يوحنا الأرمني صاحب الأيقونات القبطية في القاهرة العثمانية

لدينا مادة كافية لإعادة صياغة سيرة ذاتية ليوحنا الأرمني والتي يمكن من خلالها تتبع شبكات علاقات متعددة في حياته.

الزائر للكنائس القديمة بالقاهرة سواء في حارة الروم، أو حارة زويلة، أو كنائس منطقة مصر القديمة، سيدهش بالكم الكبير للأيقونات الرائعة التي تزين حوائطها، وأحجبة الهياكل، وإذا تأمل ملياً الكتابات والتواريخ المسجلة على هذه الأيقونات سيدهش بالأكثر، كون أن معظم هذه الأيقونات يعود إلى القرن الثامن عشر الميلادي! ومن بين الأسماء المسجلة على هذه الأيقونات سيجد أن أكثرهم تكراراً على الإطلاق اسم “حنا الأرمني”!

حنا الأرمني” فنان عاش في مصر في القرن الثامن عشر (توفى 27 يوليو/تموز 1786)، ينتمى إلى جالية أرمنية استقرت في القاهرة منذ زمن بعيد (القرن العاشر الميلادي)، وأسهمت في نواح متعددة من الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أيضاً، وتفاعلت واندمجت مع المجتمع المصري (وبخاصة مع القبط) إلى درجة أن يتبوأ أحد أعضائها المكانة الأولى بين رسامي الأيقونات القبطية. فعلى الرغم من وجود عدد من رسامي الأيقونات في تلك الفترة، مصريين وأرمن وشوام وأروام، فإن حنا الأرمني هو أكثرهم شهرة، وأغزرهم إنتاجاً.

وهذا الكتاب “يوحنا الأرمني وأيقوناته القبطية.. فنان في القاهرة العثمانية” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب للباحث مجدي جرجس موضوعه حنا الأرمني، أو ظاهرة حنا الأرمني، وهو محاولة لتفسير ظاهرة الكم الكثيف من الأيقونات التي أنتجت في القرن الثامن عشر بشكل عام، ودراسة شخصية حنا الأرمني بشكل خاص.

يقول مجدي جرجس إن بروز اسم حنا (أو يوحنا) الأرمني، خلال تلك الفترة “القرن الثامن عشر”، سبب ارتباكاً كبيراً في التأريخ للفن القبطي والثقافة القبطية بوجه عام! فعلى الرغم من قلة الكتابات على نهج واحد، في محاولة لتفسير ظاهرة ازدهار إنتاج الأيقونات في القرن الثامن عشر، كان أحد المداخل الرئيسية لمحاولة تفسير هذه الظاهرة هو ربطها باسم حنا الأرمني، ذلك الوافد الأجبني الذي أتى من القدس فناناً مكتمل النضج والنمو – حسبما رأت هذه الكتابات – نقل تقاليد المدارس الفنية في سوريا وفلسطين، تلك المدارس التي نشأت وازدهرت تحت مؤثرات انفتاح هذه المنطقة على الغرب، وتفاعل مسيحيي الشام مع أقرانهم الغربيين.

أو أن حنا الأرمني، بوصفه أرمنيا، نقل الفن الأرمني إلى مصر، والذي بدوره، أي الفن الأرمني، تأثر بكل التطورات السياسية والاقتصادية التي شهدتها المجتمعات التي عاش فيها الأرمن في الغرب والشرق، وبالتالى ازدهر إنتاج الأيقونات في مصر تحت تأثير هذا الوافد الأجنبي الجديد.

هذا الطرح يتسق مع الإشكالية الرئيسية التي طالما ركز عليها كثير من المؤرخين، والتي تشير إلى تحرك المجتمعات الشرقية من سباتها على أثر الحملة الفرنسية، وبالتالي انفتاح هذه المجتمعات على الغرب! ولكن هذه الرؤية روجعت في إطار العديد من الدراسات حول الإمبراطورية العثمانية بشكل عام، وعن مصر بشكل خاص.

وهنا يشير المؤلف إلى أن هذه الكتابات تجنت على حنا الأرمني نفسه، وعلى جماعة كبيرة من الأرمن الذين استوطنوا مصر، وعاشوا على أرضها، وأسهموا بفاعلية في نواح متعددة من حضارتها، كما أن هذه الكتابات غفلت، أو تغافلت، عن ارتباط هذه الظاهرة بسياق أوسع شمل نواح متعددة في المجتمع المصري بدءاً من القرن السابع عشر الميلادي.

وعلى الرغم من أن الكتاب يركز بشكل أساسي على حنا الأرمني، ومحاولة كتابة سيرته الذاتية، فإنه لا يتغاضى عن دراسة الأطر الأوسع لتفسير أعمال هذا الفنان وسياق انتشارها في هذه الفترة، وبالتالي وضع سيرة هذا الفنان وأعماله في سياقها الطبيعى.

