العرب في الذاكرة الأرمنية

آرا خاجادور

إستلمت رسالة من لجنة المتابعة الخاصة بنصب الوفاء للشعب العربي (نصب العرفان بالجميل) تدعوني للمشاركة في حفل الإفتتاح الرسمي لذلك النصب التذكاري الذي أقامته هيئة شعبية من أرمن الخارج، ومن بينهم الشخصية اليسارية المعروفة فاروجان سلاطيان، الذي خطفته يد المنون على عجل قبل أن يُرفع الستار عن النصب التذكاري، وبعبارة أدق قبل الإفتتاح الرسمي له، والذي كان من المقرر أن يأخذ شكل تظاهرة أممية أو عالمية الطابع. وبصدد رحيل سلاطيان أقول: في كثير من الحالات تبدو أقدارُ الشخصيات الإستثنائية كأنها لا تسمح لتلك الشخصيات بأن يرون ويتلمسون ثمار كدهم وجهدهم وسهرهم وتحدياتهم. وكما هو معلوم في مختلف الأوساط المعنية بشأن المذابح التي تعرض لها الأرمن عبر تاريخهم الطويل، فإن أرمن الخارج الناجين من المذابح وأبناءهم وأحفادهم هم الأقدر على تصور أهمية مثل هذا الرد للجميل الى الشعب العربي، ذلك الجميل العربي الذي عجزت عقود عن محوه من ذاكرة ملايين الأرمن في داخل أرمينيا وخارجها.

لقد تابعت أعداد كبيرة من الأصدقاء العرب والعراقيين موعد رفع الستارة عن النصب التذكاري المرتقب منذ بداية مشروع العرفان بالجميل، كما تابعوا الصعوبات والعراقيل التي رافقته، وكذلك تأجيلات الإفتتاح المتكررة، خاصة بعد أن شمخ النصب في العاصمة يريفان، وجاء التأجيل الأخير غير المفهوم عشية إستعداد المشاركين والضيوف العرب وغيرهم للسفر من مختلف بقاع العالم للمشاركة في ذلك الحدث المهم للغاية بجوانبه الإنسانية والتاريخية ومن جوانب تراكم الخبرة ضد القهر والعنف ومحاولات تغيير الهوية والإبادة وغيرها. بعض الأصدقاء وأنا كنّا على وشك التوجه من براغ وغيرها الى يريفان لحضور الإفتتاح المقرر في 19/10/2011. ولكن سفير الجمهورية الأرمنية في دمشق أبلغ لجنة المتابعة الخاصة بمشروع نصب العرفان بالجميل تأجيل حفل الإفتتاح من قبل الحكومة الأرمنية.

لا أكتم أحداً سراً أن بعض أصدقائي كانوا في شك بصدد وجود محاولات لعرقلة الإفتتاح، وقد أبلغت أصدقائي ورفاقي في سوريا بتلك الهواجس. نعم يُمكن تأجيل المناسبة مرة أو مرتين، ويُمكن أن تُفهم مسألة أن للدول ظروفها الداخلية والخارجية، ولكن إذا تجاوز التأجيل العدد المقبول فإنه يفسح المجال للعديد من الأسئلة المشروعة، وأصبح الشك في أن التأجيل الأخير لا يُمكن النظر إليه بصورة بريئة. ويتسع نطاق الشك عند النظر الى سياسة القيادة الأرمنية ومجاملاتها تجاه تركيا في الفترة الأخيرة بصفة خاصة، وأظن أن اللجنة التحضرية ونحن جميعاً مع الدعوة الدائمة الى تسوية الخلافات بين الدول بالوسائل السلمية بما فيها القضايا التي تتعلق بأحداث التاريخ القريبة منها والبعيدة، ولكن في الوقت نفسه لسنا مع كل ما يذكي الهواجس أو يترك تصوراً بأن هنالك من ينظر الى الفعالية بما يوحي وكأن العرفان بالجميل موجه ضد جهة محددة، نقول ونؤكد بإنه يُمثل درساً وعبرة للجميع بما فيهم تركيا، يؤكد على أن الماضي يُمثل عبرة وليس المطلوب أن نعيش في داخله.

في مقال سابق حذرت من إتخاذ مواقف متطرفة من الأحداث القديمة والجديدة وتساءلت: هل من مذابح جديدة ضد الأرمن؟. ولكن من عوامل صيانة المستقبل التي لا تدع مجالاً للمجاملات الديبلوماسية هو قراءة التاريخ كما وقع لا كما نشتهي، ونقبل حتى بترك التاريخ للمؤرخين دون الموافقة على الإستهانة بالتاريخ نفسه ودم الضحايا الى درجة نكران المذابح نفسها.

