حرصاً على ما تبقى من وطننا الحبيب…

 

اجتمع مجلس النواب منذ حوالي الأسبوعين وأقرّ قانون سلسلة الرتب والرواتب التي طال انتظارها حيث ابتدأ البحث فيها ودراستها منذ اكثر من ثلاث سنوات، تخلّلها الكثير من الأخذ والردّ والإعتراضات والإضرابات، الى ان جرى إقرارها وإحالتها الى فخامة رئيس الجمهورية بغية توقيعها وإلا ردّها الى المجلس النيابي بهدف إعادة درسها.

إلا ان تلك السلسلة ومنذ إقرارها وإقرار زيادات ضريبة عدّة معها، استتبعت باعتراضات شديدة من مختلف الجهات الإقتصادية ولكن ما هو أخطر منها موجة اعتراضات السلطة القضائية المحقة احتجاجاً على المس بحقوق القضاة حيث ألغى قانون السلسلة العطلة القضائية الخاصة بهم،  كما وألغى صندوق تعاضد القضاة الذي هو مصدر عيش وكرامة وعزة نفس القاضي من خلال دمجه مع صندوق واحد يعود لموظفي الدولة كافة، فضلاً عن ان الزيادة التي طرأت على رواتب موظفي الدولة من الدرجة الثانية والثالثة والتي هي محقة لهم، أصبحت تفوق رواتب القضاة المنتمين الى الدرجة الأولى، مع العلم أنني كنت قد أشرت بمعرض مقال منشور في العام 2014 بأن هذه السلسلة سوف تضرّ بالقضاء وتسيء اليه.

من هنا، لا بد من التأكيد على ان القضاء سلطة مستقلة بموجب المادة /20/ من نص الدستور اللبناني الذي  شدد على استقلالية السلطة القضائية وعلى مبدأ فصل السلطات باعتبارها إحدى السلطات الدستورية الثلاث، الى جانب السلطة التشريعية والسلطة الإجرائية، بحيث لا يُفترض التعامل مع القضاء على أساس انه من إحدى دوائر الدولة او مؤسساتها او مصالحها.

إن احترام استقلالية القضاة هو من احترام الدستور؛ فإذا أردوا احترام الدستور وتطبيقه كما يدعون ويحرصون الى تذكيرنا بذلك من حين الى الاخر يجب  تحصين استقلالية القضاء كما في اية دولة تحترم دستورها، وما انجز من قوانين بما خص القضاء ليس إلا تاكيد نوايا تقويض السلطة المنوطة بالمواطنين وحياتهم اليومية لاسباب لا  تخفى على احد.

ان السلطة القضائية يجب أن تكون مصانة ومحصنة من أي مسّ او تدخل في مصالحها، فهي رمز الدولة الحقيقية بكل ما لكلمة “دولة” من معنى، وهي اساس بناء الدولة القوية، العادلة والقادرة؛ الدولة التي يطمئن فيها المواطنون عند لجوئهم الى القضاء حرصاً على مصالحهم، على ان حقوقهم مصانة وبأيدي قضاة مستقلون ومحصّنون.

أما فيما يتعلق بموضوع الضرائب المفروضة لتغطية سلسلة الرتب والرواتب بموجب قانون ينتظر توقيع فخامة رئيس الجمهورية. ان العدالة الضرائبية التي تنبثق عن العدالة الإجتماعية تفترض المساواة بين المواطنين عند فرض الضرائب، بعيداً عن الإزدواجية الضرائبية، إذ إن الضرائب واقعياً لا تطال سوى من يقوم بأعمال شرعية ومطابقة للقوانين والأنظمة، في حين انه وفي الوقت ذاته لم نلمس من قبل من قام بزيادة الضرائب أي جدية في قمع الأعمال غير المشروعة من هدر وفساد وتهريب، والتي إن تمّ قمعها قد تؤمّن لوحدها الإيرادات الضرورية لتمويل السلسلة.

إن المستغرب في هذا الإطار هو موضوع  الضريبة على القيمة المضافة (TVA) التي لا تطال سوى الشركات والمؤسسات التي يبلغ مبيعها السنوي أكثر من مئة وخمسون مليون ليرة لبنانية، في حين ان ما تبقى من المؤسسات والشركات لا تخضع لضريبة الـTVA، وهنا التساؤل والإستغراب حول عدم شمول ضريبة الـTVA جميع الشركات والمؤسسات بدلا من اعتماد مبدأ الزيادة 1% عليها ؟

من هنا، لا بد من إعادة درس تلك الضرائب وقمع كل البضائع التي تدخل الى الأسواق اللبنانية دون أي رقيب او حسيب، وذلك حرصاً على ما تبقى من الصناعة في لبنان، تلك الصناعة التي تعاني مؤخراً صعوبات كثيرة، اذ نذكّر الجميع بما قاله جبران خليل جبران ” ويل لأمة تلبس مما لا تنسج، وتأكل مما ل اتزرع، وتشرب مما لا تعصر”.

إن محاربة الفساد والتهرب الضرائبي هي مدخل الى الإصلاح الإداري والمالي، من هنا نطرح التساؤل أيضاً حول كيفية إقرار السلسلة قبل إعادة درس هيكلية الوظائف العامة في جميع قطاعاتها، هيكلة تستند الى مكننة الإدارات العامة وتطويرها وزيادة انتاجيتها.

إننا نتمنى على فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، الذي به نثق ونتفاءل بمستقبل مشرق لوطننا، المبادرة الى إعادة قانون السلسلة والزيادات الضرائبية الى مجلس النواب بهدف إعطاء فرصة لتصحيح المغالطات العديدة الواردة فيه ولإجراء المعالجة التشريعية الضرورية، حرصاً على الإستقرار الإجتماعي والمالي والقضائي.

عضو مجلس بلدية بيروت

هاكوب ترزيان

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.