تغطية الصحافة حول موقف تركيا من الأحداث في سوريا (آب 3)

نبدأ بمقال قوي النبرة تشر في الرأي السورية بعنوان (شكراً تركيا على كرم الضيافة :400 حالة اغتصاب في مخيمات اللاجئين 250 منهم حامل) حيث يتم الحديث عن جريدة ايدنليك (aydinlik) التركية التي كشفت في تقرير نشرته بتاريخ 9/8/2011 بعنوان “400 حالة اغتصاب و250 حاملا!”، عن حجم الانتهاكات التي ترتكب بحق النساء في المخيمات التي أقامتها السلطات التركية ضمن سيناريو مسبق لتهجير السوريين من المناطق الحدودية القريبة من تركيا والتي شهدت أعمال تخريب وترهيب من قبل عناصر مسلحة قتلت 120 عنصراً من الأمن السوري في جسر الشغور، والتي مثلت بجثثهم قبل أن تدفنهم في مقابر جماعية، وترمي بعضهم في نهر العاصي. وفي التفاصيل، يقول التقرير:

بعد أحداث الشغب المفتعلة في  سورية، نزح البعض إلى خيم تم نصبها في مدينة هتاي. لقد ظهر على بعض الفتيات آثار اعتداء جنسي. وقد تمكن مراسل جريدة “ايدنلك” من الحصول على المعلومات من ثلاثة مصادر مختلفة؛ للتأكد من صحة هذا الخبر قبل نشره، مع العلم أن الخبر قد وصل إلى مراسلنا قبل أكثر من شهر. وقد تم التحقق من صحة المعلومة، وأن اغتصاب النسوة قد حصل فعلاً في مخيم (بوينويوغون) في منطقة التن اوز.

لقد أبلغنا شخص تحفظ على ذكر اسمه لأسباب أمنية؛ أنه بعد إجراء فحوصات طبية على نساء وفتيات انقطعت عندهن الدورة الشهرية؛ تبين أن 250 منهن حاملاً؛ مما أثار بلبلة كبيرة داخل المخيم. كما وردتنا معلومات من مصادر أخرى؛ أنه قد تم استغلال بعض النساء المغتصبات لتشغيلهن كمومسات خارج المخيمات؛ لذلك رغبت أغلب العائلات بالعودة إلى وطنهم الأم. كما زودنا بمعلومات إضافية؛ فقد تم تأسيس هذا المخيم (بوينويوغون) على أراضي شخص اسمه عبدو اصلانار، وقد تم إجراء مناقصة في هذا المخيم؛ من أجل تنظيفه، حيث رست المناقصة على أحد الفروع الشبابية لأحد الأحزاب اليمينية. وقد تبين أن المدعو عبدو اصلانار هو مختار القرية أيضاً، يملك صلاحية الدخول والخروج من المخيم بكل حرية بالتنسيق مع الأمنيين والإداريين – رغم منع الدخول لأي شخص إلى المخيم – هذا المختار كان قوّاد النساء، وهو الذي كان يخرجهن، ثم يعيدهن إلى داخل المخيم. وقد حدث أن طلب من امرأة اسمها فردوس، وهي مهندسة حاسوب أن تخرج مع ابنتيها، وهما طالبتان جامعيتان؛ فوافقت على ذلك برفقة ابنتيها، حيث تم اصطحابهم إلى رجلين، وقضوا طوال النهار خارج المخيم، وفي اليوم التالي طلب المختار عبدو اصلانار من فردوس وابنتيها خروجهن إلى نفس الرجلين الذين تعرفن عليهما بالأمس؛ فرفضت فردوس ذلك؛ عندها شبّ خلاف داخل المخيم أدى إلى تدخل نساء أخريات قمن بضرب المختار عبدو؛ الأمر الذي أدى إلى تدخل الدرك التركي لإنقاذ المختار. وقد تم طرد فردوس وابنتيها من تركيا، كما تم إرسال بعض النساء المشاركات في ضرب المختار عبدو إلى مخيم آخر في ييلدا، ومن ثم تم طردهن إلى سورية. وقد تابع المختار عبدو اصلانار أعماله داخل المخيم بإدخال صهاريج المياه وإخراجها وكان من المفترض منعه من دخول المخيم. كما علمنا أنه قد تم مهاجمة المسؤولين الأمنيين داخل مخيم ييلدا من قبل أبناء المخيم وهم من أبناء العشائر؛ فقام نائب محافظ هتاي المسؤول عن المخيمات بتبليغ محافظ هتاي محمد جلال الدين لاكاسيز؛ فلم يهتم المحافظ بالموضوع؛ فقدم نائب المحافظ استقالته، وكذلك فعل مدير التعليم الشعبي في ناحية يرده؛ فتم إرساله في إجازة إجبارية إلى خارج المنطقة. جدير بالذكر أن أبناء العشائر المذكورين يتصرفون بالتنسيق مع المخابرات العامة التركية وهم يهيمنون على المخيم, ويمارسون الضغط على النازحين تحت علم المحافظ محمد جلال الدين وصمته.

وتضيف الصحيفة أن هذه الفضيحة سوف تتضخم وتكبر داخل المخيمات؛ لأن النسوة قد أكّدن: أنّ المعتدين عليهن موجودون داخل المخيمات، ويتحركون بحرية. وتقع مسؤولية هذه الفضيحة على نظام أردوغان. ورغم سكوت العائلات عن تلك الفضائح ستراً لشرف وأعراض النساء المسلمات فإن الوضع داخل المخيمات آخذ إلى الانفجار.

وتتساءل الصحيفة: “ما هو الموقف الرسمي التركي إزاء نتائج الفحوصات الطبية لأولئك النسوة؟ هل سيزداد عدد الحوامل وكم سيصبح عددهن؟ من سيتحمل مسؤولية هذا الوضع الاجتماعي المشين؟ ومن سيحاسب الذين هتكوا أعراض النساء المسلمات؟ هذه الأسئلة بانتظار الأجوبة، فيما يحاول البعض جاهداً لملمة هذه الفضيحة، ومنع تسربها إلى الخارج!”.

