حكاية أرمن المهجر

أزتاك العربي- نشرت “العربي الجديد” مقلاً بعنوان “حكاية أرمن المهجر” بقلم رامي القليوبي، تحدث فيه عن موجات هجرة الأرمن من وطنهم على مدى المائة عام الماضية، التي أسفرت عن تكوين جالية أرمنية كبيرة حول العالم، يقدّر عددها بما بين سبعة وعشرة ملايين، وهو رقم يتجاوز بمقدار الضعف أو الثلاثة أضعاف عدد سكان أرمينيا، البالغ نحو ثلاثة ملايين نسمة.

ويوضح الخبير في مركز دراسات القوقاز وآسيا الوسطى في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أندريه أريشيف، أن جاليات أرمنية تكوّنت في روسيا والإمبراطورية العثمانية وإيران منذ القرون الوسطى، إذ تعود موجات الهجرة في القرن العشرين إلى اضطهاد الأرمن في الإمبراطورية العثمانية، وزلزال عام 1988، وتفكك الاتحاد السوفيتي.
ويقول أريشيف لـ “العربي الجديد”: “أسفرت الإبادة الجماعية بحق الأرمن في الإمبراطورية العثمانية في عام 1915، والتي اعترفت بها دول كثيرة، عن زيادة أعداد الجالية الأرمنية في سورية ولبنان ومصر. أما الزلزال المدمر الذي ضرب شمال غرب أرمينيا في عام 1988، فأدى إلى زيادة حركة الهجرة، إذ ظلت الأوضاع في المنطقة المنكوبة غير صالحة للعيش لفترة طويلة”.

ويعدّ زلزال 7 ديسمبر/ كانون الأول في عام 1988، الذي ضرب أرمينيا، أحد أقوى الزلازل في التاريخ، وبلغت قوته في مدينة “سبيتاك” عشر درجات على مقياس ريختر، ما أسفر عن تدمير المدينة بالكامل تقريباً، إضافة إلى دمار مدن أخرى و350 قرية (58 منها دُمرت بالكامل). وبلغ عدد قتلى الزلزال 25 ألفاً، إضافة إلى 140 ألف معوق، ناهيك عن تشريد أكثر من نصف مليون شخص.

ويعزو أريشيف أسباب هجرة الأرمن بعد تفكّك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 إلى تردي الأوضاع الاقتصادية والحرب في إقليم قره باغ المتنازع عليه بين أرمينيا وأذربيجان. ويقدر عدد المهاجرين من أرمينيا منذ استقلالها بـ 1.2 مليون شخص، استقر نحو 75 في المائة منهم في روسيا. ويختلف أرمن المهجر، بحسب اندماجهم في البلدان التي يعيشون فيها، بين أحفاد من هاجروا في القرن الـ 19، والذين يجيدون لغة وطنهم الجديد ويحملون جنسيته، وبين من سافروا مؤخراً للعمل أو الدراسة. وتقيم أكبر الجاليات الأرمنية في روسيا، إذ يقدر عددها بنحو 2.5 مليون شخص، تليها الولايات المتحدة (1.5 مليون شخص)، وفرنسا (400 ألف)، وفق تقديرات أريشيف.

ويشير الباحث الروسي إلى أنّ السلطات الأرمنية تهتم كثيراً بالتواصل مع أبناء الجالية “كونها مصدراً للاستثمارات والتحويل والترويج للاعتراف بالإبادة الجماعية بحق الأرمن، إضافة إلى الرؤية الأرمنية لنزاع قره باغ”.
وفي ظل عضويّة أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزستان، فإن مواطنيها يستفيدون كثيراً من تسهيلات في إجراءات الالتحاق بالعمل في روسيا من دون استخراج تراخيص عمل. ولما كانت حصة تحويلات المغتربين في روسيا في الناتج المحلي الإجمالي الأرمني تصل إلى 20 في المائة، فإن الاعتماد على موسكو يجعل أرمينيا عرضة للتأثر بأزمات الاقتصاد الروسي الناجمة عن تدني أسعار النفط والعقوبات الغربية المفروضة على روسيا بسبب الوضع في أوكرانيا.

وفي وقت زادت الجالية الأرمنية حول العالم، بدأت الجاليات في بلاد الشام وإيران في الانحسار منذ سبعينيات القرن الماضي. ويلخص أريشيف موجة الانحسار هذه قائلاً: “بدأ الأرمن يغادرون لبنان بسبب الحرب الأهلية في سبعينيات القرن الماضي، وإيران بعد الثورة الإسلامية. كذلك تراجع عدد الأرمن في المدن السورية، وفي مقدمتها حلب ودمشق منذ بدء الحرب في عام 2011″. وحول وجهات أرمن سورية الهاربين من الموت، يشير إلى أنهم إما يعودون إلى وطنهم التاريخي، أو يتوجهون إلى أوروبا كلاجئين سوريين”.

ومنذ بدء الحرب، عاد آلاف الأرمن من سورية إلى أرمينيا، حيث لا يُعاملون معاملة اللاجئين، بل يحصلون على الجنسية أو بطاقة الإقامة لمدة عشر سنوات، بموجب القانون الأرميني نظراً لأصولهم.

ووسط احتدام أعمال القتال، وجد أرمن سورية، الذين كان يقدر عددهم في ذلك الوقت بما بين 70 و100 ألف، أمام خيارات صعبة بين البقاء في سورية أو اللجوء أو العودة إلى أرمينيا. وازداد الطريق من سورية إلى أرمينيا صعوبة بعد إغلاق مطار حلب وتوقف رحلات الطيران إلى العاصمة الأرمينية يريفان، ليختاروا العودة عبر تركيا ثم جورجيا نظراً لإغلاق الحدود التركية الأرمينية، أو عبر مطار بيروت.

Leave a Reply

Your email address will not be published.