“الكنائس الأرمنية في لبنان” تطور هندستها وعلاقتها بالطقوس الدينية

لا يختلف اثنان على الصلة الوثيقة التي تربط الانسان الأرمني بكنيسته وتؤكد تعلقه بالديانة المسيحية. من هنا، شكلت اماكن العبادة الارمنية بمختلف انواعها، من أديرة وكاتدرائيات وكنائس صغيرة وحتى المدافن، عنصراً اساسياً في الحضور الأرمني ووجوده في أي بلد أقاموا فيه. لذلك ترتدي هندسة العمارة في الكنيسة الارمنية اهمية خاصة كونها تشكل دليلاً على الثقافة الخاصة والطابع الانساني اللذين يميزان هذا الشعب، ويعكس تطور فنونها صورة عن تطور المجتمع الارمني وتفاعله واندماجه في المجتمعات التي شاءت الظروف والاقدار ان يعيش بينها وفي بلدانها.

أرمينيا هي أول دولة اعترفت بالمسيحية عام 301، وهناك انشئت الأماكن الأولى للعبادة المسيحية وكان لها تأثير مزدوج كونها أخذت من الشرق واعطت الى الغرب الكثير من الاشكال التي شكلت اساس الهندسة الرومانية والغوتية.

“الكنائس الارمنية في لبنان” كتاب جديد قد يكون الاول من نوعه الذي يحكي تاريخها منذ اعتراف ارمينيا بالمسيحية ديانة لدولتها منذ بداية القرن الرابع وحتى اليوم. وهو ثمرة بحوث طويلة عن نمو هندسة العمارة في اماكن العبادة هذه وتطور أسلوبها عبر التاريخ، اجراها الاختصاصي في الهندسة المعمارية وعلم الآثار رافي جرجيان على مدى اكثر من عشر سنين.
ويلفت جرجيان في لقاء مع “النهار” الى ان “الكنائس الارمنية في لبنان تتميز بالتنوع في الاشكال وبوحدة الطراز، انها تعبير فعلي عن غنى تعددية الحضارات، فهي تحمل كل العناصر التي تطبع الحضارات الشرقية والغربية”.

ويعتبر ان “الاشكال الهندسية لا تترجم بالناحية الانشائية فحسب بل لها معان ابعد ورمزية معينة وعلاقة قوية مع الطقس الديني. ومن أبرز خصائصها: القبة المثمّنة الاضلاع والمخروطية الشكل التي تعلو سطح الكنيسة، والنوافذ الضيقة والطويلة، وشكل الصليب الموجود في كل خريطة او تصميم. أما الداخل فبسيط، من دون ديكور ولا رسوم ولا زخارف”.

ويشير الى  التغيير الذي حصل في النوافذ والمواد المستعملة وفي اضافة القبة ثم الاجنحة الى كل خريطة ليتضمن التصميم شكل الصليب. ويتميز داخل الكنيسة بالتواضع والبساطة لان عند الارمن يوجد علاقة مباشرة بين المؤمن والخالق، كذلك  لا توجد اعمدة بل حيطان هي اساسات المبنى التي تحمل القبة، وعقود الحجر توجه النظر نحو قمة القبة التي ترمز الى الغطاء السماوي. اما المذبح فكبير جداً لأنه يضمّ في المناسبات والاحتفالات الكبيرة 12 مطراناً”.

أرمينيا ولبنان

يقسم الكتاب الى 4 أجزاء رئيسية:

-يحكي الاول عن نشوء فن العمارة الارمنية وتطوره.

-يعرض الثاني التفاصيل الهندسية وتقنيات البناء،  ويشرح العلاقة التي تربط بين هذه الهندسة  من جهة والطقوس الدينية الارمنية من جهة أخرى.

يعطي الثالث معلومات تاريخية عن مراحل وصول الارمن الى لبنان منذ ما قبل عام 1900 وانتشارهم فيه وانشاء اول اماكن عبادتهم مثل اديرة الكريم وبزمار وبيت خشباو ثم احياء مناطقهم في برج حمود والاشرفية وفي مختلف المناطق، ويفند العلاقات بين الكنائس الارمنية الثلاث  الارثوذكسية والكاثوليكية والانجيلية.

-خصص الرابع بين 2 و 4  صفحات لكل موقع ديراً كان أو كنيسة أو مزاراً أرمنياً، اضافة الى لمحة تاريخية ووصف هندسي وخريطة وصور قديمة وحديثة لاظهار التطور الذي طرأ عليه. اذ يغطي 52 كنيسة وديراً ارمنياً في لبنان و40 كنيسة في ارمينيا.

ويتضمن الكتاب كذلك خريطة لأرمينيا وأخرى للبنان تظهران اماكن وجود الكنائس الارمنية في كل منهما، وتوطئتين لكل من عميد كلية العلوم الدينية في الجامعة اليسوعية الاب سليم دكاش، والاختصاصي في علم التاريخ في جامعة باريس 1 – بانتيون- السوربون الدكتور كلود موتافيان.

يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع الكبير، ويتضمن اكثر من 700 صورة ملونة لكنائس في ارمينيا ولبنان جمعها المؤلف منذ عام 2002، والناشر هو معهد العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف في اطار برنامج “أطلس” الذي يتناول أماكن العبادة في لبنان عبر وسيلتين: الاولى اجراء جردة بها، والثانية وضع دراسات عنها، وهذا الكتاب ثمرة إحداها، وهو الأول من نوعه عن الكنائس الارمنية، وصدر في 24 نيسان الفائت في ذكرى المجازر الأرمنية التي صودفت هذه السنة مع الاحتفال بعيد القيامة، وكأنه تثبيت لقيامة الشعب الأرمني في لبنان.

مي عبود أبي عقل

النهار

Leave a Reply

Your email address will not be published.