وكتب خليل حسين في الخليج بعنوان (تركيا وسوريا بين المُهل والتمهّل) أنه عند الإعداد لقوات التحالف الدولي لتحرير الكويت من غزو العراق، اعتبر الرئيس التركي آنذاك تورغوت أوزال أن ثمة وليمة كبرى في المنطقة، وبدلاً من أن تكون تركيا مجرد مدعو عليها، ينبغي أن تكون شريكة فيها . وبصرف النظر عن الموقع والدور في تلك الحفلة قبل عقدين من الزمن، وعلى الرغم من سياسة “صفر مشاكل” التي اعتمدت لاحقاً مع دول الجوار التركي، ومنها سوريا، ثمة الكثير من العوامل التي دفعت أنقرة للتطلع إلى أدوار إقليمية عظمى في المنطقة. ومع وصول الإسلاميين إلى السلطة في أنقرة، وبروز مظاهر مطمئنة للعرب، بعد اهتزاز علاقة تركيا الاستراتيجية ب”إسرائيل”، اتخذ الموقع التركي في فواعل الشرق الأوسط مناحي أكثر انفتاحاً تجاه سوريا،وتطورت العلاقات الاقتصادية والسياسية باتجاهات استراتيجية لافتة، وكأنها محاولة سورية لإقامة علاقات إقليمية متوازية مع الضلع الثالث في المنطقة المتمثل بإيران.

رافقت تلك العلاقات أيضاً طموحات تركية ساعدها في ذلك العديد من القضايا العربية تحديداً، من بينها الحراك القائم في غير بلد عربي ومنها سوريا . ونظراً لحساسية الجغرافيا السياسية للدولتين، رأت أنقرة أنه من غير الممكن أن تقف مكتوفة الأيدي تجاه ما يجري في سوريا، تحت مسميات متعددة ومتنوعة، وبصرف النظر عن المبررات التي وقفت وراءها في مقاربة الملف السوري، ثمة جملة معطيات إذا ما تطورت يمكن أن تؤدي بوضع العلاقات إلى مزيد من السلم البارد.

في المقابل، وإن بدت سوريا أكثر تفهماً للأوضاع التي تمر بها المنطقة وبالتحديد سياسات الضغوط الموجهة ضدها، إلا أنها عرفت مؤخراً كيف تدير سلسلة الأزمات الداخلية بأوراق خارجية . فبعد التصريحات التركية عالية السقف ذات الصلة بالأحداث الداخلية السورية، والكلام الذي سبق زيارة وزير الخارجية التركي داوود أوغلو إلى دمشق، من نوع “المهل” وما شابه في عملية التحفيز والتشجيع على السير في خطى الإصلاح، جوبه باستيعاب واحتواء سوري، على قاعدة “التمهل” لا التسرع، لاسيما أن سياسة دمشق الإصلاحية، بدأت بمسارات محددة، وإن كان من يعتبر نفسه معنياً بها خارجياً غير راضٍ عنها.
صحيح أن سوريا هي جزء من منظومة إقليمية غير معتدلة وفقاً لبعض التوصيفات المتداولة، إلا أن ما اتسمت بها سياسة دمشق في آليات إدارة الأزمات التي تتعرض لها عفواً أو قصداً، هي أقرب لسياسات التسويات منها إلى سياسات التصعيد وحفة الهاوية، بدليل أن ولاية الرئيس بشار الأسد منذ بداياتها وهي تتعرض لضغوط غربية هائلة، وتمكّنت دمشق بفضل تلك التسويات من بلع وهضم معظم المشاريع التي لا تتوافق مع التزاماتها الإقليمية الأخرى . وهذا ما يفسر صمودها حتى الآن بوجه أعاصير عاتية هبت على الشرق وكان من تداعياتها احتلال العراق وتموضع الولايات المتحدة في خاصرتها الشرقية.
إن مجمل تلك البيئات التي تكيّفت معها دمشق، ساعدت وشجعت أنقرة على الانخراط أكثر فأكثر في سياسات طموحة، لم تر منفذاً لها سوى القضايا السورية، قضايا الجار ذي التاريخ المتأزم منذ سلخ لواء الإسكندرونة . فلعبت دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين دمشق و”تل أبيب” في عامي 2006 و،2007 وبصرف النظر عن نتائجها المعروفة سلفا بالنسبة إلى أنقرة ودمشق، فقد أسست لبيئات أشد وأقوى، ساعدت تركيا على أن تكون فاعلاً حتى في النظام الإقليمي العربي أكثر من أي وقت مضى.
لقد صوّرت أنقرة نفسها، وهي قادرة كما يبدو حتى الآن، في موقع القادر على لعب أدوار رئيسة في ترتيب بعض ملفات المنطقة الحساسة، وإن كان مدخلها في ذلك المشاركة في إدارة ملفات الحراك الشعبي العربي في كل من ليبيا وسوريا ولبنان على سبيل المثال . وبصرف النظر عن هذه الواجهة السياسية، ثمة ملفات أكثر أهمية وحساسية يمكن لأنقرة أن تفكر في إعادة إحيائها مجدداً، ومنها ملفات الصراع العربي – “الإسرائيلي” وقضاياه لاسيما المفاوضات السورية – “الإسرائيلية” تحديداً، وما يستتبعها من تداعيات على منظومة التحالفات السورية الإيرانية في غير مكان عربي.

وكتب مصطفى زين في الحياة تحت عنوان (العثمانيون الجدد ذراع الأطلسي) أن تركيا لا تكتسب سمعتها من تاريخ السلطنة، على رغم نظريات وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو، ومحاولة تجديد العثمانية والعودة إلى الجذور وإلى المحيط، بعد هجرة وهمية إلى أوروبا. ولا تكتسب هذه السمعة من تاريخ جيشها الذي حكمها ورعى «علمانيتها وديموقراطيتها» إلى حين تولي حزب «العدالة» السلطة، ولا من قمع الأكراد ومنعهم من التكلم بلغتهم.

