أرمن سوريا يتذكرون السفرجلة التركية

هذا الكتاب يحتوي على سيرة ذاتية تخص أسرة مقديسيان الأرمنية ويغطي فترة زمنية تمتد لما يقارب المئة عام، وأصل هذه الأسرة من كيليكيا (أرمينيا الصغرى) ـ قضاء جيهان ـ دورت يول، وهي واحدة من عشرات ألوف الأسر الأرمنية التي عانت من سياسة الابادة الجماعية والترحيل والابعاد والذل والهوان والقتل صبراً والحرمان والجوع والرعب والترويع وتواطؤ الأجانب وبيعهم لدماء الأرمن في أسواق النخاسة وبأبخث الأثمان، وطردت من أرض أجدادها الذين وصلوا الى أرمينيا منذ ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد دون ان يعتدوا على أحد ودون ان يسرقوا أرض أحد ولا مال أحد ولم يكونوا في يوم من الأيام عالة على أحد، نزلو في سفوح وسهول آراراد ومنابع دجلة والفرات وجاوروا اورارتو التي أحبتهم وانصهروا بها سلماً، وكان أول اتحاد انساني سلمي وراقي، لم يسجل التاريخ يوماً أنهم اعتدوا على أحد أواستعمروا أحد أو استعبدوا أحد أو سرقوا أحد.

فلقد كانوا مسالمين من نوع متفرد، أحبوا السيد المسيح وتحولوا حكومةً وشعباً الى الديانة المسيحية في العام 301 ميلادي، قبل روما وقبل أي مملكة، ونشروا الدين المسيحي في مناطقهم وفي المناطق التي تعرف اليوم بإسم جورجيا وروسيا وأذربيجان وبلاد فارس في الجنوب الشرقي وبلاد الهند وما جاورها في الشرق، ودفعوا أنهاراً من الدم في سبيل الحفاظ على العقيدة الجديدة ومحبة الإله الخالق الواحد الأوحد وعبادته ونبذ أصنام فارس وآلهة الرومان وعبادات النار، فزحفت عليهم فارس من الشرق لإخضاعهم بالحروب وبالقوة وبالحديد والنار لإعادتهم الى العبادات السابقة مرات كثيرة دون جدوى، وفعل الروم ما فعله الفرس وعلى نحو أشد وايضاً بدون فائدة، بل حدث العكس، فلقد انقلب الروم من الوثنية الى المسيحية، وبالنتيجة خسر الأرمن معظم شبابهم في الحروب في الشرق وفي الغرب وكادوا أن ينقرضوا.

وجاء الفتح العربي لأرمينيا وما جاورها فلم يجد القائدان العربيان سراقة بن عمرو وعياض بن غنم أي جيش لمحاربته، ورفض الأرمن الدخول في الاسلام، ورفض العرب محاربة النساء، واحتكموا للفاروق عمر بن الخطاب وكان في زيارة للقدس فأوفد الأرمن البطريرك أبراهام لمقابلته، فأعطى الفاروق للبطريرك أبراهام العهدة العمرية وفيها صنوف من التسامح والتساهل والعدالة والانسانية وخصال الخير التي لم تتوفر في أي فاتح لا من قبل ولا من بعد والله أعلم، فلقد قدّر الفاروق وضع الأرمن وكان رحيماً معهم فكانت معاهدة الصلح بين العرب والأرمن وجاء فيها:

1ـ تعفي الدولة العربية ارمينيا من الجزية خلال ثلاث سنوات

2ـ على الأرمن بعد مرور ثلاث سنوات ان يدفعوا الجزية قدر ما يريدون؟؟؟!!!

3ـ يحق لأرمينيا ان يكون لها جيش مؤلف من خمسة عشر ألف فارس ينفق عليه الأرمن من حساب الجزية؟؟؟!!!

4ـ لا يدعى هذا الجيش للعمل في بلاد الشام

5ـ على الجيش الأرمني كحليف للدولة العربية ان يحارب الى جانبها ضد الاعتداء عليها من الخارج.

6ـ ان الجيش الأرمني يكون صاحباً لقلاعه ضد هجمات العدو وبنوع خاص ضد هجمات الروم.

