ويكيليكس- الأتراك يحاولون تطهير الأرشيف من دلائل المجزرة الأرمنية

هل أخفى الأتراك وثائق تاريخيّة مهمة تتعلق بالمجزرة التي طاولت الأرمن بين العامين 1915و1916؟ وماذا يمنع الأتراك الجدد من الاعتراف بما فعله العثمانيون بمواطنيهم الأرمن من قتل وتنكيل وتهجير؟

في مذكّرة سرية تحمل الرقم 04ISTANBUL1074 صادرة عن القنصلية الأميركية في اسطنبول في 12 تموز 2004، جاءت قراءة البعثة الأميركية العاملة في تركيا لموضوع “المجزرة الأرمنية”، متضمّنة شهادات عدد من المؤرّخين والباحثين الأتراك والأجانب، من الذين هم على علاقة وثيقة بهذه المعضلة.

وورد أن معضلة “المجزرة الأرمنية” وما يطلق عليها الأتراك “المجزرة المزعومة”، تبقى العائق الأكبر في طريق المصالحة التركية–الأرمنية. وقد سبّبت الاتّهامات والتكذيبات والاتّهامات المضادة، المزيد من التعتيم على النقاش الأكاديمي الحقيقي، كما جمع الشتات الأرمني سجلّات من شهود عيان والقصص التي تفصّل الأحداث المأسوية بين العامين 1915 و1916 والتي أدّت، حسب رأيهم، إلى حدّ إبادة ما يزيد على مليون ونصف أرمني يعيشون داخل السلطنة العثمانية حينها. ومن جانبهم، يجادل العلماء الأتراك أنّ بضع مئات آلاف من الأرمن فقط لقوا حتفهم على أيدي اللصوص والأمراض والظروف القاسية. شارحين أنه، وردّا على التهديد الذي كان يشكّله المتمردون الأرمن، و”قتلهم الوحشي” للكثير من المسلمين الأتراك، تم ترحيل معظم السكّان الأرمن إلى سوريا ولبنان.

مسألة هوية

إضافة إلى آلاف السنين من التاريخ المسجّل والتراث الثقافي الغني وكنيسة نابضة بالحياة، تبقى بالنسبة إلى الأرمن الأحداث التي حصلت بين العامين 1915 و1916 عنصرا مهمّا جدا من هويتهم المعاصرة. وعلى رغم أن بعض الأرمن قد سعوا، وفي بعض الأوقات، إلى الانتقام من خلال العنف والإرهاب، فإنّ التركيز تحوّل إلى حملة سياسية دؤوبة من أجل الاعتراف بأحداث المجزرة.

إنّ المقاربة التركية للمسألة الأرمنية معقّدة، فمنذ إنشاء الجمهورية، أكّد كل من أتاتورك وورثة دولته أنّ الحفاظ على “الهوية التركية” هو أمر أساسي لنموّ الجمهوريّة وتطورها. وحتى اليوم، يعتقد كل من ممثلّي الدولة وكل الحكومات المتلاحقة أنّ الاعتراف بأي أخطاء بحقّ الأرمن، سيشكّك في مزاعم تركيا الحقوقية والحدودية، وسيضعف الموقف التركي تجاه المطالب الأرمنية في التعويض. كما أنّ عقودا من الإنكار الرسمي، وغياب الحقائق التاريخية والنقاش الأكاديمي داخل تركيا حول هذه المسألة المحرّمة، قد سلب الأتراك اليوم من السياق الموضوعي الذي من خلاله يمكن تأكيد عملية الإبادة الجماعية.

الأرشيف التركي

حاول كلا الطرفين، التركي والأرمني، استعمال الأرشيف العثماني من أجل دعم نظريتهما في شأن الأحداث. كما قام الأتراك بنشر عدد من الوثائق لدعم قضيتهم، بينما هاجم المؤرّخون الأرمن سياسة الحكومة التركية في إعاقة النفاذ الحرّ إلى الأرشيف، معتبرين أنّ هذه الطريقة تؤكد أنهم يخفون “الدليل القاطع” على تورّطهم في المجزرة. كما أن المؤرّخين الأرمن قد اشتكوا سنوات طوالا من عدم تمكّنهم من الحصول على تراخيص للدخول والبحث في الأرشيف العثماني. ومثالا على ذلك، تحدّث مدير مشروع الدراسات الأرمنية في جامعة ميشيغان كيفورك بارداكشيان إلى عدد من المسؤولين الأميركيين، مشيرا إلى أنه مُنع وبعض الباحثين الأرمن الآخرين من الوصول إلى وثائق الأرشيف في تركيا خلال فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، مضيفا أن مدير الأرشيف التركي في تلك الفترة، صرّح عن الحاجة إلى “حماية” الوثائق من سوء الاستعمال من قبل الأجانب العدائيين.

