أرمينيا وقضية الإبادة الجماعية

بقلم: عبدالكريم صالح المحسن

جمهورية أرمينيا هي بلد جبلي يقع في القوقاز من اوراسيا عند ملتقى غرب وشرق أوربا وهي دولة ديمقراطية تعددية ذات تاريخ ثقافي ضارب في التاريخ وهي أول مملكة تعتمد المسيحية ديناَ لها خلال السنوات الأربع الأولى من القرن الرابع.

وهي دولة عضو في اكثر من 40 منظمة دولية مثل الأمم المتحدة و”مجلس أوربا The Council of “Europeو”بنك التنمية الأسيويThe Asian Development Bank ” و”اتحاد الدول المستقلةCommonwealth of Independent State ” و”منظمة التجارة العالميةThe World Trade “Organization و”منظمة الجمارك العالميةWorld Customs Organization ” و”منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود”The Organization of The Black Sea Economic Cooperation و”الفرانكفونية “La Francophone كما أنها عضو في” التحالف العسكري لمنظمة معاهدة الأمن الجماعيCSTO Military Alliance “وتشارك ايضاَ في” برنامج شراكة الناتو من اجل السلامNato’s Partnership for Peace (PFP)Porogramme ” فقد انضمت قواتها عام 2004م للقوة الدولية بقيادة الناتو في كوسفو وهي عضو في” حركة عدم الانحيازNon-Aligned Movement” وتعد أرمينيا من الديمقراطيات الناشئة.
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى والمواجهة بين الامبراطوريتين العثمانية والروسية في القوقاز بدأت الحكومة العثمانية في الأستانة بالنظر بعين الريبة والشك وعدم الثقة الى الأرمن حيث شكلت فرقة من هؤلاء المتطوعين.