لم يعرف الأرمن فاتحين أرحم من العرب، فلقد توقفت الحروب وتوقفت شلالات الدماء من الشعب الأرمني، وعاد تقريباً التوازن الديموغرافي للجنس في الشعب الأرمني، بعد ان تناقص عدد الذكور وانحدر الى معدلات خطيرة جداً نتيجة للحروب التي لم يعلنها الأرمن على أحد ولا مرة واحدة، خاصة وان الديانة المسيحية لا تسمح بتعدد الزوجات لتعويض النقص الذي تسببه الحروب، وبقي الحال على ما هو عليه من سلام وازدهار وتعاون، لدرجة ان العلماء والاطباء العرب كانوا يتعاونون مع العلماء والاطباء الأرمن في الأبحاث العلمية بنواحيها المختلفة وخاصة الطبية لأن الشريعة الاسلامية تحرّم تشريح الجثث، وكان العلماء والأطباء من الأرمن لا يجدون أي حرج من زملائهم العرب الذين كانوا يطلقون عليهم أسماء وألقاب عربية، وبقي إذاً الحال على ما هو عليه من سلام وازدهار حتى اضطر العرب الى الجلاء عن أرمينيا في أواخر العصر العباسي، لأن أراضي الدولة العربية أصبحت في دائرة الخطر، وودع الأرمن الفاتحين بالأزهار والورود والدموع، ودعوهم بالدموع لأنهم تنبؤوا بالتوالي:

فلقد تم دمار آني عاصمة أرمينيا وضاع استقلال أرمينيا الأم عام 1071 ميلادية على يد السلاجقة الأتراك فكانت موجة نزوح مروعة باتجاه الغرب حيث نجمت عن حادثة سقوط العاصمة وموجة النزوح خسائر بشرية هائلة، مروراً بمجيء المغول وجنكيزخان الذي جاء من نفس المكان الذي جاء منه من سبقه وكان يسلّم على سابقيه حيث لم تسلم من فضائله كل خراسان وشمال الهند وفارس وأرمينيا والعراق وبلاد الشام، وجاء بعده تيمورلنك الأعرج الذي ترك سابقيه في منتصف طريق الفضائل أو أقل، فلقد قام الأرمن في معمورة العزيز او الدربند بإلباس أطفالهم ملابس بيضاء ووضعوا بأياديهم ورود حمراء لإستقبال الفاتح العظيم واتقاء شروره، فما كان من هذا الفاتح إلاّ الردّ على هذا الاستقبال بإستقبال آخر دموي ومفجع، فلقد أمر فرسانه بعقر بطون الأطفال بسنابك الخيل، وتتالت الابادات وتعاظمت وكان لسقوط القسطنطية عام 1453 ميلادية، أثر مروع فلقد سقط آخر أمل لدى الشعب الأرمني بأن يجد معين أو نصير…

وعاش الأرمن تحت الاحتلال عيشة الذل والمهانة، إبادات تتلوها إبادات حتى جاء السلطان الأحمر عبد الحميد الثاني فروّع أهل زيتون وصاصون بثلاثمائة ألف قتيل، فآزر الأرمن جماعة الاتحاد والترقي والأكراد والأحزاب الثورية النهضوية العربية فتمخض هذا التحالف عن اسقاط الطاغية عبد الحميد وعزله، وكوفئ الشعب الأرمني بمجزرة أضنة المروعة عام 1909 وصبر الأرمن على ما هم فيه من البلاء، حتى توجّ جماعة الاتحاد والترقي أمجاد التراكمات اللا انسانية بمجزرة مروعة، وابادة جنس هائلة، ذهب ضحيتها مليون ونصف قتيل أغلبهم قضى بدون معرفة السبب حتى ولو كان يندرج في لائحة الاسباب الغير مقنعة للأتراك انفسهم، وضاع وطنهم وذهب ملكهم وبيوتهم ومزارعهم ودورهم وكنائسهم ومدارسهم وكرومهم وبيارات البرتقال وحقول الحنطة وكل مواسمهم وزرعهم وثمارهم على الشجر، وضرعهم وماشيتهم والخرفان والماعز، ومحارثهم وثيرانهم وعرباتهم وخيلهم، ومالهم وسندات ملكيتهم ومدخراتهم وذهب نسائهم، ونسائهم وأطفالهم وبناتهم…

ولم يبق منهم إلاّ بعض التجمعات الانسانية لبشر هائمين على وجوههم في الصحارى والغبار يلتفون ببعض الخرق البالية لستر عوراتهم التي تم هتكها وأعراضهم، تم هتكها من قبل اخوتهم في الانسانية جموع الترك والكرد والشركس واللاظ والتركمان وآخرون يعتقدون جميعاً أنهم يعبدون الإله الواحد القهار الذي تخلى عن الأرمن في محنتهم المروعة هذه.