إن المؤرخين الأتراك الموضوعيين إعترفوا بوجود سياسة التترك والإبادة والتهجر، وهذا ليس بعيداً عن السائد والمألوف والمعروف في أوساط المؤرخين على النطاق العالمي، خاصة وإن آخر موجات الإبادة لا تعود الى تاريخ موغل في القدم، فعلى سبيل المثال المؤرخ التركي “سليم ديرينجيل” الذي أشار في مقال له نُشر على الشبكة العالمية في 26/4/2010 باللغة الإنكليزيةYoung Turks planned to annihilate the entire Armenian population, Turkish historian says الى وجود مخطط لدى حزب تركيا الفتاة عشية إرتكاب المذابح لتصفية السكان الأرمن وتدميرهم كلياً، خاصة في المدن الأساسية، وليس فقط إتهامهم بأنهم يسيطرون على عصب الحياة الإقتصادية، وذلك بما تجاوز أوامر السلطان عبد الحميد والباب العالي المباشرة، وكان هدف حزب تركيا الفتاة القضاء النهائي على كل الشعب الأرمني من خلال إيهام الشباب التركي بضرورة خلق برجوازية تركية، وكأن الأرمن هم محتلون تركيا.

لقد تواصلت المذابح ضد الأرمن منذ 1841 لغاية مذابح والإبادة الجماعية في أعوام 1915 – 1923. هنا لا إستخدم بعض التعابيبر التي إستخدمها بعض المؤرخين الأتراك الموضوعيين لأن المساحة للنقد أمامهم أوسع، حيث وصفوا المهاجمين الأتراك ضد الأرمن بالبرابرة الذين زحفوا الى أرمينيا وإحتلوها.

إن التصور سالف الذكر حول البشاعات التي تعرض لها الأرمن ليس من عنديات الأرمن أنفسهم بل هي حالة أقرتها أوساط متباينة مما يُعطي مصداقية لحديث الأرمن عن تاريخ المذابح ووحشيتها، وتظل رسالة شريف مكة المكرمة وملكها الملك الحسين بن علي في عام 1336 هـ 1917 م الى جميع مسلمي العالم علامة بارزة وحدثاً تاريخياً معبراً، خاصة رسالته التي يطلب فيها حماية العرب والمسلمين للنصارى خاصة الأرمن. وكانت وصيته الى الأمير بن فيصل والأمير عبد العزيز الجربا بالمحافظة على أبناء الطائفة الأرمنية ومساعدتهم في كل أمور وشؤون حياتهم مؤكداً بموجب أمر صادر من أم القرى بتاريخ 18/رجب/1336 هـ. قال للأميرين”يجب عليكم أن تحافظوا عليهم كما تحافظوا على أنفسكم وأموالكم وأبنائكم وتسهلون كل ما يحتاجون إليه، فإنهم أهل ذمة المسلمين … هذا أهم ما نكلفكم به وننتظره من شيمكم وهممكم.”.

إن الدور الذي لعبه الشريف الحسين بن علي الهاشمي كان عظيماً للغاية في تطوير الموقف العربي من المذابح الأرمنية، حيث كان في حينها من أكبر الشخصيات المؤثرة في العالم العربي والإسلامي، والمبادر الى أدانة العدوان عدة مرات بين السنوات 1915-1917 والمنبه الى وحشية حزب تركيا الفتاة وقادته طلعت باشا وجمال باشا وغيرهما.

لقد كان قادة الرأي العرب وشيوخ القبائل وعامة السكان يدركون بأن قتال الفدائيين الأرمن للسلطات العثمانية قتال دفاع عن النفس وحسب، بإعتبار أن الفدائيين كانوا على يقين من عدم قدرتهم على هزيمة السلطان لكنهم خاضوا قتالاً غير متكافىء في سبيل البقاء وفي سبيل حق الوطن. وربما خير وصف لهذا المنطلق، ما كتبه إستيبان شاهوميان قائلاً: “لا يقولن أحد أن هنالك ظروفاً يستحيل فيها القتال أو يعتبر سخافة، إذ ليس هناك علو يبلغ في القوة ما يجعل قتاله مستحيلاً، وليس هناك إستعباد أو ظلم لا معنى للإحتجاج عليه والمقاتل في هذه الحالة لا يقاتل عندما يكون واثقاً فقط من أنه سينتصر، فهو لا يقاتل لمجرد الإنتصار بل يقاتل لأنه لا يستطيع إلا أن يقاتل، وهو يقاتل أحياناً ليموت.

والى جانب توصيات شريف مكة يُذكر موقف أمير اليزيدية إسماعيل خان الذي بات يُوصف عن جدارة بصديق الشعب الأرمني، حيث دعا جميع أتباعه الى فتح بيوتهم لكل الأرمن الذين نجوا من المذبحة، وكان بين المشردين أعداد كبيرة من النساء الأرامل والأطفال والشيوخ الطاعنين في السن، وقد توجه الشباب منهم الى جبل سنجار لمحاربة الجيش التركي. لقد تناولت مذكرات آرسين كيدور – ذكريات وأشواك – (الطبعة الثانية، بيروت 1957) تفاصيل ومشاهد وافرة عن تلك الأيام والأحداث المروعة.