استطاعت روسيا خلال الحرب العالمية الأولى السيطرة على أرمينيا لكن سرعان ما فقدتها نتيجة الثورة البلشيفيةBolshevik Revolution عام 1917م حيث اتفقت كل من جورجيا وأذربيجان وأرمينيا الشرقية على تشكيل جمهورية القوقاز الاتحادية الديمقراطية استمر هذا الاتحاد بين شباط/فبراير –أيار/مايو من عام 1918م حيث قررت الأطراف الثلاثة حل هذا الاتحاد حيث أصبحت أرمينيا الشرقية دولة مستقلة تحت اسم جمهورية أرمينيا الديمقراطية يوم 28 أيار/مايو 1918م،وفي عام1920 م غزت القوات التركية القومية جمهورية أرمينيا الوليدة واندلعت الحرب التركية –الأرمينية حيث استولت القوات التركية تحت قيادة” كاظم قرة بكرKazim Karabekir “على الأراضي الارمنية التي ضمتها روسيا في أعقاب الحرب الروسية العثمانية عامي1877م-1878م انتهى الصراع في 2 كانون الأول/ديسمبر 1920 م اثر معاهدة” الكسندروبول”Alexandropol التي أجبرت أرمينيا على النزع القسري للسلاح والتنازل عن اكثر من 50% من أراضيها ماقبل الحرب والتخلي عن كامل أرمينيا العثمانية منحت لها من خلال معاهدة سيفر ثم مالبث ان اجتاح الفيلق الحادي عشر للجيش الروسي تحت قيادة “غريغوري اوردجونيكدزة “Grigoriy Ordzhonikidzeأرمينيا في كرفان سراي “ايجيفان Ijevan حالياَ” ودخلت قوات اوردجونيكيدزة بريفان وبذلك فقد انهارت الجمهورية الأرمينية ،ثم قامت روسيا البلشيفية بضم جورجيا وأذربيجان وأرمينيا الى الاتحاد السوفيتي كجزء من جمهورية ماوراء القوقاز السوفيتية الاشتراكية في 4أذار/ مارس 1922م وقد استبدلت معاهدة الكسندروبول بالمعاهدة التركية السوفيتية “كارس”Treaty of Kars
استمرت جمهورية ماوراء القوقاز السوفيتية الاشتراكية مابين العام 1922م و 1936م ثم انقسمت الى ثلاث كيانات منفصلة وهي “جمهورية أرمينيا السوفيتية الاشتراكيةArmenian SSR “و”جمهورية أذربيجان السوفيتية الاشتراكية “Azerbaijan SSRو”جمهورية جورجيا السوفيتية الاشتراكيةGeorgian SSR” ،لقد ساد أرمينيا استقرار وهدوء نسبي خلال فترة حكمها من قبل الاتحاد السوفيتي حيث حصلت على الدواء والغذاء والمساعدات الضرورية والمهمة من موسكو وبدى وكأن الأحوال قد تغيرت بشكل جيد وان الاتحاد السوفيتي كان العلاج لكل الجروح الأرمينية على العكس من الإمبراطورية العثمانية التي ساءت أحوال أرمينيا خلال توليها حكم أرمينيا لم يدم هذا الحال طويلاَ حتى تغيرت الأحوال بعد وفاة” فلاديمير لينيين”Vladimir Lenin وتولي مقاليد السلطة من قبل “جوزيف ستالينJoseph Stalin “حيث عاد الإرهاب والخوف المتجدد للأرمن حالهم حال بقية المجموعات العرقية الأخرى التي عاشت في الاتحاد السوفيتي خلال فترة التطهير الأعظم خلال فترة حكم ستالين حيث تم إعدام وترحيل عشرات الآلاف من الأرمن لقد كانوا في أمان من الخراب والدمار الذي ابتلت به معظم دول الاتحاد السوفيتي الغربية أثناء الحرب العالمية الثانية حيث لم يصل النازيون مطلقاَ الى جنوب القوقاز بالرغم من وجود خطط عندهم من اجل السيطرة على حقول النفط في أذربيجان وبالرغم من هذا فقد لعبت أرمينيا دوراَ فعالاَ في مساعدة الحلفاء من خلال الصناعة والزراعة وكذلك تعبئة حوالي نصف مليون من الأرمن حيث لقي 175000 حتفهم في الحرب في الوقت الذي يبلغ عدد سكان أرمينيا مليون ومائتان وخمسين ألف في ذلك الوقت.

في العام 1953م توفى ستالين وتولى من بعده “نيكيتا خورتشوف”Nikita Khruschev قيادة الاتحاد السوفيتي فقد زالت المخاوف والمخاطر التي طالما هددت أرمينيا خلال فترة حكم ستالين وبدأت الحياة في أرمينيا السوفيتية بالتحسن السريع.
خلال فترة حكم غورباتشوف للاتحاد السوفيتي في ثمانينات القرن العشرين وبظهور إصلاحات “البيريستريكا “Perestroika والتي تعني أعادة الهيكلة و”الغلاسنوست”Glasnost والتي تعني الانفتاح بدأ الأرمن بالمطالبة بتحسين الرعاية البيئية لبلدهم اثر التلوث الذي جاء مع المصانع السوفيتية حيث ان هناك مخاطر بيئية عليهم من تلك المصانع السوفيتية وفي ذات الوقت برزت توترات ايضاَ بين أذربيجان السوفيتية وإقليم الحكم الذاتي في “ناغورني كاراباخNagorno-Karabakh “وهي منطقة يسكنها أغلبية ارمنية حيث قام ستالين بفصلها عن أرمينيا في عام 1923م وكانت تلك الاضطرابات نتيجة مطالبة الأرمن في ناغورني كاراباخ بالوحدة مع أرمينيا السوفيتية حيث قوبلت الاحتجاجات السلمية في بريفان بدعم الأرمن في كاراباخ بأعمال عدائية ضد الأرمن في “مدينة سومغايت الأذربيجانية”.