تكتسب تركيا سمعتها وقوتها من كونها ثاني قوة عسكرية في الحلف الأطلسي. أي هي الذراع الأوروبية – الأميركية في الشرق الأوسط، كي لا نقول إنها الشرطي المكلف حراسة المصالح الغربية، من دون أن تكون مقبولة في الاتحاد الأوروبي بسبب تاريخها الإسلامي القديم والجديد. ومعروف أن الولايات المتحدة كانت دائماً تمارس ضغوطاً على الاتحاد لمصلحة أنقرة، وكانت فرنسا وألمانيا أكثر المعارضين لدخولها الاتحاد.
شرطي الشرق الأوسط لم يكن أيضاً مقبولاً في الإقليم عندما كان العسكر يسيطرون على المقدرات السياسية، وينتهجون نهجاً معادياً للقضايا العربية وفي مقدمها القضية الفلسطينية. لا بل ذهبوا إلى عقد تحالف استراتيجي مع الدولة العبرية في مواجهة أي محاولة عربية للنهوض.

هذا التاريخ القريب لم يستطع محوه زعيم حزب «العدالة» الحاكم رجب طيب أردوغان. ولم تكن مواقفه من شمعون بيريس في منتدى دافوس، ولا موقفه من الحرب على غزة، سوى محاولة للتمايز عن الأوروبيين والأميركيين لإثبات دوره الإقليمي، من دون أن يعني ذلك الافتراق عن مصالح الطرفين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تؤثر مباشرة في وضعه الداخلي، مثل موقفه من الحرب على العراق.

انطلاقاً من هذا الموقف بدأ أردوغان، منذ اليوم الأول للأحداث في سورية، يتصرف على أساس أن «المسألة تركية داخلية». وراح يمارس سياسته على هذا الأساس. استضاف مؤتمرات للمعارضة، وتبنى مقولاتها. وساهم في تشكيل رأي عام عربي ودولي معاد للنظام السوري، مستغلاً مهجّري وادي الشغور إلى أراضيه المتاخمة للحدود السورية.
كان أردوغان ينسق كل خطواته مع الولايات المتحدة وأوروبا، معتقداً أن النظام السوري آيل إلى السقوط، ومراهناً على لعب دور في تشكيل آخر يخلف نظام الأسد، مقدماً نفسه نموذجاً للإسلاميين «الديموقراطيين» المقبولين في الغرب. وبعد تطور الأحداث ووصولها إلى ما وصلت إليه في سورية، أصبح معتمداً أميركياً لإيصال رسائل إلى الأسد مفادها «الإصلاح الآن أو الرحيل»، وهو يعرف تماماً أن هذا الشرط غير قابل للتطبيق. لا العنف سيتوقف لأنه تجاوز مرحلة المواجهة بين قوات الأمن والمتظاهرين السلميين إلى مواجهة بين مسلحين تسميهم دمشق «إرهابيين» والجيش. ولأن الإصلاح «الآن» غير ممكن لا في سورية ولا في أي دولة أخرى. والوعود التي قطعها الأسد والقوانين التي يسنّها لا تقبلها المعارضة ولا الدول الغربية التي اعتبرتها «استفزازية»، على ما قال وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه.

ليس صحيحاً أن داود أوغلو لم يحمل رسالة أميركية إلى الأسد. وليس صحيحاً أن الإنذار الذي وجهه إليه أردوغان «الإصلاح خلال 15 يوماً أو العواقب الوخيمة» كان إنذاراً من أنقرة وحدها. بل هو يلخص المواقف الأوروبية والأميركية، والعربية أيضاً، لكنه ببلاغة إسلامية تركية يفهمها الغرب والشرق. وتفضل الولايات المتحدة أن تأتي بإجماع «المجتمع الدولي بما فيه الدول العربية»، لأسباب كثيرة أهمها أنها لا تريد «التفرد» في اتخاذ القرارات، فقد تعلمت من تجربتها في العراق. وها هي تخوض الحرب في ليبيا بقوات أطلسية ومساندة بعض العرب من دون أن تتحمل اللوم وحدها لا في قتل المدنيين ولا في فشل الحرب بإطاحة القذافي ونشر الديموقراطية.

تهيئ تركيا نفسها لتقود التغيير في سورية وفي الشرق الأوسط، معتقدة بأنها مؤهلة لذلك، فهي مقبولة إسلامياً وغربياً، وعلاقاتها مع إسرائيل لا تشكل عائقاً أمامها بعدما «زال خطر الدولة العبرية»، فضلاً عن أن وضعها مثالي لمواجهة إيران ونفوذها.
تركيا عادت إلى المنطقة عبر البوابة السورية، وتطمح إلى تكريس زعامتها بتغيير نظام لا يتناسب مع «ديموقراطيتها الإسلامية» ولا مع دورها ذراعاً للأطلسي. أما مطالب السوريين المشروعة والملحة فلن يحققها لا أردوغان ولا الولايات المتحدة ولا أوروبا.

وجاء في عدد من المواقع الالكترونية بعنوان (بقايا عثمانيين .. أو مواطنين سوريين ..!!) بقلم زياد هواش، أنه بالرغم من كل ما رافق ولا يزال، أدبيات الفكر القومي العربي، من إشكاليات عميقة وحادة وقلقة، تتعلق بالقضية الكردية التاريخية، في الجغرافيا المشتركة , بين العرب والأكراد في سوريا والعراق.

تلك الجغرافيا التي تقبل الوجود المشترك للمكونين الحضاريين على قدم المساواة، وتحت سقف المواطنة الكاملة , وعلى أرضية صناعة المستقبل المشترك .

إلا أن الحراك الكردي في جغرافية الجمهورية العربية السورية، لا يزال يعمل تحت شعار المواطنة، وهو حراك سياسي سلمي، وان كان يعمل بالتنسيق مع بقية القوى المعارضة والفاعلة على الأرض، بلمسة أمريكية.

النظام العسكريتاري التركي العنيف، بوجهه الإسلامي السياسي العنصري قوميا، والحليف الأكبر لإسرائيل، على خلفية ( التكوين الماسوني المشترك ) لهذين الكيانين السرطانيين في المنطقة، المتحدين في الجوهر والمتكاملين في البنية، والدور والمصير , أو القاعدتين الاستعماريتين الأخطر للتحكم بحوض البحر الأبيض المتوسط الاستراتيجي.