أولها: ذلك السياق العثماني الواسع الذي أفسح المجال لتعددية إثنية ودينية وثقافية، في ظاهرة تاريخية فريدة، وسمح للأفراد والجماعات المختلفة أن تتنقل وتتبادل العلاقات والمؤثرات المختلفة، وفي الوقت نفسه أعطى الفرصة للجماعات الإثنية والدينية المختلفة أن تحافظ على هويتها وتقاليدها الخاصة، أو تتفاعل وتندمج مع غيرها من الجماعات الأخرى بحرية كبيرة.

ثانيها: هو سياق المسيحية الشرقية، وكيفية التعاون والاندماج أو الاختلاف، بين الكنائس الأرثوذكسية غير الخلقدونية (القبطية – السريانية – الأرمنية – الحبشية)، ومدى فاعلية العوامل العقيدية أو القومية، وأثر ذلك على الفن بوجه خاص، وهو موضوع هذه الدراسة. وهذا الجانب كانت له آثار اجتماعية وثقافية مهمة، حيث كانت الناحية المذهبية عاملاً مهماً في سهولة التزاوج بين القبط والأرمن، حيث كان كلاهما من مذهب الطبيعة الواحدة “المونوفيزيين Monophysics؛ لذا لم يكن هناك عائق من التزاوج بنيهم، وتبادل الصلاة في الكنائس، وهذه الوحدة المذهبية تمثل جانباً مهماً من فهم رواج أعمال حنا الأرمني فى مصر؛ إذ كانت وحدة الاعتقاد سبباً كافياً لقبول القبط أن يرسم فنان “أرمني” موضوعاتهم الدينية المقدسة، والتي تجسد طبيعة اعتقادهم، خاصة وأن طريقة رسم السيد المسيح وأمه العذراء، وبعض القديسيين تختلف من مذهب إلى آخر.

ويؤكد مجدي جرجس أنه يمكن تفسير الاندماج والتزاوج بين القبط والأرمن من خلال إطارين: الإطار العثماني الذي سمح لجماعات عرقية مختلفة أن تتلاقى وتتبادل المؤثرات، ثم الإطار المذهبي، وحياة حنا الأرمني تعطي مثالاً جيداً على هذه المؤثرات، فشبكة علاقات أسرته في مصر، وزواجه مرتين من سيدتين قبطيتين، تبين مدى التداخل في العلاقات والعادات بين الأرمن والقبط، وفي الوقت نفسه تشير إلى استقرار أسرة حنا الأرمني في القاهرة منذ فتر ة بعيدة.

ثالثها: هو السياق المصري، وكيفية انعكاس التغييرات الإقليمية التي شهدتها الإمبراطورية العثمانية على الولايات، ومن بينها مصر، ومن ثم دراسة ظاهرة بروز فنان مثل حنا الأرمني، في إطار ظاهرة الإنتاج الكثيف لأعمال ثقافية كثيرة، كان من بينها رسم الأيقونات، وذلك بتتبع بداية هذه الظاهرة والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أتاحت لعملية إنتاج الأيقونات أن تتسع وتتعاظم، وأن يظهر عدد كبير من الفنانين نعرف بعضهم ونجهل معظمهم.

ويرى أن هناك جانبا آخر مهما في ظاهرة حنا الأرمني وأقرانه من رسامي الأيقونات، إلى أيدي فنانين محترفين من خارج المؤسسة الدينية، وأصبحت مهنة يتكسب منها البعض، وهي تعبير عن ظاهرة أكثر اتساعاً وضحت في المجتمع المصري عامة، وبين القبط خاصة، وهي ظاهرة المد “العلماني” المدني التي اجتاحت المجتمع المصري ومؤسساته الدينية، وظهرت بشكل واضح على مستوى الطائفية القبطية، وتحول قيادتها إلى أيدي الأراخنة، ورعايتهم للمؤسسات الدينية والأنشطة المصاحبة لها، في إطار نهضة حقيقية مست جوانب متعددة في حياة القبط فى القرن الثامن عشر، ومن ثم تحول جوانب أخرى عديدة إلى أفراد من خارج المؤسسة الدينية، ويعتبر نسخ المخطوطات الدينية ورسم الأيقونات والرسومات الجدارية للكنائس والأديرة إحدى تجليات هذه الظاهرة.

ويلفت مجدي جرجس أن المصادر، وأيضاً المناهج، كانت السبب الرئيسى في عدم دراسة حنا الأرمني، كظاهرة، حيث كان الاعتماد الرئيسى على الأيقونات نفسها كمصدر لدراسة حنا الأرمني، وبذل الباحثون جهوداً طيبة في هذا المجال، حيث المكتوب عن القبط فى العصر العثماني ما زال قليلاً وفي بدايته، في حين تكاد تنعدم الكتابات عن الأرمن في مصر في العصر العثماني! بالإضافة إلى أن معظم هذه الدراسات صدرت عن متخصصين في الفن أو في تاريخ الفن، وبالتالى كان جل اعتمادهم على المنتج الفني نفسه ودراسة خصائصه وأساليبه، دون الاعتماد على المصادر الوثائقية الغزيرة التي تغطي العصر العثماني، وبالتالي غابت أطر كثيرة عن تلك الدراسات.