في عام 1988م تعرضت أرمينيا الى زلزال مدمر والذي بلغت قوته 7.2 مما زاد المشاكل تعقيداَ قابلها عجز “غورباتشوف” في حل المشاكل في أرمينيا وبالخصوص “قرة باغ” أصيب الأرمن بخيبة أمل كبيرة دفعت الرغبة بالاستقلال الى واجهة الأحداث وفي مايو 1990م تأسس جيش أرمينيا المنفصل عن الجيش الروسي وباعتباره جيش جديد واندلعت اشتباكات بين “الجيش الجديدNew Armenian Army (NAA)” وقوى الأمن الداخلي السوفيتيةSoviet Internal Security Forces (MVD) ” المتمركزة في بريفان عندما قرر الأرمن الاحتفال بذكرى تأسيس جمهورية أرمينيا الديمقراطية عام 1918م أسفرت تلك الاشتباكات عن مقتل خمسة من الأرمن في تبادل لإطلاق النار مع قوى الأمن الداخلي السوفيتية في محطة للقطار ثم وقعت معارك بين المليشيات الارمنية والقوات السوفيتية في “سوفيتاشن” بالقرب من العاصمة وأسفرت عن مقتل اكثر من 26 من الأرمن اما اعمال العنف ضد الأرمن في باكو فقد اضطر معظم الأرمن البالغ عددهم مائتان ألف في العاصمة الأذربيجانية باكو الى الفرار الى أرمينيا في كانون الثاني/يناير 1990م.
في 17 آذار/مارس 1991م قاطعت أرمينيا ودول البلطيق وجورجيا ومولدوفيا استفتاء على مستوى الاتحاد السوفيتي صوت فيه 78% من مجموع الناخبين للإبقاء على الاتحاد السوفيتي مع أصلاحه ،وفي العام 1991م انهار الاتحاد السوفيتي واستعادت أرمينيا استقلالها في 23 آب/أغسطس 1991م وكانت أول جمهورية خارج البلطيق تعلن الانفصال ومع هذا فقد شهدت السنوات الأولى لمابعد الاتحاد السوفيتي صعوبات اقتصادية وكذلك تدرج المواجهات المسلحة بين الأرمن في “قرة باغ” وأذربيجان.

لقد تعرض الأرمن في عامي 1915م و 1917م الى” الإبادة الجماعيةArmenia Genocide ” على يد الأتراك راح ضحيتها اكثر من مليون ونصف قتيل.

في مقاله المشهور “قوات المحور تحكم أوربا المحتلة” المنشور في عام 1944م كتب “لمكن”حول موضوعي “الإبادة الجماعية” و”الإبادة العرقية” والذي قام فيه بتركيب المصطلح من أصول إغريقية ولاتينية مثلما فعل مع مصطلح الإبادة الجماعية، حيث يتألف المصطلح من الكلمة الإغريقية Ethnos والتي تعني “أمة” Nation والمقطع اللاتيني “” Cide والذي يعني “قتل” وقد قام “لمكن” بتقديم هذا المصطلح في هامش نفس الصفحة التي استخدم فيها مصطلح الإبادة الجماعية، حيث أكد أن أفعال النازي الإجرامية من الممكن أيضا وصفها بهذا المصطلح وعلى الرغم أن المصطلحين “الإبادة الجماعية” و “الإبادة العرقية” تم تقديمها معا في آن واحد خلال الأربعينيات من القرن العشرين لوصف الأفعال السادية للنازي ، إلا أن مصطلح الإبادة العرقية لم ينل نفس الحظ من الشهرة مثل مصطلح الإبادة الجماعية. وفي السنوات التالية لإعلان الأمم المتحدة مشروع القانون الدولي لتجريم الإبادة الجماعية واعتبارها جريمة دولية، بدأ الغالبية العظمة من علماء الاجتماع في استخدام المصطلح كأحد الفروع الثانوية لمصطلح الإبادة الجماعية والذي يقتصر فقط لوصف فعل إبادة جماعية بشرية لأسباب خاصة بالعرق فقط.
في 19 تشرين الأول/أكتوبر 1918م صرح احمد رضا الرئيس المنتخب في مجلس الشيوخ التركي والداعم السابق للقادة الشبان الأتراك الذين ارتكبوا تلك الإبادة الجماعية في خطابه الافتتاحي “فلنعترف بالمر نحن الأتراك قتلنا الأرمن في شكل وحشي” .
ان وزير الداخلية طلعت باشا رصد مجموعتين متشابهتين من الأوامر متأثرين بالأسلوب النازي قضت المجموعة الأولى بمساعدة المرحلين الأرمن من خلال تزويدهم بالخبز والزيتون والحماية بينما قضت التعليمات الأخرى في حث المسؤولين الأتراك على متابعة مهمتهم فور ابتعاد المرحلين بمافيه الكفاية من التجمعات السكانية كي لايشهد الكثيرون على الجريمة.

