كريكور بيليديان لا يكتب بالأرمنية كواجب بل يشعر حين يكتب بغيرها أنه يقوم بواجب

من دون أدنى مبالغة، أميل إلى اعتبار كتاب «عتبات» لكريكور بيلديان، الصادر حديثا في ترجمة فرنسية، عن منشورات «بارنتيز» واحد من أفضل الكتب التي قرأتها مؤخرا. هو جزء أول من سلسلة كتبها الروائي، بالأرمنية، وستصدر تباعا بترجمة فرنسية، يروي فيها الذاكرة، لكنه من قلة قليلة، يختلف عن الأدب الأرمني الذي عرفناه، فالذاكرة هنا، سيرة طفولته في بيروت، بينما كنا نجد في غالبية الأدب الأرمني، تلك الذاكرة التاريخية، التي تمتد إلى التاريخ والمذابح..

لا أريد بالطبع أن أقول، إن ذلك ليس حاضرا في كتاب بيليديان، ولكن أميل إلى قول شيء أبعد من ذلك، وكأن هناك أدبا لبنانيا يكتب أيضا اليوم بالأرمنية. ما أريد قوله، إن الكثير من الروائيين اللبنانيين اليوم، اختاروا لغات أخرى غير العربية، ليعبروا بها، فلماذا لا نعتبر، بهذا المعنى، أن بيليديان كاتب لبناني يكتب بالأرمنية؟

ربما الموضوع ليس هنا، بل أريد أن أشير إلى هذا التطلب المدهش في الكتابة، ليأخذنا حقا في رحلة ممتعة عبر الأدب، وليس غير الأدب، ولأقل، إنه من الأدب الذي أحب قراءته، والذي يطرح عليك العديد من الأسئلة، ليس اقلها سوى سؤال الكتابة عينها.

مؤخرا، زار بيليديان بيروت، مدينته، للمشاركة في معرض بيروت للكتاب الفرنكوفوني، حيث كان هذا الحوار:

-ما هو المنفى؟ ما هي البلاد، ما هو الوطن، يقال عادة إن اللغة، بالنسبة إلى الكتّاب، هي الوطن، لأن الكاتب يحيا دوما في لغته؟

ـ كانت هذه فكرة منتشرة جدا، في بداية عشرينيات القرن الماضي، وكانت موجودة عند الكتّاب الأرمن في الدياسبورا، بأن اللغة الأرمينة هي بلادنا، في الواقع، لا أؤمن كثيرا بهذه المقولة. في الواقع هناك أيضا هجرة أرض..

-ولكن لا نستطيع أن ننكر أيضا، في بعض الحالات أننا هل عرفنا حقا هذه الأرض؟ مثلا بالنسبة إلى بعض الكتّاب الأرمن، نكتب الأرمنية في بلاد لا تتحدث هذه اللغة؟ من هنا، أجدني أطرح سؤالا إضافيا أيضا، ما هو القارئ الأرمني اليوم؟ كيف نحدده؟

ـ القارئ الأرمني، بالنسبة إليّ اليوم، هو القارئ الذي، باعتقادي، لا يملك الكثير من التقاليد، ولا يستطيع الدخول كثيرا في لعبة الروح، ولكنه يملك إرادة طيبة لطي يستطيع الدخول ولو قليلا إلى عامل المعرفة الأرمنية، لكنه أمام أعمال تضع نصب أعينها تطلبا ما..

-مثل أعمالك…

-ربما… لا أظنه يستطيع الدخول إليها بعمق. يقال عني إني كاتب صعب ومتطلب ويتخيل العالم بأن كتابي هذا «عتبات» هو كتاب صعب، حتى في لبنان حيث الأرمن على إلفة أكثر مع لغتهم…

ـ قد يبدو صعبا قليلا، لكنه يتطلب إلفة ما مع الأدب، أي إنه كتاب يتشكل بطريقة حديثة جدا، أي إن أي قارئ غير معتاد على قراءة الأدب قد يجده صعبا؟

