتماماتها .

وحسب – الكاتب- : ” التقت كل الجمعيات والاتحادات والأندية وحتي المقاهي الأرمنية في مصر عند نقطة واحدة؛ استدعاء أرمينية إلي مصر لتعيش في وجدانهم”

أما الميدان الثاني : الصحافة والأدب ، ومما هو جدير بالذكر أن توالي ظهور الإصدارات الصحفية الأرمنية المصرية توالي عقب النزوح الأرمني الجماعي منذ عام 1896 حتي بلغ إجماليها ” 120″ إصدار عام 1960 ، وقد تباينت في توجهها العام ، ما بين سياسي وأدبي وديني وعلمي ورياضي ..إلخ..

تبوأت الصحافة القومية السياسية قمة الإصدارات الصحفية الأرمنية المصرية ، ويرجع الكاتب ذلك إلي : ” أن أم القضايا الأرمنية آنذاك كانت ذات طبيعة قومية سياسية تتمثل في استلاب أراضيهم وذبح ذويها وتشتيت الناجين منهم، تعكس عناوينها بوضوح طبيعة مكنونات المهجر الأرمني المصري : الفجر، الفنار، باعث الضوء، الأفق، الشمس، يوم جديد، الأزمنة الجديدة، الشعلة، الفكر الحر، جالب الأمل، التيار، النار..إلخ .

نشطت الصحافة في أعقاب موجات النزوح الأرمني إلي مصر ، ولكنها كانت في الأغلب الأعم من ذوات العمر القصير المحدود، ورغم هذا ، كانت الحركة الصحفية الأرمنية عموما وسيلة مهمة للتعبير عن النفس وإثبات الذات والتحدي من أجل البقاء في ظل الظروف النفسية للشتات الأرمني ، فضلا عن كونها من أدوات الحفاظ علي الهوية الأرمنية وتدعيم أواصرها . باستثناء جريدتي هوسابير وأريڤاليوميتين الحزبيتين المتناقضتين أيديولوجيا ، والتي تمحورت حولهما الحياة الأرمنية المصرية ، ولم تترك الصحافة الأخرى بصمات قوية علي الأرمن المصريين غير وازعها النفسي.

لعبت الصحافة دوراً كبيرا في تنشيط الحركة الأدبية بين أرمن مصر؛ إذ كان أغلب محرريها وصحافييها من الأدباء والشعراء والنقاد الغربيين النازحين من الدولة العثمانية .

احتلت قضية الحرب موقعا محوريا في الإنتاج الأدبي الجمعي الأرمني حيث لا يوجد كاتب إلا وقد طرقها قربا أو بعدا . ولا غرو في أدب شعب تكني بلده ب” تفاحة الحرب ” لكثرة الحروب التي دارت علي أرضه بين الإمبراطوريات الاستعمارية المختلفة ، ويبلور هذا الأدب بشاعة الحرب في أنها تحصد الإنسان الرجل ، وتشوه روح الإنسان – المرأة الأم رمز النماء والخصب الذي ستمتد روحه إلي الأطفال- إنسان الغد. ، ولم تنفصل بنيوية الأدب المهجري المصري ، شكلا ومضمونا عن النسق العام لأدب أرمينية الغربية والشتات ، وظهر ذلك جليا في أعمال آريبار آربيان، ويرڤانت أوديان، وڤاهان تيكيان، بدأت فيها أعمالهم الأدبية علي شكل مقالات مسلسلة علي صفحات الجرائد وانتهت بتجميعها بين دفتي كتاب.

والميدان الثالث : المسرح والسينما ، ويتناول الحركة المسرحية الأرمنية في مصر . تغذي فيها المسرح الأرمني من رافدين أساسيين هما : الفرق الأرمنية المحترفة الزائرة من خارج مصر كفرق : سيروڤبي بنچليان ، والفرقة المسرحية الأرمنية القوقازية المحترفة، وفرقة چوستانيان ، وفرق الهواة وأشباه المحترفين التي تكونت من أرض مصر ، ولم يكن لهذه الفرق أسماء ، بل أطلق عليها ” فرق هواة المسرح” أو ” فرق الهواة” وحتي عام 1900 لم تكن بمصر فرق مسرحية أرمنية محلية ، بل كانوا يتكونون حسب متطلبات العرض ثم ينحلون، وبعد الحرب العالمية الأولي ظهرت فرق أتاميان ودراماتيك والفرقة الكوميدية علي الساحة الفنية الارمنية ، لتقدم عروضا مسرحية تذكر الأرمن بجذورهم الأرمنية والحفاظ علي اللغة الأرمنية، وإحياء تراثهم الثقافي .

اعتمدت الأعمال الفنية الأرمنية فيها علي مؤلفين أرمن منهم توماس ترزيان ، وهاچوب بارونيان ، وهاچوب مليك هاجوبيان ( رافي) ، وآفيديس أهارونيان، وآفيديك إيساهاچيان وغيرهم من المؤلفين الأرمن ، كما اعتمدوا علي أعمال مؤلفين غير أرمنيين كوليم شكسبير ، والإيطالي جياكوميتي ، والروسي تشيخوف وغيرهم من المؤلفين الأجانب.

