التراجع والسقوط.. قصة إمبراطوريتين

توني باربر

حينما تسقط الإمبراطوريات، غالبا ما يكون السبب هو الحروب، أو اندلاع القلاقل السياسية في أقصى المناطق النائية فيها. وهذه المناطق هي الأصعب في السيطرة عليها من الوسط، والأكثر احتمالا بأن تكون مسكونة بمواطنين لا يمكن حكمهم، وأقليات دينية. ففي منطقة شمال القوقاز في روسيا، وفي أرمينيا، وأذربيجان، وجورجيا، وشرق تركيا الأكثر كثافة بالسكان الأكراد، ما زال يتردد صدى عواقب زوال حكم التتار، والإمبراطورية العثمانية حتى يومنا هذا.

لنأخذ في الاعتبار التعليقات الاستفزازية حول تركيا التي أبداها سيرج ساركسيان، رئيس أرمينيا، وذلك في كانون الثاني (يناير)، حيث قال: ”إن أي بلد أغلق حدودنا بذرائع مختلفة، منذ أن حصلت أرمينيا على الاستقلال في عام 1991، ويحاول ابتزاز شعبي، ربما لا يطمح إلى القيادة الإقليمية”؟.

مثل نظيرتيها الإمبراطوريتين النمساوية – المجرية، والألمانية، انهارت الإمبراطوريتان الروسية والتركية قبل أن يصل عمرها إلى مائة عام، وسببتا إعادة رسم الخرائط، وترحيل السكان، وتأكيد الهويات الوطنية الناشئة، وإعلان إيديولوجيات حاكمة جديدة متطرفة.

تناول أكاديميان هما فرانسيس ويكسلو، أستاذ التاريخ في جامعة فاندربيلت، ومايكل رينولدز، الأستاذ المساعد في دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، هذه الأحداث من زوايا مختلفة، لكن أنتج كل منهما عملا تاريخيا من الدرجة الأولى.

يروي ويكسلو قصة الكونت سيرجي ويتي، رجل الدولة البارز في روسيا منذ عام 1892 وحتى عام 1906، وهو من نبلاء المقاطعات الذي ألهمته رؤى التحديث الاقتصادي والعظمة الإمبريالية. ويُذكر ويتي بسبب ثلاثة إنجازات: إنشاء سكة الحديد العابرة لسيبيريا، وجعل مصادر تمويل الدولة على أساس معاصر، وإدخال أو نظام من التمثيل الحكومي على المستوى الوطني في التاريخ الروسي.

في كتابه، ”قصص من روسيا الإمبريالية Tales of Imperial Russia ”، يصف ويكسلو الكونت ويتي بأنه وزير المالية الموهوب الذي جعل روسيا تعتمد معيار الذهب عام 1897، الأمر الذي وفر الاستقرار اللازم لاجتذاب رأس المال الأجنبي لتطوير صناعات الحديد، والصلب، والبترول، والمنسوجات في البلاد. ومع ذلك، فإن قرار ويتي لتسريع المشروع العابر لسيبيريا بإحداث طريق عبر منشوريا في الصين أدى إلى خلاف مع اليابان، القوة الناشئة في آسيا. وتحولت الحرب التي نتجت من ذلك خلال عامي 1904 – 1905 إلى إذلال لروسيا، وأحدثت ثورة محلية أنذرت بحدوث انفجارات عام 1917.

لا تقع مسؤولية هذه الكارثة على كاهل ويتي إلى حد كبير، وإنما على كاهل نيكولا II ، القيصر العنيد الذي أبقى هيكلا استبداديا للحكومة قديما للغاية، بحيث أن روسيا افتقرت حتى عام 1905 إلى وجود طاقم وزاري، ورئيس وزراء. وفي ذلك الوقت تحديدا قام ويتي بإقناع نيكولا بأن الإصلاحات كانت الوسيلة الوحيدة للمحافظة على السلالة الحاكمة والإمبراطورية. وكتب ويكسلو قائلا: ”لم يكن هناك أي تقاطع آخر في تاريخ الامبريالية كان فيه خيار الحرية المدنية، والصلاحيات البرلمانية، والإصلاحات الحكومية، وسيادة القانون، أكثر وضوحا على الإطلاق”.