ووفق شهادة السناتور” رشيد عكيف باشا” في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1918م فقد جاء فيها :”كانت المهمة ان نهاجم الوفود ونذبح الناس ..يخجلني هذا الأمر كمسلم وكرجل دولة عثماني لوث سمعة الإمبراطورية العثمانية هؤلاء المجرمون.”
تستمر تركيا في الحديث عن برائتها في الوقت الذي يستمر علماء التاريخ الأرمن مثل “فاهاكن دادريان” في أيجاد الدلائل والقرائن الجديدة على تلك المذبحة المروعة لقد قتل بعض الضحايا الأرمن بالخناجر والسيوف والفؤوس توفيراَ لعتاد الأسلحة ونفذ العديد من عمليات الإغراق الجماعي في البحر الأسود ونهر الفرات اغلبها ضد النساء والأطفال وقد كان العدد هائلاَ بالشكل الذي ادى الى سد مجرى نهر الفرات وتغيير مساره لمسافة نصف ميل وقد اكتشف “دادريان” الذي يجيد اللغة التركية قراءة وكتابة ان الآلاف من الأرمن احرقوا أحياء في المتابن”أماكن تجميع التبن”واستند دادريان الذي قدم شهادته الخطية تحت القسم الى المحكمة العسكرية التركية الى تقرير أعده الجنرال محمد وهيب باشا قائد الجيش الثالث التركي الذي يقول بأنه عندما زار “قرية شوريع” الارمنية “وهي تعني بالعربية الشحيحة الماء”رأى ان المنازل رصفت بالهياكل العظمية المحروقة رصفاَ محكماَ وكتب الجنرال وهيب قائلاَ:”في تاريخ الاسلام كله من المستحيل الوقوع على مثل هذه الوحشية”.
في 12تشرين الأول /أكتوبر 2006م صدر قانون فرنسي يعاقب من ينكر الإبادة الجماعية الارمنية بالسجن لمدة سنة وبدفع غرامة قدرها 45000 يورو.

يقول الباحث الجامعي الأرمني آرا سركيس آشجيان: وتتفق مصادر عديدة على أن يهود تركيا ومحافلها الماسونية كانت عاملاً مساعداً كبيراً على ارتكاب حزب الاتحاد والترقي “غالبية أعضائه من يهود الدونمة”وهم جماعة من اليهود اظهروا الاسلام وأبطنوا اليهودية من اجل الكيد للمسلمين مؤسسها سباتاي زيفي اليهودي الاسباني الأصل والتركي المولد والنشأة ” والماسون المتنفذون في محفل سالونيكا الماسوني- والسلطات التركية لهذه المجازر”ولذلك ازداد الوضع تأزماً في عهد حكومة الاتحاد والترقي الماسونية، خاصة بعد دخولها في الحرب العالمية الأولى. ولكن الذي لا يعلمه الجيل الحالي في تركيا، انه في 24 نيسان/ابريل 1923م وبعد يوم واحد من تأسيس أول برلمان لتركيا الحديثة، أدان كمال أتاتورك إبادة الأرمن، واعتبره عملاً مخزياً ولو أنه أردفه بأنه عمل مخـزٍ من الماضي.

