أنور يثير مسألة السلام ثانية..وداعاً للسلطان ولتركيا

إن فشلي لإيقاف دمار الأرمن جعل من تركيا مكاناً مفزعاً لي، وجدتُ أن احتكاكي واتصالاتي اليومية مع الرجال الذين كانوا لبقين ومجاملين وذوي طباع حسنة معي، ولكن لا تزال أيديهم مضرجة بدماء ما يقارب مليوناً من البشر. كل هذه المحاولات ذهبت سدى. لم أكد  أتحمل هذا الوضع أكثر من ذلك. لو علمت أنني سأكون ذا نفع للأمريكيين، أو لهذه الشعوب المضطهدة في الإمبراطورية بعد الآن لبقيت. أصبح وضع الأوروبيين والأمريكيين آمناً الآن وكل حيلة لمساعدة الشعوب الخاضعة أوصلتني إلى طريق مسدود، علاوة على ذلك كان حدثاً مهماً، يقترب في الولايات المتحدة. هذا الحدث كان الانتخابات الأمريكية، التي حسب اعتقادي سيكون لها أعظم الأثر في مستقبل العالم وعلى الديمقراطية. كنت أشعر أنه ليس هناك أي شيء أهم في السياسة العالمية كإعادة انتخاب الرئيس ويلسون. لا أتصور نكبة أكبر للولايات المتحدة والعالم من أن يفشل الشعب الأمريكي على إعادة انتخاب رجل الدولة هذا بإخلاص. استنتجت أنه بإمكاني أن أخدم بلدي بشكل أفضل هناك في هذا الظرف بالذات، إذا تمكنت في المساعدة على انتخابه. كان هناك سبب جوهري آخر للرجوع إلى بلدي، وهو أن أعطي الرئيس والإدارة الأمريكية معلومات شفهية مستقاة من المصدر عن الوضع الأوروبي. كان مهماً بشكل خاص أن أعطيهم المعلومات النهائية الرئيسية والعرضية عن موضوع السلم. كان هذا الموضوع هو الاهم في القسطنطينية في الفترة الأخيرة من عام 1915، والفترة المبكّرة من عام 1916. كان أنور باشا يرجو أن ألتمس الرئيس لإنهاء الحرب. صرّح عدة مرات، أن تركيا تَعِبَة من الحرب وخلاصها متعلق بالسلام المبكّر.

شرحت سابقاً الظروف التي عمّت بعد بضعة أشهر من اندلاع الحرب. لكن الظروف في نهاية عام 1915 كانت أردأ بكثير عندما قررت تركيا تهجير وإبادة مواطنيها، وخاصة الأرمن واليونانيين. وقعت بذلك وبنفسها مذكرة دمارها الاقتصادي. هؤلاء الأرمن واليونانيون كانوا يسيطرون على صناعاتها، وينظمون شؤونها المالية ويطورون زراعتها. إن النتائج المادية لهذه الجريمة القومية الكبرى تظهر الآن جلية في كل مكان. بقيت الأراضي من دون عناية، ومات آلاف الفلاحين يومياً من الجوع. كان الأرمن واليونانيون أكبر دافعي الضرائب، لذلك فإن إبادتهم قللت كثيراً من مصادر دخل الدولة، وكانت كل الموانىء التركية عملياً محاصرة، فتوقفت جباية الرسوم الجمركية. تركيا بالكاد تتلقى المال الكافي لتفي ديونها فقط، ولا نذكر شيئاً عن النفقات المعيشية، ولا عن نفقات الحرب الباهظة. كل هذا يعطي فكرة واضحة عن الوهن المتقدم والمستشري في الاقتصاد التركي. طبعاً كانت لتركيا أسباب كثيرة، ما عدا الوضع الاقتصادي المهلهل، كي تحرص على السلام العاجل. كان أنور والحزب الحاكم يخافون من الثورة المضادة، ما لم تنته الحرب بسرعة. كتبت إلى الإدارة الأمريكية عن هذا الوضع: “هؤلاء الرجال يريدون أن يفعلوا أي شيء في سبيل احتفاظهم بالسلطة”.

لم آخذ إلحاح أنور عن السلم على محمل الجد. “هل تتكلم من أجلك، ومن أجل حزبك في هذا الموضوع؟” سألته “أم تتكلم من أجل ألمانيا أيضاً؟ لا أقدر أن أقدم اقتراحاً منك للولايات المتحدة إلا إذا ساندتك ألمانيا. هل استشرتهم في هذا؟”.

“لا” قال أنور “لكنني أعرف كيف يشعرون”.

“هذا غير كاف” أجبته “الأفضل أن تتصل معهم مباشرة عن طريق السفارة الألمانية. لا أرغب في قبول اقتراح لم يصدّق عليه من حلفاء “ألمانيا”.

