جبل أرارات الأسير

كارو قيومجيان

على الرغم من انني كنت قد بدأت بجمع أفكاري للشروع بكتابة هذه المقالة قبل 31 أغسطس الماضي، تاريخ إعلان توقيع مسودة بداية العلاقات الدبلوماسية بين أرمينيا وتركيا، مع ذلك لا أظن أن المقالة سوف تعتبر وكأنها جاءت «بعد فوات الأوان» لأن الروح الدافعة للمقالة مازالت قائمة وستظل حتى بعد تطبيق مسودة الاتفاقية التي أعلنت أخيراً، إذا تم تطبيقها من دون تعديل. وأخشى من أنها ستكرس أكثر الوضع الشاذ القائم للأسف الشديد.

كانت حكومة أرمينيا قد قبلت اتفاقية كارس في سنة 1921 على مضض إذ رضخت للقوى العظمى في حينه، وهي في أضعف حالاتها السياسية والاقتصادية، وكانت في حالة بائسة يائسة مغلوبة على أمرها، فلم يؤخذ رأي الشعب الأرمني في ذلك الحين للأسباب المذكورة آنفاً، وكذلك بسبب تولي نظام الاتحاد السوفيتي كقوة مهيمنة في تلك الفترة بالتفاوض نيابة عن الأرمن مع أتاتورك (في ظروف مشابهة لاتفاقية  “سايكس بيكو” حيث تم تهميش الدول العربية عند رسم حدودها) مفرطة في حقوق الأرمن، مفضلة مغانم ومصالح أخرى في مواقع أخرى مختلفة من حدود الاتحاد السوفيتي مع تركيا والتي شملت من ضمن ما شملت أراضي شاسعة ومدناً بأكملها من أرمينيا الغربية التي تعتبر مهد الحضارة الأرمنية. كذلك شملت وبإجحاف بالغ جبل «ارارات» أو «ماسيس» (آغري بالتركي) المقدس بقمته المزدوجة. فهذا الجبل وسهوله كانا عبر التاريخ وبقيا لغاية اليوم ملهم جموع الشعب الأرمني بأطفاله وصبيانه وشبابه وكهوله وشعرائه وخطبائه وجميع فئاته. فهو مصدر الأفراح والأتراح والشجون والملاحم والأساطير وأرض بطولات شعب عظيم. فهذا الجبل لم ينقطع عن احتضاننا يوماً إلى صدره الحنون لغاية سلبه قبل تسعين عاماً.

لذا نحن الأرمن، من فرط عشقنا لهذا الصرح الحي مصدر حياة، مازلنا نتغنى به وكأنه ملك لم ينقطع يوماً عنا، وانه لم يحتل ولم يغتصب. فمن فرط تقديسنا له لم تشعر قلوبنا ولم تقبل عقولنا بأننا فقدناه. فمن كثرة سكرنا من مشاهدة منظره المهيب الحبيب يومياً من ذلك القرب غرب عاصمتنا يريفان، حلمنا بأننا، ان لم يكن هذا العام فحتماً العام المقبل، سوف نحتفل بمهرجانات «نافاسارت» الأولمبية التقليدية على ربوعه المعطاءة، وفي أرض مازالت طاهرة ولم تدنس ويا للحيف، ونحن في الظروف المأساوية التي فرضت علينا وأعيتنا وغيبتنا، توهمنا بأن السبيل إليه لم ينقطع.

نحن أصحاب هذه الأرض، التي ارتوت جذورنا من ينابيعها وارتوت أرضه العزيزة بعرق شعبنا ودماء أبطالنا، علينا أن نصحو من غفوتنا ولا نقبل أي اتفاقية أو وثيقة تضع جبلنا الحبيب ارارات خارج نطاق أنفاسنا، فننظر إليه بحسرة من خلف الأسلاك الشائكة عبر الحدود على بعد خطوات، ونحرم من تقبيل ترابه العزيز. وإننا لن نرتاح حتى استرجاع جبلنا الحبيب إلى حضن وطننا وشعبنا حيث ينتمي، وفك أسره وتحريره من نير الاحتلال والاغتصاب، واننا إلى ذلك الحين، وهذا بيت القصيد سوف ندعوه جبل «ارارات المحتل» أو جبل «ارارات المغتصب» أو لم لا؟ جبل «ارارات الأسير» أي صفة تحيي فينا روح النضال ورغبة الاسترداد كلما نظرنا إليه من بعيد بنفس مشاعر نظرة العرب إلى المسجد الأقصى الشريف، أو سمعنا بيت شعر ذا شجن عنه أو شاهدنا صورته على حائط بيت من بيوتنا. وخصوصاً كلما نظرنا باعتزاز إلى شعارنا ورمزنا الوطني، حيث يبرز بشموخ كل صباح.
نحن الأحرار، كبقية أحرار العالم، لا نقبل مذلة كهذه، ولا العالم المتحضر يقبل ظلماً كهذا، فمن الطبيعي والعدل أن تعود الحقوق التاريخية الأصيلة لشعب معزز مكرم لكي يعم السلام، ولكي لا يظل جرح القهر الدامي جيلاً بعد جيل في قلب أفراد شعبنا ينزف باستمرار، ويمنعهم من الشعور بالعزة والكرامة والكبرياء المصونة على كامل أراضي أجداده وتاريخه المجيد وحضارته الراقية وإرثه الثقافي الطيب التي بناها منذ فجر التاريخ، وأهمها استرداد جبل “ارارات المحتل”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.