ويضيف لا يمكن التعلل بندرة المصادر التي يمكن أن تفيد في مثل هذا النوع من الدراسات، بل المشكلة هي كثرتها وتنوعها؛ فالمصادر الوثائقية المتاحة عن مصر في العصر العثماني هي جد غزيرة ويصعب حصرها وبخاصة المصادر الأرشيفية.

وأهم هذه المصادر على الإطلاق، سجلات المحاكم الشرعية لمدينة القاهرة في العصر العثماني؛ فمئات السجلات التي أنتجتها هذه المحاكم (محفوظة بدار الوثائق القومية بالقاهرة) هي مصدر غزير ومتنوع يغطي معظم مناحي الحياة في تلك الفترة، وبين أوراقها عثرنا على عشرات الوثائق المتعلقة بحنا الأرمني وأسرته، وبجوانب معينة من حياة الأرمن في القرن الثامن عشر، وعلاقاتهم الاجتماعية، وكانت محكمة القسمة العربية هي أكثر المحاكم أهمية في هذا النوع من الدراسة، حيث إن هذه المحكمة كانت مخصصة بشكل رئيسي للنظر في تركات غير المسلمين، ومن ثم ترد فيها معلومات تفصيلية عن العلاقات الأسرية؛ حيث إنها الأساس في تقسيم التركات، وبين أوراق هذه المحكمة عثرنا على معلومات ثمينة عن حنا الأرمني وأسرته وشبكة علاقاته الاجتماعية، كما تمكنا من تكوين صورة معقولة عن مجمل الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأرمن في مصر، كذلك النزاعات والعقود – القضايا العامة وأمور الأوقاف، وبخاصة أمور الكشف على الكنائس وترميمها، ومن خلالها تمكنا من معرفة السياقة والظروف التي أنتج خلالها يوحنا الأرمني أعماله؛ حيث كانت مقارنة مفيدة جداً لتواريخ ترميم الكنائس وتعميرها، وتواريخ الأيقونات التي رسمها حنا الأرمني لهذه الكنائس. ومحكمة جامع الصالح طلائع بين رزيك هي الأقرب لسكن حنا الأرمني، ومكان عمله أيضاً، والقريبة أيضاً لمنطقة تجمع مسيحي؛ حيث تمكنا من العثور على تفاصيل عن حياة حنا الأرمني وشبكة علاقاته الاجتماعية.

كذلك مجموعة وثائق بطريركية القبط الأرثوذكس بالقاهرة، وبصفة خاصة الوثائق المتعلقة بترميم وتعمير الكنائس والأديرة، كان لها أهمية كبيرة لرصد حركة رسم الأيقونات وزيادة الطلب عليها، وتنظيم عمل الفنانين القائمين بها. ومقارنة تواريخ هذه العمليات بتواريخ الأيقونات التي رسمها يوحنا الأرمني لكنائس بعينها، ساعدتنا – بشكل كبير – في تفسير جوانب كثيرة في أعمال حنا الأرمني. المصدر الثالث المهم أيضاً هو مجموعات المخطوطات القبطية المحفوظة في أديرة وكنائس مصرية عديدة، والتي يعود كتابة أو نسخ أكثر من 70% منها إلى العصر العثماني، وتأتي أخيراً الأيقونات نفسها.

وبالجمع بين دراسة الأيقونات وهذه المواد الأرشيفية المتعلقة بحنا الأرمني، يمكننا الربط بين الناحية المرئية وأسلوب الرسم لفنان ما، وبين الظروف الاجتماعية والاقتصادية لعصره، ولا يمكن إتمام هذا النوع من الدراسة دون هذين النوعين من المصادر.

وعلى ذلك؛ فسيرة حنا الأرمني تعد مدخلاً مناسباً لمناقشة الأفكار المطروحة حول هذه الفترة، وتفسير معظم هذه الظواهر في أطرها المحلية والإقليمية.

والآن لدينا مادة كافية لإعادة صياغة سيرة ذاتية ليوحنا الأرمني، والتي يمكن من خلالها تتبع شبكات علاقات متعددة في حياته: علاقاته المهنية، علاقاته العائلية، علاقاته الطائفية، ومن ثم يمكن استخدام هذه السيرة الذاتية كأداة تاريخية تمكننا من وضع يوحنا الأرمني في سياق معين.

2011-05-25

محمد الحمامصي

ميدل ايست أونلاين

Leave a Reply

Your email address will not be published.