ومن بين أعظم صور التضامن بين الشعوب يشير آرسين كيدور في مذكراته الى مواقف سكان الفرات العرب من أقصاه حتى التخوم المقابلة لعاصمة الرشيد – بغداد حيث وصلت موجات المشردين الأرمن الناجين من المذابح، ليجدوا الترحاب والإحتضان وكفكفت الدموع وتهدئة الروع والخواطر والإطعام والمأوى، وإنتشروا في دير الزور وراوة وحديثة وهيت والفلوجة ثم في بغداد نفسها، وتعددت مواطن الإستقرار في المدن السورية واللبنانية وغيرها. ذلك الموقف النبيل ليس غريباً على شعب قد كتب التاريخ عن ولع واحد من أعظم قادته التاريخيين هارون الرشيد شخصياً بأرمينيا، ذلك الولع الذي تمثل بزياراته المتكررة الى أرمينيا وتقديره لشعبها، وذلك عندما كان الرشيد يقود العالم الأول في زمانه. إن العلاقات التاريخية بين العرب والأرمن تنامت في بداية الصعود العربي في سنواته الأولى، وإتسمت بالإحترام المتبادل، وهذا التاريخ المديد لم يشهد أحداث تشوه الصورة الجملية للعلاقات بين الشعبين القديمين الشرقيين، وكان الخلفاء العرب المسلمون يدركون بأن أرمينيا أحد أهم ثلاثة منافذ برية الى بلادهم في الإعتداءات القادمة من الشمال.

إن مذكرات كيدور أشارت بالأسم الى الدور المجيد لشيوخ الراويين الذين كان نفوذهم يمتد الى دير الزور والرقة، وبالإضافة الى الضيافة الكريمة جمع الراويون ما تبقى من أجساد الضحايا لمنع نهشها من ضواري البر، وساهم في هذه المهمة سكان مناطق الخابور ومنطقة الجزيرة، وكان تلاً من الأجساد البريئة والهياكل، إنه توثيق لأشد الحوادث ترويعاً وظلماً حيث الرؤوس المقطوعة والعيون المفقوءة ومشاعد الرعب المخيفة الأخرى، ثم أتموا الدفن الكريم لكل الضحايا، وبذلك حفظ شيوخ العرب للعالم أقسى مشهد في تاريخ الأرمن يلهم الأجيال بإحترام وتقدير تضحيات الذين قضوا في أعمال الإبادة المروعة، إن تلك الصور التي يعود الفضل للراويين في تسجيلها تمثل وثيقة هامة عن معاناة شعب وعن روح التضامن بين الشعوب المقهورة.

إن ذكرى المذابح إتخذت من يوم 24 نيسان / أبريل من كل عام يوماً رمزياً لها، تطبع في الكارتات التي تحمل صورة تل الأجساد الذي ورد ذكره آنفاً، وتزين تلك الكارتات ببعض الأبيات الشعرية للشاعر الأرمني الكبير أفاديك إساهاكيان. وقد ظلت علاقات آرسين كيدور قوية مع شيوخ العرب في تلك المناطق الذين قدموا العون للضحايا الأرمن حتى في بغداد نفسها، مثل الشيخ إبراهيم والشيخ فيصل في تكية الراويين.

لا ينحصر الفضل في كرم الضيافة حسب فقد حاول المسؤولون العرب في الحكومة العثمانية قدر الإمكان تخفيف أوامر الإستانة الوحشية، بل إن بعضهم أثبت شجاعة نادرة برفض تنفيذ تلك الأوامر. فقد إستقبل علي سوفاد بك حاكم دير الزور التي كانت واحدة من المدن الأساسية التي تمر فيها قوافل المهجرين الأرمن فأمن وأكرم آلاف منهم، وأقام مساكن لحوالي 1000 يتيم أرمني. وقد دفع هذا العربي المخلص ثمن موقفه بالطرد من منصبه. وبنى عبدالله ماسا داراً للأيتام الأرمن في حماة بسوريا وأمدهم بالغذاء والملبس. وقد طال الموظفين العرب القمع نتيجة لتلك المواقف النبيلة إتجاه الأرمن، حيث حُكم بالإعدام شنقاً على كل من قائمقام بشيري وليدجان وولاية ديار بكر لرفضهم تنفيذ أوامر الحكومة التركية بإبادة اللاجئين الأرمن.