هكذا يبين المؤرخ التركي” أكجام”، أن” شكري كايا “وزير الداخلية، وخلال الأعوام 1927م- 1938م، كان يحتل دوراً مركزيا في قيادة عملية تهجير الأرمن.
مصطفى عبد الخالق، قائد منطقة حلب، والذي عمل بدون رحمة في إبادة الأرمن، كما قال القنصل الألماني” فالتر روسلا”، أصبح بالتتالي، وزيراً للمالية، فالتربية، ثم وزيراً للدفاع. “توفيق روشتو”، الذي أوصل الإبادة الى مستوى عالي، بقي من 1925 الى 1938 وزيراً للخارجية. هذه الأمثلة وغيرها، توضح لماذا كان ومازال العسكريون في مقدمة “حماة الكمالية” ولماذا كان مؤسسي ومدافعي تركيا الحديثة، يرفضون دائما دراسة وبحث وقائع الماضي القريب، ولكن كانت هناك أيضا،ً أوربا، تلك التي غضت الطرف عن ذكر المذبحة في العام 1923 م في” معاهدة لوزان” مع الحكومة التركية القومية الحديثة، ولم يتم ذكر أية كلمة عن الأرمن. حيث استحالت تركيا إلى جبهة أمامية ضد القوة المتنامية للاتحاد السوفيتي. بعد عقدين من الزمن، أرست الحرب الباردة تركيا، عضواً لا يستغنى عنه في حلف الناتو. هكذا غطت الدبلوماسية على” الإبادة الجماعية للأرمنArmenian Genocide وباللغة التركية Ermeni Soykirimi “.
في كتاب “الإبادة الجماعية ضد الشعب ألأرمني – قضية طلعت باشاDer V&O Uml.Lkermord An Den Armeniern Vor Gericht,Der Prozess Talaat Pascha” هما عنوانان لهذا الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى في برلين بألمانية عام 1921م، ثم صدرت الطبعة الثانية منه في برلين أيضا عام 1980م، وقد قامت بنشره “منظمة الدفاع عن الشعوب المهددة” الألمانية بمناسبة مرور “65” عاماً على ذكرى بداية الإبادة ضد الشعب ألأرمني في ليلة 24نيسان/ابريل 1915م، يتميز هذا الكتاب بعدم وجود مؤلف له. فهو عبارة عن محاضر جلسات وقائع المحاكمة التي جرت في الثاني والثالث من حزيران/يونيو عام 1921م في برلين. قام بتدوين هذه المحاضر كاتب المحكمة بكل تفاصيلها كما هو شأن كل محكمة في ألمانيا. وجهت هذه المحكمة إلى الطالب ألأرمني” سوغومون تهليريانSogomon Thleryan ” تهمة اغتيال “طلعت باشا” بتاريخ 15اذار/مارس1921م الوزير التركي السابق للشؤون الداخلية في حكومة جمعية “الإتحاد والترقي” أثناء الحرب العالمية الأولى.

أعترف المتهم “تهليريان” بإرتكاب القتل أمام المحكمة، وأيدت شهادات الشهود اعترافه وأكدت أقوالهم على رؤيتهم للمتهم وهو يطلق النار على الضحية في وضح النهار في أحد شوارع برلين، ويرديه قتيلاً. كما أثبتت مرافعة الإدعاء العام إقدام المتهم على قتل الضحية طلعت باشا. غير أن قرار هيئة المحلفين المشكلة من مختلف شرائح المجتمع الألماني أعلنت براءة المتهم، وأصدرت المحكمة الحكم بإطلاق سراحه. أثار هذا الحكم زوبعة إعلامية وسياسة واسعة النطاق داخل ألمانيا، وسبب ضجة كبيرة إمتدت إلى جميع دول أمريكا والشرق.