-ربما لأن القارئ، الأرمني، في أغلب الأحيان، هو قارئ تقليدي وحتى في أحيان أخرى نجده قارئا «طهرانيا»، من هنا علينا أن نصارع بشكل متواصل، ضد هذا الخلل، كما أن ردة فعله تبدو «انفعالية» بعض الشيء. أتبين هذا بوضوح، حين أقرأ أمام الجمهور، مثلا، في قراءة أخيرة في «لوس أنجلس»، جاءت الأمور بشكل جيد جدا، ربما لأن الناس لم تعد تقرأ كثيرا، على الأقل تقرأ اليوم بشكل أقل، وبالأرمنية بشكل أقل أيضا. من هنا، إن قرائي اليوم، وناشري، هم في «أرمينيا»، منذ عشرين سنة…

-قبل أن أنسى، كتابك هذا «عتبات»، هل نشر بلغته الأصلية في «أرمينيا»؟
ـ في باريس، الأمر غريب بعض الشيء، لأنه لا تزال هناك بعض الجمعيات التي لا تزال تنشر أعمالا أدبية. من حيث المبدأ، لا تتخطى الأعمال التي ينشرونها الألف نسخة، حيث يعطون الملف بعض النسخ ويتم توزيع الباقي، لكن ما فاجأني حقا، أن الكتاب هذا بيعت منه كل النسخ خلال عامين، وهذا أمر ليس بالعادي أعتقد. ما جعلني أفكر أن هناك اليوم فعلا قارئا، لكنه لا يحصل على كتب بسهولة.

-وهل وصل كتابك هذا إلى «أرمينيا»؟

ـ ناشري هناك يريد اليوم استعادة أجزاء هذا الكتاب بأسره، ليصدرها هناك. كان يريد أن يضع الأجزاء كلها في علبة واحدة، لكني رفضت، لأن ذلك معناه أني أنهيت هذا المشروع، في حين أني لا أظن أني انتهيت منه…

-لو خيّر للقارئ «الأرمني»، في فرنسا، كما في بيروت اليوم، برأيك أي لغة يختارها ليقرأ بها الكتاب؟

-لنقل إن أربعين بالمئة سيقرأون بالأرمنية والبقية بالفرنسية.

-يعني تعتقد أنهم سيقرأونك هنا بالفرنسية؟

ـ لا لأنهم ليسوا فرانكفونيين هنا، أصبحوا يقرأون الإنكليزية أكثر. في أيّ حال، منذ أيام، وفي صالة صحيفة الآزتيك، حيث قرأت أمام الجمهور، وجدت أن غالبية المستمعين يريدون الكتاب بلغته الأصلية.

-لو قررنا اليوم، أن ننشر «أنطولوجيا» للأدب الأرمني هل ستجد أنها ستكون مقسومة مثلا بين كتّاب أرمينيا الحالية، وبين الكتّاب الأرمن في الدياسبورا؟

ـ لا اعتقد، مثلا خذ أنطولوجيا الشعر الأرمني المعاصر، الذي صدر بالفرنسية منذ سنوات عند منشورات «بارنتيز» لقد تم جمع الشعراء من مختلف الأمكنة، من دون تمييز البلاد، وأعتقد أن ذلك كان محاولة مهمة أي أن تواجه أناسا يأتون من آفاق مختلفة. بالتأكيد، نجد اختلافا عن الكتّاب الآتين من أرمينيا الحالية (يريفان) كما نجد تجربة مختلفة عن أولئك الآتين من الدياسبورا، لكن اجتماع الفئتين، أعطانا فعلا لمحة عن هذا التنوع في الأدب الأرمني… لذلك علينا أن لا ننسى قضية مهمة، لأن غالبية الأرمن في «الدياسبورا» لا يجدون أن أرمينيا الحالية هي أرمينيا التاريخية، وهذا ما يشكل هذه القضية الثقافية الكبرى، إنها ليست أرمينا المذابح، وهذا ما يلعب دورا كبيرا في الأدب والثقافة الأرمينيتين؟

لأتحدث عن تجربتي الشخصية، حين آتي إلى لبنان، وحين اتنشق الهواء فقط، أشعر بأني في بلدي، بينما ما إن أهبط سلم الطائرة في أرمينيا الحالية، كلّ شيء يشعرني بأني غريب. كل شيء. هذا الإحساس بالإلفة التي أجده هنا، لا اشعر به مطلقا هناك. بالتأكيد حين نكون هناك، نشعر أننا بخير ولكنها ليست أرمينيا عينها.