فكّر أنور أن مناقشة الأمر مع السفير الألماني سيكون عقيماً تقريباً، قال مع ذلك بأنه سيسافر إلى أورسوفا (Orsova) وهي مدينة صغيرة على الحدود المجرية –الرومانية، حيث سيجتمع مع فالكنهاين (Falkenhayn) رئيس أركان الجيش الألماني آنذاك. قال: إن فالكنهاين هو صاحب سلطة وسيناقش معه مسألة السلم.

“لماذا تفكر أنه الوقت المناسب الآن لمناقشة مسألة السلم؟” سألته..

“لأننا خلال أسبوعين فقط نكون قد أبطلنا بشكل كامل وجود دولة الصرب.

نعتقد أن ذلك سيضع الحلفاء في إطار عقلي يجبرهم على مناقشة أمور السلم. إن غاية زيارتي لفالكنهاين هي إتمام الترتيبات لغزو مصر. نترقب خلال بضعة أيام أن تنضم إلينا اليونان. نهيء الآن أطناناً من المؤونة والعلف لإرسالها إلى اليونان. عندما نكسب اليونان في صفنا، ستدخل رومانيا الحرب من دون تأكيد -عندما تنضم إلينا اليونان ورومانيا ستكون عندنا جيوش قوية. سنحصل على كل الأسلحة والذخيرة من ألمانيا عندما يفتح الطريق المباشر للخط الحديدي. كل هذه الأمور تجعل من هذا الوقت مناسباً لمناقشة مسألة السلم”.

طلبت من وزير الحربية أن يبحث الأمر مع فالكنهاين في المقابلة المقترحة، ويخبرني عن النتيجة عند عودته. وصل هذا الحديث بطريق ما إلى السفير الألماني الجديد غراف فولف مترنيخ (Graf Wolf Metternich) الذي استدعاني رأساً لمناقشة الموضوع. كان ظاهراً من حديثه أنه يريد التأثير فيّ في مسألتين. أولاً: إن ألمانيا لن تسلّم الألزاس –لورين. وثانياً: تصر ألمانيا على إرجاع جميع مستعمراتها. أجبته أنه عديم الفائدة، أن نتباحث عن السلم، ما لم تنل إنكلترا بعض الانتصارات العسكرية الكبرى.

“هذا ممكن” أجاب غراف. “لكنك لا تنتظر أن تسمح ألمانيا لإنكلترا أن تنتصر بشكل لكي تكون مستعدة للتفكير في السلام. أعتقد أنك مخطىء في القول: إن إنكلترا لم تحرز انتصارات كبيرة. أعتقد أن في مصلحتها العديد من الانتصارات الجوهرية جداً. فكّر معي ماذا فعلت. وطدت من سيادتها المطلقة على البحار، وأزاحت تجارة ألمانيا كلها خارجاً. لم تخسر من أراضيها الخاصة حتى ولو قدم، بل ربحت مستعمرات جديدة واسعة. استولت على قبرص ومصر، واحتلّت المستعمرات الألمانية أيضاً وتمتلك القسم الأكبر من وادي بلاد النهرين. كم هو مضحك أن يقال: إن إنكلترا لم تربح شيئاً بالحرب”.

جاء أنور إلى السفارة الأمريكية في 1 كانون الأول وأخبرني عن نتائج مقابلته مع فالكنهاين. قال رئيس الأركان الألماني: إن ألمانيا ترغب كثيراً في التباحث عن السلم، وإنها لن تضع شروطها المسبقة، لأن ذلك يمكن أن يترجم كإشارة ضعف. لكنَّ شيئاً واحداً يمكن أن يتأكدوا منه، هو أن الحلفاء يمكنهم الحصول على شروط أحسن في هذا الوقت أكثر من أي زمن في المستقبل. قال أنور: إن ألمانيا راغبة في إرجاع الأقاليم التي استولت عليها من الفرنسيين وإرجاع عملياً بلجيكا كلها. لكن الشيء الوحيد الذي بُتَّ فيه جيداً بلا ريب، هو تقسيم صربيا النهائي. لا يمكن إرجاع ولو متراً واحداً من مقدونيا إلى صربيا التي ستصبح بلداً أصغر بكثير عما كانت عليه قبل الحرب. في الحقيقة ستختفي من الوجود كدولة مستقلة. كان معنى هذا واضحاً جداً آنذاك. حصلت ألمانيا على الشيء الذي من أجله دخلت الحرب. حصلت على طريق مستقيم وكامل من برلين إلى القسطنطينية والشرق. هذا الطريق يشكل قسماً مهماً من سياسة “أوروبا الوسطى” البان جرمانية، وبهذا الشكل أصبحت البان جرمانية حقيقة عسكرية منجزة. كانت ألمانيا في الظاهر ترغب في تسليم المناطق الشمالية المحتلة في فرنسا وبلجيكا شرط سكوت وموافقة الحلفاء على فتوحاتها المذكورة. إن الاقتراح الذي قدمه فالكنهاين، لم يختلف عن اقتراح ألمانيا في أواخر عام 1914. إن نتائج اجتماع أنور فالكنهاين، كما روى لي لم تكن خطة ألمانية بحثت بعجالة، بل كانت موجودة منذ البداية.