بعد خسارة الإمبراطورية العثمانية مع حليفتها ألمانيا القيصرية الحرب العالمية الأولى1914م-1918 م ودخول الجيوش البريطانية والفرنسية إلى اسطنبول أعفى” السلطان محمد السادس” حكومة لجنة”الإتحاد والترقي” في بداية تشرين الأول/أكتوبر 1918م التي كان على رأسها وزير الحربية” أنور باشا” ووزير الداخلية “طلعت باشا” ووزير الأساطيل البحرية “جمال باشا “استغلت الحكومة التركية الظروف الدولية أثناء الحرب العالمية الأولى، حيث كانت في حالة حرب مع فرنسا وبريطانيا القوتان الأساسيتان اللتان كانتا تمارسان الضغط على الإمبراطورية العثمانية فيما مضى بشأن معاملة الأرمن وبشأن ما كان يسمى” الإصلاحات الأرمينية” ضمن إطار الإمبراطورية العثمانية. والأمر ذاته ينطبق على روسيا حيث كانت تركيا في حالة حرب معها أيضاً. أما ألمانيا فقد كانت بحاجة لمساندة القوات التركية الحليفة في الوقوف إلى جانبها ضد أعدائها في الحرب، ولم يكن بوسع ألمانيا الضغط على الحكومة العثمانية لإيقاف عمليات الإبادة ضد الأرمن أو الطلب بـتخفيف حدتها ، رغم ارتفاع أصوات المعارضة الألمانية وحتى بعض الدبلوماسيين الألمان الذين كانوا يعملون في تركيا وشهدوا بأم أعينهم على المذابح ضد الأرمن، مطالبين الحكومة الألمانية بالتدخل. غير أن مصلحة الحكومة الألمانية القيصرية كانت تقتضي نقيض ذلك السلوك. فكانت تمد الحكومة العثمانية بالقروض المالية لتحديث جيوشها وتطوير أسلحتها، وترسل لها الخبراء العسكريين والأمنيين لتدريب مؤسساتها العسكرية وقواها الأمنية التي كانت تقوم بتنفيذ عمليات الإبادة ضد الأرمن. كما كانت الشركات الألمانية تنفذ المشاريع العملاقة في تركيا كبناء الجسور والطرقات ومد خطوط السكك الحديدية. والأهم من كل الدعم العسكري والمالي والاقتصادي الذي كانت الحكومة الألمانية تقدمه للحكومة التركية هو الدعم الإعلامي، حيث كان الإعلام الرسمي الألماني يروج للحملة الإعلامية التركية ضد الأرمن التي أطلقتها للتغطية على جرائمها بحقهم وتبرير الفظائع التي كانت تقوم بها ضد الأطفال والنساء والشيوخ الأرمن، والتي تسربت أخبارها وصورها إلى وسائل الإعلام الدولية. كانت الرقابة الألمانية تفرض التعتيم على أخبار المجازر، وتتيح الفرصة للدبلوماسيين والمسؤولين الأتراك لاستخدام المنابر الإعلامية الألمانية كي ينفوا هذه الأخبار ويطلقوا التصريحات المعبرة عن الخطاب الإعلامي الرسمي التركي. وهذا غير موقف المسؤولين الألمان القيصريين الذين كانوا يرددون نفس المزاعم والتلفيقات والتبريرات التي كانت تطلقها أبواق الحملة الدعائية التركية. تحت الضغط الذي تعرضت له دول الحلفاء فرنسا وإنكلترا من قبل الرأي العام الداخلي في بلادها والنقد اللاذع من الصحافة الدولية، بسبب عدم مساعدة الأرمن والتدخل لحمايتهم من المجازر الوحشية التي كانوا يتعرضون لها أثناء سنوات الحرب 1915م-1918م في تركيا، شكلوا بعد الحرب عندما دخلوا إلى تركيا محكمة حرب للتحقيق في مسؤولية هذه المجازر، وقد أصدرت هذه المحكمة عام1919م أحكام بالإعدام على عدد من قيادات حكومة لجنة “الإتحاد والترقي”، بينهم طلعت وأنور وجمال باشا، لم ينفذ سوى بواحد منهم لأن الآخرين كانوا قد هربوا من البلاد بعد الإطاحة بحكومتهم.