هناك سبب دفعني لكتابة هذه القصة أو السيرة الذاتية لآل مقديسيان (هذا المشروع الذي كان متوقفاً منذ سنين بعيدة بسبب صعوبة الحصول على المصادر والمعلومات حيث كان الحصول على معلومة ما أو اسم صحيح يعادل العثور على ابرة في جبلٍ من القش) والسبب الذي دفعني لإعادة كتابة هذه القصة والخوض في غمارها، هو مقالة نشرت في صحيفة صباح التركية بعنوان تركيا قلقة على أمن وسلامة الأرمن في سوريا بسبب الأحداث الجارية!!!.

وبعد قراءتي لترجمة المقال… تذكرت شيئين مكملين، الأول هو آل مقديسيان والثاني هو السفرجلة التركية، فعزمت على الدخول في هذه المعمعة الشاقة للتاريخ أولاً ولكشف جزء يسير من الحقيقة ثانياً؟

آرا  سوفاليان

دمشق في 01 حزيران 2011

في خريف العام 1978 وفي رحلة عائلية جمعت ما تضمنته اربعة سيارت اثنتان منها تجمعنا وأصحابها صلة قرابة والرابعة وتجمعنا وصاحبها وأسرته صلة صداقة ومحبة، وهو السيد فاروجان مقديسيان صديق والدي، وزوجته آراكسيا مقديسيان وأولاده و… وأمه، الجدة مقديسيان.

والسيد فاروجان هو صديق حميم لوالدي ويشترك معه ومع اخوتي في هواية لا أحبها بالمطلق وهي هواية الصيد، وكنت أذهب معهم أثناء ممارستهم لهذه الهواية مكتفياً بجلوسي خلف المقود، دون أن أخفي مشاعري عن طريق توصيف هذه الهواية بأنها غير إنسانية بالمطلق دون أن يهتم لي أحد.

شاء الله ان يفارقنا والدي في 13 أيار 1977 واختار السيد فاروجان وعائلته أن تبقى المحبة بين العائلتين فكان يزورنا مع زوجته آراكسيا وأولاده ويخرج للصيد مع اخوتي الى ان تم ترتيب رحلة عائلية متضمنة رحلة صيد الى منطقة قيسا وعبّادة في أطراف غوطة دمشق.

وحدثت مفاجأة غير متوقعة فلقد اصطحب السيد فاروجان والدته وهي سيدة في أواسط الثمانينات من العمر، لم أراها من قبل، ولم أسمع عنها، ولم يتحدث عنها أحد أمامي.

أفرد الابن أريكة متطرفة أجلس والدته عليها ودثرها بمعطفه الجلدي وكان يحنو عليها وتتولى زوجته تقديم الطعام لها.

اقتربت من العجوز ومددت يدي بالتحية فلم ترفع يدها، وأقرأتها السلام فلم ترد، وجلست قربها على الأرض لأحدثها فلم تحدثني، نظرت في عيناها المتعبتين، فكانت تنظر الى الأفق بنظرة لا معنى لها، وملامح هادئة ولكن قلقة، لا يمكن تفسيرها، صمت وذهول ولا شيء آخر.

قلت للسيد فاروج… عمّاه… هل هذه أمك؟… قال نعم… قلت له ما بها؟ … قال: مريضة، قلت له ما هو مرضها؟ قال: مرض قديم وقد عاودها الآن…كآبة شديدة… ومضاعفات نفسية واحساس دائم بالرعب والخوف والهلع وكوابيس وأحلام وهروب وترحال وصراخ في الليل، هذا المرض النفسي هو رهاب يتحول فيه المريض الضحية الى سجين… قلت: سجين أي شيء؟ أجاب:  سجين الماضي… سألته: أي ماضي؟… قال لي: تعال لأحدثك.