تنوعت القضايا التي طرحها المسرح الأرمني المصري بين تاريخي ، اجتماعي ، ثقافي ، ركز فيها المسرحيون الأرمن علي الفترات الحاسمة في تاريخ الشعب الأرمنية، وحركات التحرر ضد المستعمر، و الإبادة الأرمنية عام 1915…إلخ

ولا يفوتنا أن نذكر إسهامات الأرمن في المجال السينمائي التي تنوعت بين التقنية والتمثيل .ففي المجال التقني نجد هرانت نصيبيان الذي أسس الأستوديو الذي يحمل اسمه، وفي مجال الإنتاج أرابيان ، وأوهان چوستانيان في التصوير السينمائي ، وهاچوب أصلانيان في هندسة المناظر، وعلي صعيد المونتاج برز اسم چاهي بوياچيان .

وعلى مستوى التمثيل ، نجحت أضواء الشاشة الفضية للسينما المصرية في جذب بعض الأرمنيات المصريات للظهور علي شاشتها، وحسب – الكاتب – “نجحت السينما المصرية في خطف طفلات أرمنيات من أحضان عالمهن الأرمني وتربيتهن علي قضاياها المصرية ولغتها العربية حتي صرن نجمات لامعات في الفن السابع وأوساطه المصرية” . خمس أرمنيات ممثلات موهوبات هن: ( بيروژآرتين كالفيان) الطفلة المعجزة الشهيرة بفيروز و قدمها للسينما أنور وجدي في العديد من الأعمال التي أبرزت موهبتها نذكر منها ( ياسمين- فيروز هانم – دهب)، كما شهدت السينما ظهور (نونيا كوبيليان) الشهيرة ب ” لبلية” ، وظهور نجمة الاستعراض ( نيلي أرتين كالفيان) الشهيرة بنيلي وكذلك شقيقتها مرڤت ( سيرڤرت) التي اكتفت ببعض الأدوار الثانوية في طفولتها، وإلي جانبهن ( ماري نزار چوليان ) الشهيرة ب ” ميمي جمال” .

أما الميدان الرابع :الموسيقى والغناء ، فقد نشط فيه الأرمن ؛إذ قدمت معظم المؤسسات الثقافية والاجتماعية الأرمنية حفلاتها وعروضها- نفس أغراض العروض المسرحية – علي أكبر وأشهر المسارح المصرية ،فضلا عن مسارحها الخاصة .

برزت أسماء الفرق الموسيقية ومنها ” فرقة موسيقي آراكس” ،” فانڤار” و” هنشاك” ، كورال هامازكايين” ، فرقة كورال چوميداس، وفي الإسكندرية برز فرقة الماندولين كنار، كورال فارغاشاج سرفانسديانتس،

وبجانب هذه الفرق يذكر الكاتب : إن ثراء الحياة الموسيقية والغنائية اعتمد علي الموسيقيين والمغنيين الذي قسمهم إلي وافدين تمثل في : هاروتيون سينانيان ، سوغون سوغومانيان، چوميداس، لوسي سيڤوميان، أشود بادماكريان ، آرام خاتشادوريان

أما الأرمن المصريون ، فبرز اسم نيڤارت داماديان في مجال عزف البيانو وبجانبه ظهرت بعض الأرمنيات اللاتي قمن بتدريس البيانو مثل تاكوهي أراميان ، أليس مانوچيان، زابيل كيليچيان ، ومعهن المغنية وعازفة البيانو آسدغيج بابلانيان ونويمي ميليكيان دوريسيان وأستر مصرليان ، وفي مجال عزف آلة الكمان برز هايج چودينيان ، أرميناج يسيان ، وعلي الناي نجد أمين بك وزاي وعلي العود مرچر مليك وهابيت مصرلييان، وفي الغناء الأوبرالي مهران يرچات وكوهار خاتشادوريان ، جيلان رطل.. ولا يمكن أن نغفل اسم فؤاد جرابيد بانوسيان المعروف باسم ( فؤاد الظاهري ) الذي لمع اسمه في الموسيقي الشرقية العربية

لم يسهم الأرمن فنيا في تدعيم الموسيقي الشرقية العربية المصرية ، ولكنهم أسهموا تقنيا، خاصة الخواجة سيتراك ميشان صاحب ” فابريقة ميشيان” فقد قام بتسجيل أسطوانات موسيقية وغنائية لمشاهير العزف والغناء خلال الربع الأول من القرن العشرين.

وفي المجال الأخير: الفنون الجميلة .، أكد د. الإمام أن الجالية الأرمنية حققت نجاحا ملحوظا في الفنون الجميلة لا سيما التصوير والنحت والكاريكاتور، وبرز في التصوير أسماء ك ” يرڤانت دميرچيان”، ڤهرام مانڤيان، ديران جرابيديان، وبوزانت چوچامانيان ، وسيمون سامسونيان ، أونيچآڤيديسيان آشود زوريان، كريكور مجرديتشيان، هامبارتسوميان، هاچوب هاجوبيان، وبرزت حواء هي الأخرى في هذا المجال ،فنجد كلاً من ساتينج تشاكر، أرتيه توباليان، فيدرا دميرچيان .