ويتوافق المؤرخون الأتراك والأجانب على أنّ الرئيس التركي السابق تورغوت أوزال حقق دفعة حقيقية في أوائل التسعينيات، في اتجاه فتح الأرشيف، وقد تم وضع الوثائق تحت رعاية رئاسة الوزراء، كما تم تسهيل الحصول على تراخيص البحوث إضافة إلى تسريع الجهود لتنظيم أكثر من 150 مليون وثيقة.

وتبقى هناك بعض القيود على الوصول إلى الوثائق، ويواصل المسؤولون الأتراك منع الباحثين من الاطلاع على أكثر من 70 مليون وثيقة غير مفهرسة، ويزعمون أن وثائق كثيرة متضرّرة جدا ما يحول دون استخدامها. كما يشكو بعض النقّاد أنّ الحكومة التركية تسعى إلى إعاقة كل الذين يجرون بحوثا في القضية الأرمنية. كما أبلغ مدير الأرشيف في رئاسة الحكومة التركية يوسف ساريناي إلى مسؤولين في السفارة الأميركية، قائلا: “على الباحثين أن يوجدوا قانونيا داخل تركيا من أجل الولوج إلى الأرشيف، وذلك يتطلب موافقة على التأشيرة من وزارة الخارجية، موضحا أن على رغم قدوم الكثير من الباحثين الأميركيين إلى الأرشيف، فإنّ أحدا لم يأت من أرمينيا، مرجّحا أسباب ذلك إلى غياب العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وأرمينيا وبسبب سياسة المعاملة بالمثل.
هل تم تطهير الأرشيف؟

ولعلّ الأهم من مسألة الوصول إلى الأرشيف، هو سؤال: هل الأرشيف كامل؟ وحسب المؤرخ والأستاذ الجامعي هليل بركتاي، كانت هناك محاولتان جديّتان من أجل “تطهير” الأرشيف من أي وثائق تجريمية في القضية الأرمنية. وتمّت أول محاولة في العام 1918 على الأرجح قبل احتلال الحلفاء مدينة اسطنبول. وأشار بركتاي وآخرون إلى شهادات واعترافات في المحاكمات العسكرية التركية في العام 1919 والتي تبيّن “سرقة” عدد من الوثائق المهمة من الأرشيف. ويعتقد بركتاي أنّ عملية تطهير ثانية تمّت، بالتزامن مع جهود أوزال لفتح الأرشيف، على أيدي مجموعة من الدبلوماسيين المتقاعدين والجنرالات، بقيادة السفير السابق محرم نوري بيرجي.

وأضاف بركتاي، أن في وقت كان بيرجي يمشّط الأرشيف، قابل صديقا مشتركا بانتظام، وفي مرحلة معيّنة اعترف بيرجي أمام الصديق قائلا: “لقد ذبحناهم فعلا”.
وفي السياق عينه، وفي حديث مع مسؤولين من القنصلية الأميركية في اسطنبول، قال مدير معهد البحوث الأميركي في تركيا طوني غرينوود أنه بينما كان يعمل في الأرشيف التركي، كان معلوما أن مجموعة من العسكريين المتقاعدين كانت تتمتّع بقدرة نفاذ مميّزة، وأمضت أشهرا من التفتيش في وثائق الأرشيف. كما أن مؤرخّا تركيّا من الذين درسوا المسألة الأرمنية، زعم أن هناك عملية جارية داخل الأرشيف من أجل تطهيره.

محاولة فهم التاريخ

إن السلوك التركي تجاه مسألة المجزرة، قد تطوّر مع الوقت. وقلّة من الناس تتمتع بالجرأة اللازمة للمساءلة، باستثناء بعض المفكّرين والأكاديميين العازمين على معرفة النسخة الرسمية للأحداث التاريخية. وتم الإشارة في المذكرة إلى أنّ المواطنين العاديين في وسط وشرق الأناضول غالبا ما يعترفون أمام البعثة الدبلوماسية الأميركية، بما فعله أجدادهم للأرمن. كما أن الكثير من الباحثين الأميركيين الذين يزورون تركيا، أشاروا إلى أنّ موضوع المجزرة لم يعد محرّما كما في السابق.

أضف إلى ذلك، أنّ المؤسسات التركية (الرابطة التركية التاريخية التابعة للحكومة، الأرشيف، مركز للدراسات الاستراتيجية الأوروبية الآسيوية) تواظب على محاربة تأكيدات الشتات الأرمني، عبر اتهّام الأرمن بأنهم نظمّوا ثورات ضخمة خلال الحرب وارتكبوا مجازر “بالجملة” بحق المسلمين الأتراك.

21 تموز 2011

صحافة لبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published.