شارل أزنافور ..”سفير فوق العادة”

د. فاروق الجمّال

هو من أشهر نجوم الغناء في فرنسا وواحد من جيل الروّاد. ارتبط اسمه عبر العالم بأسماء أسطورية مثل: جاك بريل، باربارا، أديت بياف، جورج موستاكي، جيلبير بيكو، وغيرهم.

ولد من أبوين فقيرين اضطرا للهجرة الى فرنسا هرباً من المجازر التي تعرض لها الشعب الأرمني في العهد العثماني. تأثّر كثيراً بحياة الفقر والحرمان التي نشأ فيها الى درجة أنه سعى للتعويض عنها بشكل مبالغ فيه لزوجته وأولاده، حيث يقوم باغراقهم بالهدايا فوق اللزوم.

تأثّر شارل أزنافور ببيئته التي نشأ فيها والتي تقدّس القيم العائلية. عرف في حياته زواجين فاشلين، ثم كانت زوجته الثالثة “يولا” وهي من أصل سويسري منذ 50 عاماً. وهو دقيق الجسد، قصير القامة، شعره خفيف، التجاعيد تملأ جبهته وحول عينيه وشفتيه. بطاقة هويته تقول: ولد في باريس لأبوين أرمنيين في أصلهما. وعاش طوال حياته في باريس. وكان والده مغنياً، ووالدته ممثلة، وكان متأثراً بالأشعار الشرقية ومزجها بالأشعار الفرنسية بالنسبة لألحانه. لم يستمر عمله السينمائي طويلاً فاكتفى بتمثيل أربعة أفلام لعب فيها دور رجل البوليس. غنى أزنافور في معظم دول العالم وهو لا يفرّق بين الشعوب، ولا الديانات ولا السياسات، وكان يتمنّى أن يغنّي في الصين.

يعمل تسع عشرة ساعة في اليوم ويرفض تغيير أسلوب غنائه وألحانه وطريقة الأداء.
لم تكن غربته محفورة بالورود، كما لم تكن مقارعته الموسيقى صدفة.
نصف قرن من العطاء، أصبح رصيده أكثر من خمسمائة أغنية من تأليفه وألحانه. ولم يكن ليكتب لهذا البوهيمي المهاجر المجد لو لم ينطق بلسان المقهورين.
تنازعته مسارح باريس وبرودواي وموسكو ومدريد، بعد أن شغف بكلماته الشارع الأوروبي والأميركي. ولو لم تكن اديت بياف، لم يكن أزنافور. فبياف (1915-1969) كانت منارة الأغنية في الخمسينات. وانطلقت من قاع باريس لتتربع على عرش الأغنية خلال عشرين عاماً (1946-1963). وهي التي رشّحته لمؤسسة توزيع الاسطوانات “كافي سوسياتي”  النيويوركية ومؤسسة “فيزان الذهبية”. وأصبحت حنجرة “شارل الصغير” ، تقول بياف، محط اعجاب العالم. صوته الدافئ وألحانه العذبة وأبياته الوجدانية على خشبة مسارح أولمبيا ومسارح العالم كانت جواز سفره.

أشهر أفلامه “اطلقوا النار على عازف البيانو” وهو فيلم بوليسي مقتبس عن قصة، و”تاكسي بطرق” و”المنبوذ”. كلما تقدّم به العمر يقول “أشعر بأنني أعود شاباً بفضل محبة زوجتي وابنتي”. وفلسفته في الحياة “أن لا أعود الى الوراء”. لم تأخذ السنوات الثمانون من صور طلته كمطرب فرنسا الأول.

صيف 1998، أضاء بصوته ليالي بعلبك مع عازفة الكمان السنغافورية المذهلة فانيسا. أنشد أزنافور قديمه في دير القمر وبيت الدين، غنى الحب ليوم واحد وفي زمن الحب الراحل، غنى لعشاقه وأوقظ ذاكرتهم. استلهم الأغاني الرومانسية من أم كلثوم وعبد الوهاب. صوت مبحوح ظلّ يصدح على رغم صدأ الأزمنة، أغنيات لم تطلها التجاعيد. اسمه الحقيقي شانون أزنافور (ولد عام 1924)، في التاسعة من عمره وقف أول مرة على خشبة المسرح ليشارك في مسرحية بعنوان “شيطان صغير”. وفي العام ذاته، شارك بفيلم “حرب الصغار”. لم يكن يحب المدرسة، وكانت بداياته كمغن صعبة فقصر قامته وضعف بنيته وصوته المبحوح كانت عوامل أثارت الرفض والسخرية. في الثلاثين من عمره صار نجم فرنسا الأول.

شتاء 1953 وقف المشاهدون بالدار البيضاء رافضين ان يتوقف عن الغناء، وقيل أن صدى تصفيقهم وصل الى باريس.

ربيع 1965، أصبح رمزاً للرومانسية الواقعية على حد تعبير الشاعر جان كوكتو.
خريف 1970 حصلت أغنية “هي” على أعلى مبيعات في العالم، لأن كلمات أغنيته جعلت من الحب التعيس حالة انسانية.

عام 1988، ضرب أرمينيا الزلزال المدمّر ولم يتوقّف عن دعم بلده، وأقيم له تمثال في “ميدان أرمينيا” وحصل على صفة سفير دائم لها. نشر مجموعة أغانيه في ألبوم بعنوان “أزنافور الأصل” وأبرزها “الغجرية” التي كتبها لفيلم “السيد لارنفال”، وأغنية “الموت حباً”.
عام 2004، كتبت صحيفة “لو فيغارو” عنه: “فرنسا بأسرها أصبحت أزنافورية”.

www.elnashrafan.com

Leave a Reply

Your email address will not be published.