هذا النظام التركي الشوفيني الدموي , والعاجز عن إعطاء الشعب الكردي التاريخي في جغرافيته الأبدية، الحد الأدنى من الحقوق الحضارية الإنسانية، تماما كعجز النظام الشوفيني الإسرائيلي الدموي، عن إعطاء الشعب الفلسطيني أي حقوق على الإطلاق في جغرافيته الطبيعية وبيئته المعلنة.

هذا النظام التركي , يعمل في الداخل السوري , من خلال (بقايا الشعب العثماني) الذي نسي حتى لغته العثمانية البائدة , ولم يتعلم التركية اللاتينية الحديثة إلا قرب الحدود الحالية , بسبب صلات القرابة مع (عرب تركيا)، وكان قد اندمج تماما في بيئته الطبيعية، مع بقية المكونات الحضارية للشعب السوري بأكثريته العربية .

وهذا النظام التركي , يحاول تحويل (بقايا الشعب العثماني) في سوريا العربية، إلى جالية ذات خصائص وسمات , لها حقوقها التاريخية، ويجب أن يكون لها حصتها في السلطة والنظام , وترتبط مباشرة بالنظام في أنقرة , يحميها ويضمن استمرارية امتيازاتها .

هناك (أكراد سوريون)، هذه حقيقة لا تقبل الجدل وكذلك يوجد (أرمن سوريون)، أو ضحايا العسكريتاريا التركية. هناك (بقايا الشعب العثماني) في سوريا العربية، وعلى امتداد جغرافية إمبراطوريتهم الضائعة، بفعل التحولات التاريخية والجغرافية الطبيعية .
ولكن في سوريا العربية، لا يوجد (مليون تركي أو مليونين) , ولا يوجد (أتراك سوريون) ولا يجود أيضا ( يونانيون سوريون).

إن محاولات السيد اردوغان ووزير خارجيته الخطير، كيسنجر تركيا الفتاة , القائدين معدومي الخيال فعلا، لصناعة (أتراك سوريون)، يشاركون في السلطة لـ (ضمان استمراريتها واستقرارها امنيا)، ليس فقط لن يؤتي أوكله , بل سيؤدي إلى عزل هؤلاء الـ ( الأتراك السوريون)، الذين سلحتهم ودربتهم ومولتهم وقدمت لهم الدعم اللوجستي , الاستخبارات التركية العاملة في لبنان , بغطاء تيار المستقبل.

وحولتهم إلى وقود وقادة للـ (عصابات الوهابية)، لخدمة مشروع استعماري أمريكي فاشل وعقيم ومتداعي، في بداية الأمر ونهايته .وسينتظرون في النهاية، الجيش التركي المتنمر , ليدخل لحمايتهم , ولن يصل أبدا .

اللعبة مكشوفة، وقذرة، والسيد اردوغان , صاحب الرقم القياسي (لأسرع خدعة في التاريخ الإنساني)، في كتاب “لانغلي” للأرقام القياسية الاستخباراتيه القذرة، وبقية المحفل التاريخي (محفل سالونيك). إذا كان هذا المحفل، تاريخيا قد نجح في عزل السلطان الشريف عبد الحميد الثاني، الذي رفض بيع القدس وفلسطين , نجح اليوم أخيرا، في بيع القدس وفلسطين .عظمة الشعب الكردي، شريك التاريخ والجغرافيا والحضارة والمستقبل، أن هويته القومية المتجذرة كالسنديان، تتقدم على هويته الدينية الصادقة والصحيحة .

ضحالة النظام العسكريتاري التركي البغيض , أنه لا يمتلك أية هوية على الإطلاق، (بقايا الانكشارية ) مرتزقة الحروب , ولذلك يمزق الهوية الدينية، بثمن بخس، (ثلاثين من فضة).

ونشرت الميدل ايست أونلاين عن مدير المركز اللبناني للأبحاث والإستشارات مقالاً بقلم حسان القطب تحت عنوان ( التغيير في سوريا حاجة تركية) حيث كتب أن ورقة التوت الفلسطينية سقطت عن عورة النظام السوري وممانعته، ما بقي هو حلف إيران في المنطقة وامتداده السوري العراقي اللبناني.

قصف المخيمات الفلسطينية في سوريا أفقد النظام السوري الورقة الأخيرة والوحيدة التي استعملها على امتداد سنوات، وأحرج حلفاء الأسد من الفلسطينيين وبالتحديد قوى الفصائل الفلسطينية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي، التي طالما تجاهلت معاناة الشعب السوري واللبناني والفلسطيني في كلٍ من لبنان وسوريا تحت عنوان أن فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية وان كل التضحيات تهون أمام الحفاظ على مشروع المقاومة وحفظ خط الممانعة الذي تقوده سوريا برعاية إيرانية ومواكبة من حزب الله في لبنان. وهذا الحزب هو الأخر محرج أمام جمهوره لتناقض العناوين والشعارات والادعاءات مع المشاهد والممارسات القمعية للنظام السوري بحق الشعب السوري والفلسطيني التي تنشر بشكل متواصل على كافة المواقع الإخبارية رغم محاولات حلفاء سوريا في لبنان من اللبنانيين والفلسطينيين الحثيثة للتخفيف من حدتها أو لإعطاء التبريرات والمبررات لضرورة ممارستها.. والشعب اللبناني والفلسطيني في مخيمات لبنان، كان قد خبر وعايش وعانى من هذه الممارسات حين كان الوجود العسكري السوري في لبنان يحظى برعاية أميركية وأوروبية وعربية تعطيه الغطاء الشرعي لوجوده وتتجاهل كافة ممارساته وجرائمه.

