قهوة أرمينيا التركية

لم تكن كتابات الأرمني وليام سارويان ولا قصائد الشعراء الأرمن أو حتى رسومهم المترعة بالدمع والمرسوم بعضها بالدم قد استوقفتني بقدر تلك الصرخة التي سمعتها ذات يوم في موسكو من سيدة أرمنية عندما طلبت فنجان قهوة تركية من نادل المقهى.. ولم تطق تلك المرأة مجرد ذكر هذه الصفة للقهوة، وعاتبتني قائلة أنت عربي، وأفضل القهوة هو ما ينسب إليكم فلماذا لا تقول قهوة عربية.

مضى زمن طويل على تلك الصرخة الاحتجاجية، لكنها مكثت في قاع ذاكرتي، ربما لأن المأساة أينما وقعت تجتذب الخيال والتعاطف.

بالأمس عندما وقّع الأتراك والأرمن في زيورخ وثيقة بقيت بيضاء أو حمراء لقرن من الزمن تذكرت تلك الصرخة، مثلما تذكرت المظاهرات التي هتف من ساروا فيها ضد الروائي التركي الحائز على جائزة نوبل باموق، فقد وصفه بعض الأتاتوركيين بالانتهازي الذي تخلى عن تاريخ وطنه كي يتملق الفرنسيين وبالتالي مانحي الجائزة في استكهولم، لأنه تحدث عن المذابح الأرمنية.

كل هذه التداعيات تدفع المرء إلى أن يكرر العبارة الأثيرة في مثل هذه المناسبات وهي الثبات ليس من صفات التاريخ والثابت الوحيد فيه كما يقال هو المتغيّر فمن يدري؟ لعل خصوم الأمس يصبحون حلفاء الغد، سواء تعلق الأمر بالأرمن والأتراك أو بأية قوميات أخرى، لكن ما لا يذوب بمرور الزمن هو التراجيديا التي تتحول إلى وشم في الذاكرة وربما في عمق القلب. فالألمان والفرنسيون تفاهموا وأصبحوا شركاء في النادي الأوروبي الجديد لكن ما من طرف منهما فكر في تغيير نشيده الوطني، خصوصاً الفرنسيين الذين يعتزون بنشيدهم أو ما يسمى “المارسيلياز” وفيه جملة تقول: “لتروِ دماء الغزاة أثلام أرضنا”.

إن التقارب والتفاهم والمصالحة بين الشعوب لا تعني شطب ما ورد في التاريخ والبدء من أول السطر، وليس معنى ذلك التحريض على مواصلة النزاع بين الأمم، بل التفريق بين المصالحة السياسية والوجدان القومي، فما من جريح في التاريخ أو مهزوم لديه الاستعداد أن يدفن ذاكرته، لأن هناك منتصراً يذكره بمأساته لحظة الاحتفال بذكراها.

آخر ما كان متوقعاً هو هذه المصالحة التاريخية بين الأتراك والأرمن، لكن أي أتراك وأي أرمن، هل هم الروائيون والشعراء والرسامون والموسيقيون أم الساسة والجنرالات؟

الأسئلة عديدة في هذا السياق، وقد لا نعثر على إجابات شافية، لكن التداعيات تتواصل حول تاريخ متغير، وتضاريس قابلة للتحول بحيث تصبح الصحراء غابة والوديان سلاسل جبال.

أما القهوة التي تبادل الأتراك والأرمن أنخابها في زيورخ فلا نعلم ما إذا كانت تركية أو سويسرية، كل ما في الأمر أن أعداء الأمس ليسوا أعداء إلى الأبد، كما أن حلفاء الأمس لن يبقوا كذلك، فسبحان مغير الأحوال، فما جعل من التاريخ تاريخاً وليس مجرد قصة ذات بداية ونهاية هو انفتاحه على هذه المفارقات بل التناقضات، فمن يدري ما الذي سيحدث غداً أو بعد عشرين عاماً ما دام الإيقاع المتسارع للتغيرات قد أصاب الناس باليأس من القدرة على اللحاق بها.

شيء واحد يبقى، هو الوتر المشدود بين البشر وحنينهم الدائم إلى لحظة سلام مع الذات ومع الآخر الذي يستحقها.

خيري منصــور
دار الخليج

Leave a Reply

Your email address will not be published.