وفي الموصل الحدباء ظهر مثل مشرف آخر فعندما تسلم حاكم الموصل أوامر حزب تركيا الفتاة بإبادة جميع الأرمن القاطنين فيها أو في القوافل التي تمر بها رفض ذلك الحاكم الشهم إطاعة الأوامر وجمع الشيوخ والأعيان لمناقشة المسألة، وقرر المجلس بالإجماع رفض تنفيذ الأوامر، وأعلنوا بصوت رجل واحد: “ضمائرنا لا تسمح بأن تلطخ أيادينا بدم الأرمن”. ولم يقتصر موقف أهل الموصل الكريم على الشيوخ والأعيان بل كان موقفاً شعبياً بإمتياز، شارك فيه النساء والرجال وقدموا الغذاء والماء والرعاية، واعتنى الكثير من النساء الموصليات بالأطفال الأرمن، ومارسن دور الأمهات الحنونات إتجاه الأطفال الأرمن وكأنهم أطفالهم. وهذا الموقف إمتد في كل ديار العرب التي وصلها الأرمن بما فيها الحجاز ومصر. وقدم المصريون لأرمن جبل موسى حماية ومساعدات لا تقدر بثمن بعد أن تم نقلهم على سفن فرنسية إلى مدينة بورسعيد. وقامت الحكومة المصرية بإسكانهم في معسكر أقيم خصيصاً لهم وأمدتهم بالمؤن اللازمة.

إن الأرمن ينتشرون في معظم بقاع العالم، وهم من الشعوب القليلة التي يعيش الجزء الأكبر منه في الخارج، ومن هذا الوجود يُذكر أرمن البلاد العربية، وهم يُشكلون ثقلاً سكانياً مهماً، ولكن الأرمن في البلاد العربية ينظرون الى أنفسهم كجزء من الشرق الكبير، وإنهم ليسوا مغتربين في أوطان جديدة، وإنما هم مواطنون لهم مثل ما للآخرين وعليهم مثل ما على الآخرين، وحافظوا في الوقت نفسه على الجذور الأولى، وهذه حالة إنسانية ومحترمة ومقبولة من جميع الأطراف، ويتميز الأرمن في البلاد العربية بأن ذاكرتهم العميقة تحتفظ بعرفان حقيقي لجميل صنع شعوب البلاد العربية تجاه الأرمن حين إحتضنوا الأرمن الذين نجوا من المجاز التركية وآخرها مجزتي 1915 و 1923.

إن أرمن الخارج ليس فقط في البلاد العربية وإنما كل الأرمن في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وغيرها تداعوا لإقامة نصب تذكاري للعرفان بجميل صنع العرب معهم أثناء محن الأرمن التاريخية. ذلك العمل الفني والتذكاري ينتصب واقعياً كوجود مادي في قلب العاصمة الأرمنية – يريفان – شامخاً ومعبراً عن غاياته الكريمة، خاصة وقد تم بناؤه بتبرعات طوعية كريمة من قبل أرمن الخارج.

ولكي تكتمل صيغة التعبير عن الوفاء والإعتراف بالجميل لم يبقى أمامها إلا إقامة حفل الإفتتاح، ذلك الإفتتاح الذي تكرر تأجيله عدة مرات دون وجود مبررات مقبولة من جانب الجهات الرسمية المعنية بالمناسبة، وإن تكرار التأجيل ودون ذكر الأسباب الموجبة قد يدفع الى التساؤل، وقد تلمست شخصياً الأحساس بالمرارة في أوساط الأصدقاء العرب والعراقيين الذين ينظرون الى التأجيل كخبر غير سار على الأقل وفي أحسن حالات التفسير.

إن هذا النصب الكبير ليس موجهاً ضد الشعب التركي بل هو في صالح بناء صداقة حقيقة بين الشعبين الأرمني والتركي من خلال إدانة الظلم. كان العديد من القادة الأبناء للشعب الأرمني يدعون الى البحث عن أصدقاء داخل الشعب التركي نفسه في ظل أقسى الظروف غداة أيام المذابح وبعدها الى يومنا هذا، وهم يؤكدون على أن أفضل نظرة للتاريخ هي تلك التي توظف أحداثه المحزنة كدروس لحماية المسقبل، إن النصب التذكاري الذي يعبر عن الوافاء للشعب العربي الكريم يصرخ بالعبر التاريخية: “السلطان يخشى ضحاياه” و”دعم الضحايا مجد ما بعده مجد” و”أبناء وأحفاد الضحايا يردون الجميل دوماً” و”إذا ذُكر الضحايا إرتعش السلطان”.

إن التوازن في مواقف الأرمن إتجاه المحن التي مروا بها منحتهم إحتراماً وتقديراً ينبغي الحفاظ عليه لخدمة الشعب الأرمني في الداخل والخارج.

(يتبع)

Leave a Reply

Your email address will not be published.