لقد عملت إيران على بسط نفوذها ووجودها في المنطقة وصولاً للبحر الأبيض المتوسط مستندةً لنتائج الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق والتي أسفرت عن تغيير النظام العراقي الذي كان يناصب إيران العداء وتم حينها استبداله بتجاهل أميركي مقصود بنظام مؤيد وموالي لإيران بل يمكن القول انه تابع لها بكل ما تعنيه الكلمة، فقد تم استنساخ النظام السياسي الطائفي اللبناني وإسقاطه على دولة العراق بشكل معكوس بحيث يعطي مؤيدي إيران من الطائفة الشيعية السلطة التنفيذية المتمثلة بموقع رئاسة الوزراء، مع صلاحيات واسعة، وتم إعطاء رئاسة الجمهورية للأكراد وهم أقلية ولكن مع تهميش موقع رئاسة الجمهورية ودور الرئيس، والطائفة السنية خصص لها موقع رئاسة المجلس النيابي الذي يفتقد كل صلاحية ودور فعلي وفاعل.. كما أنشأ حلفاء إيران في العراق وعلى غرار الحرس الثوري الإيراني وبإشرافه مجموعة ميليشيات (جيش المهدي، كتائب حزب الله العراق، عصائب أهل الحق) تحت عنوان حماية الكيان من عودة “فلول البعث وهجمات مجموعات القاعدة التكفيرية، ومحاربة الاحتلال” لتشكل هذه الميليشيات في حقيقة الأمر عصب السلطة وحماتها من أي تغيير ديمقراطي قد يحدث مستقبلاً، قد يحد من سلطة أو دور حلفاء إيران في دولة العراق، وهذا النموذج هو عينه المتبع في لبنان اليوم، حيث تلعب ميليشيا حزب الله الطائفية الدور عينه تحت شعار “المقاومة” وهي الآن قوة عسكرية ضخمة تفوق في قدراتها قوة الجيش اللبناني العسكرية، وما مارسته خلال الأيام الماضية من منع قوى الأمن من التحقيق في عدد من الإشكالات الأمنية والتفجيرات التي وقعت، يؤكد قدرتها على لعب دور توجيهي للسلطة السياسية الرسمية من خارج الإطار الرسمي للمؤسسات وتستند في حضورها إلى حماية شعبية مسلحة في مناطق انتشارها.

هذا المشهد هو عينه ما نراه اليوم في سوريا حيث يستند النظام السوري في عمليات قمع المتظاهرين إلى ميليشيا علوية يطلق عليها الشعب السوري لقب “الشبيحة” تجنباً لتعميق الخلاف والصراع الطائفي والمذهبي بين مكونات الشعب السوري وهذا صحيح أيضاً لأنه كما في لبنان حيث هناك شريحة واسعة من أبناء الطائفة الشيعية التي تعاني من ممارسات حزب الله وحركة أمل وترفض هيمنة هذا الفريق على حاضر ومستقبل الطائفة الشيعية في لبنان والزج بها في آتون صراعات تخدم مخططات خارجية والمشروع الفارسي في منطقة الشرق الأوسط، كذلك هناك في سوريا الكثير من وجهاء وعقلاء الطائفة العلوية التي ترفض أن تكون الطائفة في خدمة مشروع العائلة والحزب والسياسة الإيرانية في سوريا ومحيطها. وقد كشف موقف أحد المرجعيات الدينية الإيرانية موقفه ودوره عندما نشر ما يلي: “وفي السياق نفسه دخلت مدينة قم، الدينية الإيرانية، على خط الأزمة في سوريا، بإعلان أحد مراجعها الكبار، وهو آية الله العظمى ناصر مكارم شيرازي، أن دعم نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، في مواجهات الاحتجاجات المناوئة له هو «واجب ديني»”. فالصراع السياسي في سوريا والمواجهة البطولية التي يخوضها الشعب السوري بكل مكوناته ضد الطغمة الحاكمة، أعطيا بعداً دينياً خطيراً على لسان هذا المرجع الديني ومع الأسف فإن موقف حزب الله في لبنان يتناغم مع الموقف الإيراني في دفاعه العلني عن نظام الأسد في كافة التصريحات العلنية لقادته والممارسات التي تستهدف كل من يتظاهر في لبنان ضد ممارسات السلطة السورية ومع تسخير الإعلام التابع لهذا الفريق للدفاع عن نظام الأسد وتجهيل المواطن العربي بحقيقة ما يجري في سوريا.

إذا المشهد الممتد من إيران عبر العراق وسوريا ولبنان والذي يفيد بسيطرة إيران على دول وحكومات هذه المنطقة قد أصبح واقعاً ملموساً وضمان الهيمنة يتطلب إنشاء ميليشيات وحالات طائفية ومذهبية في المنطقة ترعى وتحمي هذه الحكومات والسلطات وتؤمن لها الديمومة والاستمرار والاستقرار، وهذا ما نشهده ونعيشه، وهذا ما يخشى نظام إيران من فقده نتيجة هذه الثورات والانتفاضات. لذلك نراه متورطاً في دعم نظام سوريا في قمعه للمتظاهرين لأن سقوط هذا النظام هو سقوط المشروع وانفراط عقد الحلقة التي تعزل تركيا عن العالم العربي وتقطع العالم العربي كذلك إلى نصفين، ونظرة بسيطة لامتداد دول هذا المحور نرى أن الرابط بين دول الشرق الأوسط العربية قد انقطع، وان تركيا قد أصبحت مطوقة من جهات ثلاث، إيران والعراق وسوريا، والعلاقة المميزة التي تربط إيران بدولة أرمينيا يزيد من أزمة عزلة تركيا، والعداء التاريخي بين تركيا ودولة اليونان، ومع التقارب بين إسرائيل واليونان الذي يتطور اليوم سوف يعمق من هموم تركيا مع محيطها.

لذلك فإن التغيير في سوريا ليس ضرورة وطنية سورية فحسب بل هو رغبة دولية وإقليمية وفوق كل هذا رغبة وطموح تركي أيضاً، فانتقال الدولة السورية من حال التبعية لدولة إيران، يفقد إيران عمقاً استراتيجياً هاماً ويضعف حلفاء إيران في المنطقة وتصبح سوريا بجمهورها وشعبها عمقاً استراتيجياً للبنان وتركيا والسعودية والأردن وفلسطين، ويعود الربط والارتباط المباشر بين دول وشعوب الشرق الأوسط العربية.. لذلك فقد قال وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، في مؤتمره الصحافي الأخير: “إن العمليات العسكرية ضد المدنيين في سوريا ينبغي أن تتوقف على الفور ودون شروط، محذرا الرئيس السوري بشار الأسد من أن هذه هي «الكلمات الأخيرة» لتركيا”.