لقد تسببت خسارة الحرب العالمية الأولى بتطورات في المانيا مشابهه لما حدث في الدولة العثمانية فقد تمكن الجمهوريين الألمان اسقاط الامبراطور الالمانيه واقامة أول جمهورية ألمانية ولابد من القول انه لولا حدوث هذا التغيير الكبير لما كان ممكناَ ان تأخذ محكمة “سوغومون تهليريان” هذا المنحى فقد تحولت المحكمة الجنائية في برلين الى حلبة المواجهة بين أتباع “الفكر القيصري” الموالي للحكومة التركية الحليفة السابقة من جهة وأتباع الفكر الجمهوري”المحامي والمدافع عن الشعب الارمني ممثلاَ بالمتهم “سوغومون تهليريان” الذي قام بقتل طلعت باشا والذي اعترف بذلك.
أثبتت المحكمة وكشفت حجم وبشاعة الجريمة التي مارستها الحكومة التركية ضد الأطفال والنساء والشيوخ الأرمن والتي ظهرت تفاصيلها من خلال جلسات المحكمة حيث ان الشاب الارمني “سوغومون تهليريان” والمتهم بقتل “طلعت باشا” هو نفسه ضحية المجازر التي خطط لها وأعطى أوامرها طلعت باشا هو نفسه ضحية المجازر التي خطط لها وأعطى أوامرها طلعت باشا بالإضافة الى اصدرا والتهديدات بالعقاب لكل موظف يمتنع أو يتهاون بتنفيذ تلك الأوامر.

في كتابه “زمن المحارب” للكاتب” روبرت فيسكRobert Fisk ” حيث يقول :”غريب كيف يتداعى الجبابرة ،الرئيس جورج دبليو بوش ملك الحروب الصليبية الذي قد يشهر سيفه في وجه قوات الظلام والشر هو الذي قال :”اما نحن وأما هم”مدعياَ انه قد يشن صراعاَ ابدياَ على “الإرهاب في العالم”بالنيابة عنا في الواقع اتضح انه جبان قامت مجموعة من الشعب التركي وحملة علاقات عامة متنوعة بقيمة مليون دولار بالنيابة عن منكري المحرقة التركية بتحويل الأسد حملاَ وليس حملاَ حتى إذ ترمز طبيعة الحيوان هذا الى البراءة ،بل حولوه فأراَ منزلياَ مخلوقاَ صغير الحجم يمكن الخلط بينه وبين الجرذ من بعيد هل أبالغ لااظن ذلك.
جميعنا على علم بالقصة حتى تاريخه يمكن الرجوع الى الصور والتقارير الدبلوماسية والمستندات العثمانية الأصلية وواقع كامل للمحاكمة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى ،وينستون تشرشل ولويد جورج وتقرير كبير من مكتب الشؤون الخارجية عامي 1915م و1916م كإثبات على صحة هذه القصة الى حد أنهم ينتجون فيلماَ مشهداَ سينمائياَ مقتبساَ من الأرشيف الفعلي التقطه مصور عسكري غربي أثناء الحرب العالمية الأولى وذلك بهدف أظهار المحرقة الأولى في القرن العشرين التي يبدو أنها حقيقة كما لايزال يدعي الناجون الأرمن القلة المثيرون للشفقة ويذكر ان المحرقة الأولى هذه ارتكبت أمام المسؤولين الألمان الذين أتقنوا في مابعد هذا الأسلوب.”

