حتى يكشف أردوغان عن وثائق المجازر الأرمنية ويعتذر!

“أردوغان يكشف عن وثائق مجازر “درسيم”، ويبدي اعتذاره باسم الدولة التركية”، هذا ما قرأناه على موقع “اخبار اليوم” الالكتروني.

خطوة مشجعة لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، ولكنها يا للأسف غير كافية لتغيير وجه تركيا المظلم، ووصفها بأنها دولة تحترم المعايير الدولية لحقوق الانسان.

لو ان السيد اردوغان عاد بالتاريخ الى فترة زمنية اخرى لا تزال حية في ذاكرة ملايين الارمن، الى احداث عام 1915، واستخرج الوثائق التي لا حصر لها والمتعلقة بإبادة الارمن من ارشيف السلطنة العثمانية، وقدم اعتذاره العلني للشعب الارمني الذي كان ضحية تلك الابادة، لاكتملت خطوته واتسمت بالجرأة التاريخية.

ومن هذه الوثائق “الكتاب الاسود” لطلعت باشا، وهي مذكرات يؤيد فيها طلعت بالوثائق الدامغة حملته الرامية الى استئصال العرق الارمني خلال 1915 – 1917، لانها حصلت في عهد السلطنة العثمانية، وتعتبر تركيا الحالية وريثتها الشرعية.

هذه الوثيقة التي تعتبر الاهم في وصف تدمير الارمن في السلطنة العثمانية، تضم عددا كبيرا من البرقيات الصادرة عام 1915 عن طلعت باشا، وزير الداخلية التركي في تلك الحقبة، والتي تدعو الى ترحيل جماعات السكان الارمن، وتستفسر عن حال مواكب المرحلين، وتعطي تعليمات للقيام بالمزيد من اعمال الترحيل والقتل.

ان هذه الوثائق كفيلة بالاجابة عن اسئلة كثيرة في صدد السلطة المسؤولة عن التقارير العثمانية. هذا الكتاب الذي لم يكشف عن محتواه عندما كان طلعت على قيد الحياة، ضمت صفحاته السبع والسبعون قسما اساسيا عن ترحيل الارمن خلال 1915 – 1917. وقد احتفظت ارملته خيرية بمذكراته عقب اغتياله في 1921 ببرلين على يد شاب أرمني، انتقم لمقتل عائلته على يد الاتراك العثمانيين. وقبل وفاتها اعطته للمؤرخ التركي مراد بردقجي في 1982. وقد تطرق آرا صرافيان المؤرخ المتخصص في تاريخ العثمانيين الى هذه الوثائق في تقرير مفصل اعده عام 2011.

نشر السيد بردقجي اجزاء من الكتيب في صحيفة “حرييت” التركية عام 2005. اما العرض الكامل فلم ينشر حتى نهاية 2008.

وتتضمن هذه الوثائق، بحسب المذكرات، قوائم بأرقام السكان الارمن. فقبل 1915، كان يعيش، بحسب الوثائق 1,256,000 ارمني في السلطنة العثمانية. وبعد عامين، هبط العدد الى 284,157، كما يؤكد السيد بردقجي.

الارقام الواردة في “الكتاب الاسود” تجيب عن بعض الاسئلة الاساسية المتعلقة بالابادة الجماعية الارمنية. ويتعلق اثنان منها بطبيعة الترحيلات الحقيقية التي جرت عام 1915، وبمصير هؤلاء المهجرين النوعي عندما اقتيدوا عبر صحراء دير الزور السورية، وهي احدى المناطق الرئيسية المحددة لاعادة الاسكان.

وبحسب آرا صرافيان تناقض معلومات طلعت باشا الأطروحة التركية الرسمية القائلة بأن الترحيلات كانت عملا منظما خاضعا للقوانين والانظمة العثمانية، او ان المرحلين تم اسكانهم حاليا بنجاح في دير الزور. كما يبين “الكتاب الاسود” العائد لطلعت باشا (والكلام لصرافيان)، وبصورة مثيرة للاهتمام، ان عدد الارمن في السلطنة العثمانية كان اكثر بكثير مما تفترضه الارقام الرسمية. وتظهر هذه الارقام بوضوح ان عمليات التهجير كانت بمثابة حكم بالاعدام.

ويشير صرافيان الى ملاحظة وردت في الكتاب لطلعت باشا تقول: “يذكر احصاء 1914 (الموافق لعام 1330 هـ) 1,187,818 ارمنيا غريغوريا (ارثوذكسيا)، و63,967 ارمنيا كاثوليكيا من دون الاشارة الى البروتستانت) بحيث يبلغ المجموع 1,256,403 (1,251,785 كذا). اذا زاد احدهم بدافع الحذر (من المحتمل جراء النقص الحاصل في الحساب) 30% الى الارقام المتوافرة بين ايدينا، فان العدد الصحيح للارمن في 1914 يمكن اعتباره 1,500,000، وان عدد الارمن المتبقين في الولايات المتحدة 284,157 بينما ينبغي ان يتراوح ما بين 350,000 و400,000 شخص”.

ونحن في انتظار نشر الوثائق التي تتعلق بسرقة الممتلكات الارمنية وتدميرها من منازل وكنائس وأديرة وتغيير معالمها الاثرية عن عمد في محاولة لطمس كل الدلائل التاريخية التي تشير الى وجود الارمن في تلك المنطقة فترة تزيد على الثلاثين قرنا. اضافة الى تغيير اسماء قرى وبلدات ارمنية في تركيا في ثلاثينات القرن العشرين، وهو ما يتعارض مع المادتين 38 و44 من اتفاقية لوزان لعام 1923، حيث تعهدت تركيا حماية حقوق الاقليات. ثم استمرار هجرة الارمن حتى بعد وصول اتاتورك الى الحكم وقيام دولة تركيا الحديثة، وكذلك هجرتهم من لواء اسكندرون عام 1939.

ألا يستحق كل هذا تقديم اعتذار تركي؟

اذا كانت تركيا فعلا تعيش نضجا سياسيا وديموقراطيا كما تدّعي، وهي توزع النصائح يمينا ويسارا حول الديموقراطية واحترام حقوق الانسان، اذا، لا بد لها ان تعود بالذاكرة الى العام 1915 وتعترف بالجريمة التي ارتكبتها السلطنة العثمانية وذهب ضحيتها المليون ونصف المليون شهيد ارمني والتعويض على الشعب الارمني خسارته المادية والمعنوية.

فيرا يعقوبيان

المديرة التنفيذية للهيئة الوطنية الأرمنية في الشرق الأوسط

Leave a Reply

Your email address will not be published.