إن من الضروري الأخذ بعين الاعتبار جدية هذا التحذير التركي. فقد سعت إيران وعلى امتداد عقود من سلطة المجموعة الدينية الحاكمة في طهران على تعميق الشعور الديني والمذهبي في المنطقة وإلقاء اللوم على سياسة الولايات المتحدة في المنطقة التي تؤدي إلى هذا الواقع المؤلم، ولكن الصحيح هو أن مصلحة الولايات المتحدة في إسقاط نظام طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق قد استثمرتها إيران بشكل يتناسب مع طموحاتها التوسعية مستندةً إلى فكرها وثقافتها الدينية التي تستند إليها في رسم سياساتها وتطوير علاقاتها مع محيطها وفي نسج تحالفاتها، ولهذا نرى أن النموذج الإيراني في السلطة هو المتبع الآن في هذه الدول الثلاث (العراق وسوريا ولبنان) بإشراف وتمويل ورعاية إيرانية تحت عناوين دينية، ومع ذلك فالاتهام بالطائفية والمذهبية توجه للآخرين.. وهذا ما لا تحتمله المنطقة وشعوبها بل وترفضه، وعلى رأسها تركيا التي تشهد تحولاً تاريخياً وملموساً نحو الديمقراطية واحترام الأقليات والتعددية.

تساءل مالك ابي نادر في النهار اللبنانية تحت عنوان (هل ينهي الفشل دور تركيا السياسي في الشرق الأوسط؟) أنه هل تؤتي الجهود التركية ثمارها في سوريا؟ ألا يعتبر النجاح السوري في الخروج من الأزمة الحالية فشلاً ذريعاً للادارة التركية، الامر الذي يضعف دورها السياسي في الشرق الأوسط

خلال اخر زيارة قام بها الرئيس السوري بشار الاسد الى ايران طُرح في اللقاء تشكيل محور استراتيجي يضم كل من ايران وسوريا وعراق ما بعد الاميركي وتركيا ولبنان. محور لو قدر له ان يتشكل لأسس لجبهةٍ اقليميةٍ كبيرة تستند الى تنوع طائفي يضم اطيافاً مذهبيةً لطالما راهنت على خلافاتها الدول العظمى للتدخل في شؤونها الداخلية ووضع اليد على مقدراتها الجيوسياسية، وقوة اقتصادية تتمثل باكبر احتياط نفطي في العالم وميزة جغرافية فريدة تتوسط اكبر تجمعات اقتصادية ضخمة من الصين والهند وغربي آسيا الى شواطىء المتوسط وبوابة منطقة الأورو التي تتمتع بمميزات صناعية واستهلاكية تعتمد بشكل اساسيٍ على الذهب الاسود ومشتقاته.

تلقفت تركيا العرض برضى مشوب بحذرٍ وخشيةٍ. فالرضى اسبابه اثنان: الاول عودتها الى الخريطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشرق الاسلامي الذي طردت منه، بعد اربعمئة سنة من حكم العثمانيين، كانوا خلالها في صف الكبار الكبار، الذين شاركوا في صنع الاحداث الدولية التي مهدت للحروب العالمية ولانشاء عصبة الامم ومجلس الامن، ونهاية الحقبة الاستعمارية وتكوّن حقبة القطبين.

والثاني دخولها “شريكاً مضارباً” في تكتل اقتصادي يطفو على اكبر بحيرة ٍ نفطيةٍ في العالم، لا تساهم في مقدراته الا بوجودها المعنوي من خلال علاقاتها المميزة مع كل مكوناته. فعلاقاتها مع ايران الشيعية حافظت على تميزها بالرغم من الخلاف السني- الشيعي الذي يطبع علاقات ايران بدول الخليج العربي، لابل شاركت بمساعٍ دوليةٍ للتوسط بين الغرب وايران في الملف النووي. وعلاقاتها مع سوريا التي مرت بشهر عسلٍ طويل زادت حلاوته الصداقة الشخصية والزيارات العائلية التي ربطت بين اردوغان والاسد بالاضافة الى تغييب بند خليج الاسكندرون من ملف العلاقة بينهما.

اما في الشأن العراقي فقد آثرت تركيا الابتعاد عن التدخل المباشر في مجريات الازمة والصراع بين الاطراف العراقية باستثناء حساسية ظاهرة في ما يخص الملفين الكردي والتركماني عمل كل من العراقي والتركي على استبعاد البحث فيهما وابقاء الوضع على ما هو عليه. يبقى اخيراً لبنان حيث تحتفظ بعلاقات وثيقة معه منذ فترة طويلة تُرجمت أخيراً بمشاركتها الرمزية بقوات “اليونيفيل” وباتفاقية الغت التأشيرات بين البلدين بالاضافة الى ما يحكى عن شراكة تجارية تربط بين الحريري واردوغان موضوعها احدى اكبر شركات الخليوي في تركيا.

اما الخشية والحذر فمردهما الى الحجم الذي تشكله تركيا في هذا المحور، فمقدراتها الذاتية تعطيها حجماً لا يتعدى الثلث في هذا التحالف ديموغرافياً وجغرافياً ولكنه لا يتخطى الخمس اقتصادياً، بالاضافة الى موقعها المحايد والذي لا يؤمن لها حق نقض قراراته، لان ما هو مطلوب من انشاء هذا المحور يكتمل بانخراطها او ببقائها خارجه، فالتواصل بين غرب آسيا والخليج العربي والبحر المتوسط لا يقطعه ابتعاد تركيا عن تكوينه وكل ما تستطيع تقديمه هو مخزونها المائي الهائل، الذي لا تستطيع ابتلاعه او الامتناع عن ضخه في مجريي دجلة والفرات لسببين: الاول جغرافي تفرضه الطبيعة والثاني سياسي. فمواجهة تحالف مشكّل من ايران والعراق ولبنان وسوريا يحسب له حساب معاكس لما درجت ان تمارسه في مواجهة كل من سوريا والعراق عندما كانت تطرح اية اشكالية في الملف المائي. ما يدل ان عضوية تركيا في هذا المحور قد تكون لزوم ما لا يلزم.
اضف الى ذلك ان انخراطها في تحالف يضم دولاً كانت في “محور الشر”، كما روج له الاميركيون في تسعينات القرن الماضي، ساعد على تبخرٍ نهائيٍ لاحلامها في ان تُقبل في نادي الأورو بعد ان ساهمت الردة الاسلامية فيها منذ عقد حتى الان في تراجع حظوظها بذلك.