– ربما لأنها ليست الذاكرة نفسها؟ بمعنى أن «أرمينيا» الضائعة تم «إبداعها» بعد ذلك عبر الناس التي هاجرت..

ـ كان ذلك بعد المذابح، وعلينا أن لا ننسى أن الحقبة السوفياتية قد أقصت كلّ ذاكرة جماعية، وبخاصة مع طريقة الكتابة الجديدة التي فرضت، ومع هذه القطيعة التي حدثت مع أرمن الدياسبورا…

-ولكن هل تظن أن الأرمني أو الكاتب الأرمني، بعد الدياسبورا، يمكن له أن يتخلى عن هذا الشرط التاريخي، الذي هو شرطه؟ من المحتمل أن ما حفظ هذه الفكرة عن أرمينيا هم الشعراء والكتّاب الذين تحدثوا عن الأرض. بمعنى آخر لا يزال يعيش صراعه؟

ـ العيش في الدياسبورا أمر مفارق..

اللغة

-إذ هناك من «اعتنق» لغة الأرض التي استقبلتهم…

ـ بالطبع، في حالتي أنا، وأنا في لبنان ترددت إلى الليسيه الفرنسية، أتحدث الفرنسية، لكن ما من مرة طرحت على نفسي السؤال بأي لغة سأكتب. حين ذهبت إلى باريس، تعاونت مع الصحف الأرمنية الصادرة هناك، إذ كما تعرف هناك العديد من الصحف التي تصدر في الدياسبورا، كما في الملاحق الأدبية، من هنا كان خياري لهذه اللغة كأمر طبيعي، أي كنّا نمارسها كأمر طبيعي، أيّ لم تكن مفروضة عليّ، لا أكتب بالأرمنية لأنها واجب بل على العكس، حين أكتب بالفرنسية أحسّ بأنني أقوم بواجب..

– قلت إنك تشعر حين تكون في لبنان وكأنك في بلدك، لا في يريفان، ما أريد أن أسأله، هل هو الحنين للبنان، أم لأرمينيا في لبنان؟

ـ لا إنه حنين للبنان، وربما لشيء أرمني في لبنان، أي للبنان حيث هناك فيه هذا الوجود الأرمني، حيث جاء أجدادي، وحيث كبرت بحرية، وحيث تجذرنا أيضا. ما أندم عليه فعلا، أني لم أتعلم اللغة العربية كما يجب.

-معنى كلامك، أن هناك أرمينيا في لبنان، وأرمينيا في مصر وسوريا والعراق الخ…أي إن هناك أرمينيات مختلفة…

ـ ربما، لكن هذا يعني أن هناك «أسطورة» هي أرمينيا، بل الواقع هو لبنان.

أي هناك “أرمينيات” .

ـ ربما هناك أرمينيا المتعددة التي تنزع الأسطورة عن أرمينيا..

-وهذا ما يدفعنا أيضا إلى اعتبار يريفان واحدة من هذه الأرمينيات؟

-لقد قلت ذلك ذات يوم، أرمينيا هي الدياسبورا الخاصة بنا، وهذا ما أثار فضيحة، لأنك اليوم حين تذهب إلى يريفان، وحتى حين تجد أصدقاءك، إلا أنك لا تستطيع إلا أن تنتبه إلى هذا الجانب السوفياتي، المافياوي أحيانا…

-ما هي أرمينيا بالنسبة إليك؟

ـ لم تتوقف يوما عند جبل أرارات…

اسكندر حبش

السفير

Leave a Reply

Your email address will not be published.