لم أرَ في كل هذا أي بوادر خاصة للسلام المبكّر، مع ذلك فكّرت أن أضع هذه الحقائق أمام الرئيس. لذلك طلبت من واشنطن السماح بالتغيب الذي منح لي.

اجتمعت مع أنور وطلعت لتوديعهم في الثالث عشر من كانون الثاني. كان الرجلان في أشد حالات ابتهاجهما. كانا في الظاهر يقلّبان في عقليهما مثلي كل الأحداث الخطِرة والمهمة التي حصلت في تركيا، وفي العالم منذ أول مقابلة لي معهم قبل سنتين. في ذلك الوقت، كانا مغامرين متهورين، وصلا إلى السلطة العليا عن طريق القتل والتآمر والمكيدة. كان وضعهما غير آمن، لأنه في كل لحظة، يمكن أن تطمرهما ثورة مضادة في الغموض والإبهام الذي انطلقوا منه. لكن هما الآن طاغيا الامبراطورية العثمانية المطلقان والمستبدان، وحليفا أكبر قوة عسكرية في العالم آنذاك، والمنتصران على الأسطول الانكليزي، كما كانا يظنان على نحو سخيف. في لحظة نصرهما الكبير، وقبل أسبوعين فقط من جلاء الحلفاء عن مواقعهما في الدردنيل اعتبرا بلادهما قوة عظمى مرة ثانية.

“سمعت أنك ستذهب إلى الوطن لصرف مبالغ كبيرة لإعادة انتخاب رئيسك” قال طلعت. كان هذا تلميحاً مزدوجاً، لأنني كنت رئيس اللجنة المالية للجنة القومية الديمقراطية. “هذا تصرف أحمق. لماذا لا تبقى هنا، وتعطي ذلك المال لتركيا؟ نحن بحاجة إليه أكثر مما يحتاجه شعبكم، نأمل أن ترجع ثانية قريباً” أضاف بسلوك الشرقي المرائي المهذب. “أنت ونحن كبرنا مع بعضنا بعضاً، جئت تقريباً في الوقت نفسه الذي استلمنا فيه الحكم، ولا نتصور كيف يمكننا أن نتعرف على شخص آخر غيرك. فنحن مولعون بك أيضاً. كانت لنا اختلافاتنا في الرأي واختلافات مثيرة في بعض الأوقات، لكننا عرفناك عادلاً دائماً، وإننا نحترم السياسة الأمريكية في تركيا من خلالك. لا نرغب في رحيلك حتى لبضعة أشهر”.

عبّرت لهم عن سروري لهذه الإطراءات الحلوة: “جميل جداً أن تتكلما بهذا الشكل، لأنكما تطرياني كثيراً وأعلم أنكما راغبان في أن تقدما لي بعض الوعود. أنتما معي، فهذه هي فرصتي الأخيرة لأضعكما في الصورة”.

“بالنسبة للتبشيريات والكليات والمدارس الأمريكية” قال طلعت ووافقه على ذلك أنور” نعدك بشكل مطلق أنهم لن يُضايقوا، ولن يُمسوا بسوء أبداً، ويمكنهم أن يتابعوا أعمالهم كالسابق تماماً.

“ماذا تقول عن البريطانيين والفرنسيين؟” سألته.

“آه، حسناً” قال طلعت مبتسماً “يمكننا أن نلهو معهم في بعض الأحيان، ولكن لا تقلق سنهتم بهم جيداً”.

تكلمت الآن عن الموضوع الذي جثم بثقله على عقلي وصدري لأشهر عديدة وللمرة الأخيرة سألتهما: “ماذا تقولان عن الأرمن؟”.

اختفى لطف طلعت في لحظة وأصبحت ملامحه قاسية صلدة، ولمعت عيناه مرة أخرى بنار عيون الوحوش الكاسرة:

“ما نفع التكلم عنهم؟” قال وهو يلوّح بيده “انتهينا منهم وانتهى كل شيء”.

هكذا كان وداعي الأخير لطلعت “لقد انتهى كل شيء” كانت كلماته الأخيرة.

المصدر: كتاب شهادات غربية عن الإبادة الارمنية في الإمبراطورية العثمانية” إعداد ومراجعة ودراسة: البروفيسور-الدكتور آرشاك بولاديان، دمشق – 2016 ، وثائق تاريخية عن الإبادة الأرمنية في الإمبراطورية العثمانيةـ قــتــل أمــة، مذكرات، هِنري مورغنتاو، السفير الأمريكي في تركيا بين (1913-1916) عن المذابح الأرمنية في تركيا، ترجمة: الدكتور الكسندر كشيشيان، حلب – 1991، الفصل السابع.

Leave a Reply

Your email address will not be published.