لم توفر هذه الوقائع والمعطيات للإدارة التركية خيارات كثيرة فالمحور الاستراتيجي وُضع على نار حامية ولم يعد ينقصه سوى الانسحاب الاميركي، القسري، من العراق. فالمستنقع العراقي الدموي الذي يلاحق جنودها وشبح الازمة المالية لم يوفر للادارة الاميركية ايضاً خيارات عدة، ونتائج التطورات السياسية فيه اثبتت انه لا يمكن تجاهل الدور الايراني المتعاظم الذي توفره لها الاكثرية الشيعية العراقية وسيطرتها على مناطق غنية بالنفط، بالاضافة الى تناغم سياسي وامني سوري – ايراني سيستتبع بتواصل اقتصادي توفره الانابيب التي سيوقع اعضاء الحلف على مدها لتُوصل الى شواطىء المتوسط النفط والغاز باسعارٍ منافسةٍ.

فبعد الرضى السوري على اطاحة الحريري وفشل الوساطة التركية – القطرية في اعادة وصل الخطوط الواهنة بينه وبين “حزب الله”، ايقنت القيادة التركية بأن موقعها وموقفها حيال المحور الاستراتيجي اصيبا بنكسة جديةٍ تمثلت بأمرين، الاول التزام سوريا بتبني المقاربة الايرانية واعتبارها مصلحةً عليا لها على الرغم من العلاقات الاخوية المميزة التي تربط بينها وبين القيادة السورية. والثاني الاخلال بالتسوية الاقليمية في لبنان التي بنيت على توازنٍ مذهبي، ما اطاح سعد الحريري وما يمثل على الساحة اللبنانية من نفوذ خليجي سني يدعم وضعها غير المتكافىء مع ايران على الصعيد الاقليمي لمصلحة النفوذ الايراني المتعاظم في هذه المنطقة. وهنا حمّلت القيادة في تركيا المسؤولية المباشرة لسوريا في اسقاط هذه المعادلة، الامر الذي عزز إعتقادها برغبةٍ سوريةٍ في اضعافها واستهداف دورها في العالم العربي والاسلامي الذي ضحت من اجله بعلاقاتها المميزة مع اسرائيل وبتبدد احلامها الاوروبية بشكل يكاد ان يكون نهائياً.

امام هذه الوقائع ومنعاً لدول المحور الاستراتيجي من فرض امرٍ واقعٍ اقليمي يقضي على احلام القيادة التركية في ان تشارك بوضع الأجندات الجيوسياسية والاقتصادية للمنطقة، لجأت الاخيرة الى العمل على تخريب المعادلة القائمة في سوريا منذ اكثر من اربعين عاماً من خلال استثمار موجة “الربيع العربي” لاسقاط التوازن السياسي والمذهبي السوري لمصلحة تركيبة “اسلامية معتدلة” قوامها الشركة المرحلية بين اليسار السوري الداعي للاصلاح السياسي والاخوان المسلمين الذين شكلوا الصورة المعتدلة للسلفية السنية في مواجهة السلفية الجهادية التي ظهّرتها “القاعدة” في السنوات العشرين الاخيرة والتي يعتقد بانها انكفأت تنظيمياً وتمويلياً وأخيراً بعد مقتل زعيمها.

معطيات كثيرة ساعدت الاتراك في مخططهم لضرب الاستقرار في سوريا اهمها: عدم رضى اميركي وخليجي واسرائيلي عن موقفها من ملفات اقليمية كفلسطين ولبنان والعراق. خشية دولية من تكتل اقتصادي سياسي، قد يملك قوة نووية، يمكن ان يفرض اجندة خاصة به في كل ما يتعلق بملفات الشرق الاوسط وحتى آسيا. فلجأوا الى التوتير الداخلي السوري من باب اللعب على الوتر المذهبي والاحادية السياسية الممسوكة امنياً، مقدمين الدعم العلني للتحركات الشعبية المطالبة بالديموقراطية، والسري للمجموعات المسلحة التي تهاجم القوى الامنية والمقار الحكومية على خلفيات مذهبية، من جهة ، ومن جهة اخرى مقدمين النصائح للقيادة السورية لتحذو حذو الديموقراطية التركية متناسين دفاعهم التاريخي عن الابادة الارمنية والسريانية، والتفرقة العنصرية التي يعاملون بها الاكراد وباقي الاقليات التي تعيش في الاقاليم التركية.
ولكن هل ستؤتي الجهود التركية ثمارها في سوريا؟

وما هو مصير الدور التركي في الشرق الاوسط في حال فشل هذه الجهود؟
كثير من التحليلات والتقارير والوقائع تفيد بأن الحراك الداخلي السوري يتنازعه تياران الاول اصلاحي ديموقراطي يسعى لانتزاع اصلاحات جذرية في بنية الحياة السياسية السورية وهو ما تسعى القيادة السورية الى مسايرته واستيعابه باطلاق سلسلة من التعديلات القانونية والدستورية بشكل “لا يموت معه الذئب ولا يَفنى الغنم” مقدمةً بذلك لحلفائها الدوليين اوراقاً يضعونها على الطاولة في المحافل الدولية معارضين اي تدخل دولي.