وثمة ملاحظة جديرة بالذكر يشير إليها الكاتب ، حيث إن عمل المصورين الأرمن لم يقتصر علي إبداع اللوحات والبورتريهات والإسكيتشات فقط، بل عمل بعضهم في مجال إعداد اليُفط الذهبية مثل ڤوسجان شيمشديان، كما اشتغل بعضهم في الرسوم الإعلانية والتوضيحية بدور النشر والصحافة المختلفة. منهم علي سبيل المثال ، الفنان ” ديكران” الشهير بلقب” ديك” في مؤسسة الأهرام الذي برع في رسم الإعلانات والرسوم التوضيحية، واشتهر هرانت آنترانچيان بتصميم غلاف مجلة “سمير” الشهيرة ، وهو مبتدع شخصيتي ” سمير” و” تهته” المحبوبتين.، وفي الختام يجب أن نذكر ألكسندر صاروخان الاسم الأبرز لأكبر وأشهر شخصية أرمنية عملت في ميدان الصحافة المصرية ، كما يعد رائد الكاريكاتور السياسي في مصر.

وأنهى الباحث دراسته بخاتمة بلور فيها نتائج الدراسة، وأكد فيها أن عامل الطرد الأرمني الرئيسي قد تمثل في سياسة الإبادة التي اقترفتها السلطات العثمانية إبان العهود الحميدية والاتحادية والكمالية ضد الأرمن منذ منتصف تسعينات القرن التاسع عشر، وفي المقابل طبيعة مصر الجاذبة سكانيا والماصة حضاريا والمستوعبة ثقافيا. ويشير إلي أن وجود الأرمن اللاجئين في مصر لم يكن مقبولا من معظم القوي ، إلا أن الأرمن َحوا ميدانا استثمرته التيارات المختلفة في تحقيق غاياتها أيديولوجيا وسياسيا واقتصاديا ، فبالنسبة للموجة الأولي 1896 وظفها أنصار النظام العثماني وأعدائه ، عملاء الاحتلال البريطاني وخصومه ، وغدا هؤلاء اللاجئين في مصر بمثابة ورقة سياسية حرص الجميع علي اللعب بها.

وذكر في الخاتمة ” وكان التواجد الأرمني في مصر ذو طابع مديني أساسا ، كما يلاحظ أن أغلبية أرمن الأستانة قد استوطنوا القاهرة ، بينما استقر معظم أرمن أزمير وضواحيها بالإسكندرية . أما الأرمن المبعثرون في الأقاليم فتعود أصولهم إلي داخلية الأناضول وقيليقية والريف الأرمني . وهكذا ، أتاح المهجر المصري المناخ النفسي الملائم لجميع الأرمن كي يتكيفوا معيشيا معه” .

وأوضح الكاتب ، ان أرمن مصر قد عاشوا بمثابة “جزيرة أرمينية في المحيط المصري” ، لأنهم انهمكوا حتي نخاعهم

في قضيتهم وصراعاتهم الحزبية وبالتالي لم تكن لهم أية تفاعلات ، أو انفعالات تجاه الحركة الوطنية المصرية منذ الاحتلال البريطاني في عام 1882 حتي اندلاع ثورة الشعب المصري في عام 1919 .وخلال هذه الثورة ، ساءت العلاقات بين المصريين والأرمن إثر وشاية تركية للنيل من أرمن مصر حاملي لواء القضية الأرمنية في باريس ضد الدولة العثمانية، ترتب عليها انزلاق قطاعات مصرية في هذا الفخ وانتهجوا سلوكا عنيفا ضد الأرمن الذين ألقوا بأنفسهم في أحضان السلطات العسكرية البريطانية لحمايتهم ، فما كان من سلطات الاحتلال إلا ان تصيدت هذه الوليمة الجاهزة – حسب الكاتب – وسممتها بالفتنة الطائفية ، وقدمتها علي مائدة مؤتمر باريس ضد الوفد المصري .

وكشف الدكتور محمد رفعت الإمام في دراسته عن الأنشطة الثقافية للأرمن عن ثلاث مستويات : المثقفون ذوو الثقافة الأرمنية البحتة ، المثقفون ذوو الثقافة الأرمنية – المصرية ، المثقفون ذو الثقافة المصرية المحضة . ونجح هؤلاء المثقفون نسبيا في إيجاد شعور توليفي تآلفي بين جذورهم الأرمنية ووضعيتهم المصرية .

وينهي الدكتور محمد رفعت الإمام في الخاتمة كتابه بعبارة مهمة جدا : ” منذ أوائل ستينات القرن العشرين ازدواج الأرمن – الذين لم يغادروا مصر – إنسانيا وثقافيا بين الأرمنية والمصرية ، فقد صاروا مصريين بقدر ما كانوا أرمن، وأمسوا أرمن بقدر ما أصبحوا مصريين ” .

Leave a Reply

Your email address will not be published.