أنهى نيكولا فجأة السيرة المهنية لويتي بإزاحته عن منصبه في نيسان (أبريل) 1906، بعد ستة شهور فقط كأول رئيس وزراء لروسيا من الطراز الحديث. وعلى الأرجح أن الطرد سببه الشعور العميق بالبغض المتبادل بين ويتي، وألكسندرا، زوجة القيصر. وعلق ويتي ببصيرة على الزوجين الملكيين: ”في النهاية، ستجلب الكثير من سوء الحظ لنفسها، وله، ولجميع روسيا”.

في كتاب ”الإمبراطوريات المنهارة Shattering Empires ”، يقدم رينولدز رواية واضحة بشكل مذهل، وأصلية إلى حد كبير، حول الأحداث المعقدة في الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية خلال العقد الذي توسط بين ثورة تركيا الفتاة عام 1908، ونهاية الحرب العالمية الأولى. ويبقي تركيزه على الأناضول الشرقية، وحدود الأراضي الجنوبية لروسيا، حيث كان هناك قبل عام 1914 تدفق ثابت من الثوريين، والإرهابيين، والجواسيس، والتجار، والطلبة، وأفراد العصابات، والمهربين، والهاربين من الجيش، والحجاج، والبدو، يتحرك إلى الخلف وإلى الأمام بين الإمبراطوريتين. وفي هذه المناطق، كان هناك مزيج قابل للانفجار من الأرمينيين، والآشوريين، والأتراك، والشركس، والقوقازيين، واليونانيين، والأكراد، والتتار، يعيش في المجتمعات المختلطة.

حينما كانت الإمبراطوريتان تخوضان حروبا، برهن الإغراء بالنسبة إلى صانعي السياسة في سانت بيترسبيرج، واسطنبول، بزعزعة استقرار العدو بإثارة الأقليات ضد بعضها البعض، على أنه لا يقاوم. وشعرت روسيا بالفرصة لتمزيق أوصال الإمبراطورية العثمانية بشكل نهائي، وأما العثمانيون، بعد أن خسروا أكثر من ثلث مناطقهم، وخمس عدد سكانهم في حروب ليبيا والبلقان من عام 1911 حتى عام 1913، فاستنتجوا أن الأمر اقتضى أسلوبا أكثر عدائية بكثير لإنقاذ دولتهم.

سببت الحرب توترات بين المجتمعات عند الأراضي الحدودية، لتصبح شديدة الغليان حينما ارتكبت القوات الروسية والعثمانية أعمالا وحشية ضد السكان المدنيين. وكان المثال الشهير الأكثر سوءا هو ترحيل الأرمن، والجرائم التي ارتكبت ضدهم عام 1915، وهي عملية يصفها رينولدز في أفضل فصل في كتابه، بأنها نوايا مقصودة تماما في السياق العسكري الحالي، والخلفية التاريخية الأوسع نطاقا.

في بعض المناطق، مثل مقاطعة ديار بكر، حسبما يكتب رينولدز، ”وصلت الوحشية إلى مستويات شيطانية”. ويقول رينولدز إن الدراسة الأهم للبيانات الإحصائية تشير إلى أن حدا أدنى بلغ 664 ألف أرمني قد قتل، أو نحو 45 في المائة من السكان الأرمن في الأناضول في فترة ما قبل الحرب، ولكنه يعدل ذلك بالقول إن بعض العلماء يقدرون أن عدد الوفيات وصل إلى حوالي مليون شخص. هذه الأرقام المرعبة، كما تجدر الإشارة، ليست عالية كما يدعي الأرمن المعاصرون بأنها وصلت إلى 1.5 مليون وفاة، وليست متدنية حسبما يقدر المسؤولون الأتراك بأنها 300 ألف وفاة.

في نهاية المطاف، انهارت الإمبراطوريتان في ظل عبء هائل من القتال في، وتمويل، حرب عالمية. ومع ذلك، لم تمض فترة طويلة قبل أن تعيد القوة الروسية، والتركية، تأكيد ذاتيهما على شكل الاتحاد السوفياتي تحت رئاسة لينين، وتركيا العلمانية تحت رئاسة أتاتورك. ومن جانبهم، فإن الأرمن – في غاية الضعف أمام السيطرة من جانب الجيران الأكبر حجما، والانتشار على مساحة واسعة للغاية من الأرض – لم يكن لديهم سوى الذكريات المؤلمة التي سترافقهم إلى المستقبل.

المنارة

Leave a Reply

Your email address will not be published.