والثاني مسلح يعتمد الخطاب المذهبي والتكفيري، واسلوب السلفيين الجهاديين في الذبح والقتل والتمثيل بالجثث لبث الرعب وتتعامل معه السلطات السورية بالحديد والنار بدون اية ضوابط، معلنةً للمجتمع الدولي انها تقود حرباً ضد الارهابيين.
توازنٌ لطالما اتقنه السوريون اقليمياً في ما مضى في لبنان وفلسطين والعراق ولا ما يمنع ان يستعملوه في ملعبهم ولو كلفهم بعض التنازلات والتسويات الداخلية والاقليمية. فهل سينجحون في التخلص من المؤامرة التركية؟
اذا نجحت الحكومة التركية في تدمير التركيبة السورية الحالية، فهل تضمن تركيبةً تؤمن الاستقرار السياسي والامني لسوريا المؤلفة من تعدديات واتنيات تتفاعل بشكلٍ مباشر مع ما يحصل في كل الدول المحيطة بها وحتى في تركيا نفسها؟

وهل ستضمن، بعد ذلك، علاقات عادية وتعاوناً اقتصادياً وسياسياً مع كل من ايران وعراق ما بعد الاميركي ولبنان ما بعد الحريري؟

والا يعتبر النجاح السوري في الخروج من الازمة الحالية فشلاً ذريعاً للادارة التركية الامر الذي سينهي دورها السياسي في الشرق الاوسط بعد ان انهت ردتها الاسلامية اي دور لها في اوروبا؟ انه الفشل في كلتا الحالتين!!!

ونشر موقع جهينة نيوز مقالاً بعنوان (تشابه كبير في قيامهما.. إسرائيل وتركيا احتلالان إلى زوال..!) حيث كتب أنه قبل أن يتبجّح رجب طيب أردوغان وبوقاحته المعهودة، بحرصه على السوريين في جسر الشغور، وأنه أقام مخيمات لجوء لاستقبالهم، كنا نتمنى عليه أن يتذكر أن هذه المخيمات إنما أقيمت على أرض سورية محتلة، أي أن السوريين مازالوا في أرضهم، ولم تشملهم بعد مظلة أردوغان الوارفة!!.

وإذا نسي السيد أردوغان أو تناسى الحقيقة التي لم ينسها السوريون جميعاً فإننا نقول له: إن المنطقة التي بنى مخيماته فوقها هي جزء من لواء إسكندرون المنطقة السورية التي سلختها تركيا في 29 تشرين الثاني 1939، بمؤامرة دولية معروفة، وأن سورية لم تعترف بذلك ولا تزال تعتبره جزءاً من أراضيها وتظهره كذلك على خرائطها.
تبلغ مساحة اللواء 4800 كيلومتر مربع، ويطلّ على البحر الأبيض المتوسط ويقع في شمال غرب سورية. ومن أهم مدنه أنطاكية، الاسكندرونة وجبل موسى والريحانية. اللواء ذو طبيعة جبلية، وأكبر جباله أربعة: الأمانوس، الأقرع، موسى، والنفاخ، وبين هذه الجبال يقع سهل العمق. أما أهم أنهاره فهي: نهر العاصي الذي يصب في خليج السويدية، نهر الأسود يصب في بحيرات سهل العمق، نهر عفرين يصب في بحيرات سهل العمق.

وكي نزيد معلومات السيد أردوغان نضيف: عام 1921 كان الأتراك يشكلون أقل من 20 في المئة من سكان الإقليم، إلا أن السياسة الفرنسية المنحازة للأتراك، والتخطيط القديم لسلخ اللواء لإرضاء أتاتورك، (رغبة في التقليل من الخسائر التركية في معاهدة سيفر) أرسى سياسة تتريك مقنعة خلال فترة الانتداب الفرنسي في العشرينات للإقليم، ومع فصل الإقليم حسب قرار عصبة الأمم كان عدد سكان اللواء 220 ألف نسمة، 105 آلاف منهم من العرب، وتوزع الباقون حينها على العرق التركي (85 ألفاً) والكردي (25 ألفاً) والأرمني (5 آلاف).

وقامت فرنسا بغض النظر عن دخول عشرات الآلاف من الأتراك إلى اللواء بغرض الاستفتاء. حيث أملت بأن يساهم ذلك في دخول تركيا إلى جانب الحلفاء في الحرب على ألمانيا النازية. كما قامت تركيا بنشر جيشها داخل اللواء وطرد معظم سكانه من العرب والأرمن.
وحالياً يسكن الإقليم حوالى مليون نسمة، ولا يوجد أي تعداد للنسبة العربية من سكانه بسبب السياسة التركية القمعية للأقليات القومية، ويشكو سكان الإقليم العرب من القمع الثقافي واللغوي والعرقي الذي تمارسه تركيا عليهم والتمييز ضد الأقلية العربية لصالح العرق التركي في كل المجالات وهو متابعة نحو التتريك الكامل للواء. وهناك تواصل مستمر في مناسبات خاصة كالأعياد بين سكان اللواء وبين أقربائهم في الأراضي السورية المجاورة.

إن ما يحدث في تركيا الآن هو أن أردوغان يعاني عقدة نفسية من الجيش التركي، ويعلم جيداً قساوة الدرس الذي تعرّض له نجم الدين أربكان ونهايته المأساوية مازالت ماثلة في ذهنه.. حين حلّ الجيش التركي حزب الرفاه ووضع زعيمه في السجن مدة ثلاث سنوات.

أردوغان يمضي بالمخطط المرسوم أمريكياً، فقط ليبعد عن رأسه الحذاء العسكري للجيش التركي.. غير أننا نبشره بأن تركيا التي مارست وتمارس كل أشكال الطغيان ضد الإثنيات والأقليات المضطهدة فيها ستؤول إلى الانقسام، لأن ما بُني على باطل فهو باطل، ومثلما إسرائيل إلى زوال فإن تركيا ستواجه المصير نفسه، بسبب التشابه الكبير بين تاريخي قيام الدولتين، إذ إن الأتراك هم قبيلة أتت من أواسط آسيا إلى هذه المنطقة، حيث ذبحوا الأكراد والتركمان والأرمن والآشوريين واحتلوا أراضيهم كما احتلوا أرضنا السورية في لواء اسكندرون، وأقاموا ما يسمّى الدولة التركية “العثمانية” على أنقاض قوميات وأعراق متعددة لن تقبل يوماً ما إلا أن تستعيد أرضها.

ملحق أزتاك العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published.