ومما يثير الاستغراب الابتزاز الذي تمت ممارسته لابتزاز السلطات الغربية بما في ذلك الحكومات الغربية والولايات المتحدة الامريكية اليوم لتتملق لإنكارهم المخزي ويشمل هذا الإنكار الكذبة التي تتجسد في مقتل الأرمن أثناء الحرب الأهلية وبأنهم تعاونوا مع الروس أعداء تركيا وتم قتل القليل من أعداد الأرمن المزعومة فقد لقيت هذه الأكاذيب دعم الرئيس السابق بوش والكونغرس الأمريكي ،لفترة تكاد تكون ومضة اعتز بها بوش بنفسه بعد ان صوتت لجنة الشؤون الخارجية للبيت الأبيض لتدين المذبحة الرهيبة التي طالت الأرمن ولتصفها بأنها إبادة جماعية وقد احتشد الناجون الأرمن الأمريكيون القدماء في البيت الأبيض للاستماع الى هذا الجدال ولكن فور تهديد الجنرالات الأتراك المتشددين لبوش استسلم وانبطح ليقول : “نأسف جميعنا لمعاناة الشعب الارمني لكن هذا القرار ليس الحل المناسب لجرائم القتل التاريخية الهائلة فتنفيذ هذا القرار سيضر بعلاقاتنا مع حليف أساس في منظمة حلف شمالي الأطلسي – الناتو- وفي الحرب العالمية على الإرهاب”.
ويقول فيسك:ان من الذين يجب ان يخجلوا من أنفسهم هؤلاء الذين يدعون أنهم ينتصرون في حرب العراق ،من بينهم الجنرال دايفيد بترايوس المضلل في شكل متزايد القائد الأمريكي في العراق والسفير الأمريكي المخدوع الى حد كبير راين كروكر هذان الشخصان اللذان حذرا من ان الاعتراف بالإبادة الجماعية الارمنية “سيضر بجهود الحرب في العراق”وتأكدوا ان ثمة صفقة بأموال هائلة وراء إنكار المحرقة المقرفة هذه .
رجال الكونغرس في امريكا فهموا القصد وهو انه اذا استمروا في هذا القرار فستقوم تركيا بمنع ولوج امريكا الى القاعدة الامريكية الجوية “اينجيرليك”حيث تمر” 70% ” من الذخائر والاعتدة والتجهيزات الامريكية التي تجتاز تركيا متجهة الى العراق وهو ما اجبر بوش على التراجع عن القرار والاستسلام .

صرح وزير الدفاع الأمريكي” روبرت غيتس” ان “بترايوس” و”كروكر “يعتقدان في وضوح ان الولوج الى المطارات والطرق وما الى ذلك في تركيا سيتعرض للخطر في حال تنفيذ القرار”والحقيقة ان “في الطرق وما الى ذلك”قد مشى آلاف الأرمن في مسالك موتهم عام 1915م ودفع كثير منهم أمام سكة القطار لقتلهم ،احد خطوط السكك الحديدية التي وطئوها يؤدي الى شرق أضنة ،وهو نقطة تجمع كبيرة للمسيحيين الذين قتلوا في غرب أرمينيا ،والمحطة الأولى على الخط كانت اينجرليكIncirlik”” ،انجيرليك نفسها التي تضم اليوم القاعدة الجوية الضخمة التي يخاف بوش ان يخسرها”.

لانعتقد ان الضمير الإنساني اليوم قادر على ان يتجاوز الجرائم التي ارتكبت او ترتكب بحق الشعوب بغض النظر عن ديانتها او معتقداتها او عرقها او اي تمايز فالإنسان يستحق ان تحترم كرامته وتصان حياته وان من ارتكب الجرائم بحق الشعب الأرميني او اي شعب أخر عليه ومن ابسط المبادئ الإنسانية ان يعترف الجاني بمافعله بالمجني عليه .

2011-07-26

دنيا الوطن

Leave a Reply

Your email address will not be published.