أبي وأمي من لواء اسكندرون بعد العام 1921 ومن سكان دورت يول قبله … هل تعرف لواء اسكندرون؟… قلت له ومن لا يعرف لواء اسكندرون… اللواء السليب… هدية ممن لا يملك وهو الاستعمار الفرنسي الغاشم الى من لا يستحق وهو النظام الذي ورث الاستعمار العثماني السابق في أواخر الثلاثينات من القرن المنصرم، والمسألة برمتها كانت صفقة سياسية ذهب ضحيتها أبناء اللواء السليب ومواطنيهم من جموع السوريين وفيهم عدد لا يستهان به من الأرمن، تم تهجيرهم مرة أخرى فقصدوا ومن كان معهم سوريا وهي البلد صاحبة اللواء الذي حافظ على عروبته وأصالته منذ الفتح العثماني حتى يوم الكارثة، عندما وجد جموع المهجَّرين أنفسهم في العراء يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وتركوا خلفهم جنة الله على الأرض، وتوزعوا في حلب وفي مناطق الساحل السوري وخاصة كسب وما حولها التي كانت ستضيع أيضاً لولا وجود بعض الضباط الأرمن في الجيش الفرنسي، الذين تصدوا لهذه المهزلة وحالوا دون استمرارها، ولفتوا نظر قيادتهم والمندوب السامي الفرنسي إلى أن الاستمرار في منح المزيد من الأراضي السورية للأتراك سيؤدي الى وقوع من بقي من الأرمن في أيد جلاديهم، فتوقف الشطط الفرنسي عند حدود اللواء وضاع اللواء، وتبدَّل اسمه، وتبدلت اللغة المتداولة فيه بعد احلال سكان جدد لم يألفهم اللواء ولم يعرفوه من قبل، كما حدث في ماردين التي لم تعرف من قبل لغة متداولة في جنباتها غير اللغة العربية، لتتحول اللغة العربية بعد ضياع ماردين وتهجير ابنائها الى لغة أعجمية لا يعرفها إلاّ بعض الرهبان من الطائفة السريانية الذين تم نقلهم الى دير الزعفران من سوريا.

نعم نعم … ماردين ضاعت في العام 1915 وهي البلدة التي ينحدر منها جدك والد أمك وكان والدك رحمه الله يقول لي أن جدك أرمني الأصل ضاع في الحرب وربته أسرة ماردينية، أما اللواء السليب فلقد ضاع في العام1939 وكان عمري وقتذاك 6 سنين وأنا أصغر من والدك رحمه الله بسنة واحدة… أما ما سأحدثك عنه الآن فسيبدأ في دورت يول حتى العام 1915 مروراً بلواء اسكندرون حتى 23 تموز يوليو من العام 1939 مروراً بحلب الشهباء حتى العام 1956ثم الى دمشق برّ الأمان.

دورت يول

مدينة الأربعة طرق، وهي مدينة جميلة تقع في كيليكيا (ارمينيا الصغرى) كانت فيها أعداد كبيرة من الأرمن، وتشير الإحصائيات الى انه في سيس وهي عاصمة كيليكيا كانت هناك عشرات الكنائس التي تخصُّ الشعب الأرمني تم تدمير معظمها بالديناميت وسرقت زخائرها ونفائسها وتحولت الى أثر بعد عين.

كانت أسرتنا، أسرة مقديسيان تعيش في لواء جيهان قضاء دورت يول، وعرفت هذه الاسرة بآل مقديسيان نسبة الى كاهن ينتمي إليها ذهب لخدمة أرمن القدس وكنيستهم وعاد وهو يحمل هذه النسبة الصفة التي أكسبها لكل الأسرة، وكان في دورت يول حيّ مشهور يسمّى حيّ بيللي كاندرلي ومعنى هذه التسمية، حيّ صنّاع الأحزمة، وكان في الحيّ سوق مشهور فيه صنّاع الجلديات بأنواعها كالمعاطف والحقائب والأحذية والأحزمة وسروج وألجمة وعقال الخيول.

كان عميد الأسرة هو الحاج كارابيد مقديسيان جدنا، يبيع ويشتري العقارات والأراضي ولديه مشغل للجلديات ويملك أراضٍ كثيرة وأرزاق وبيارات برتقال وتفاح وكروم عنب وأشجار توت وتين وزيتون وتعمل في أراضيه عوائل كثيرة.

في صيف العام 1910 وفي أول يوم أحد حلّ بعد عيد الفصح وأزهار المشمش تكسو شجر دورت يول، ازدانت كنيسة العذراء المقدسة سورب آسدفادزادزين في دورت يول بالزينة والورود، فلقد كانت هناك مناسبة استثنائية وهي زفاف ميناس الأبن الوحيد للسيد كارابيد مقديسان على الآنسة مايرام كالاجيان من أضنة، وتحدث الناس طويلاً عن هذا العرس الكبير فلقد احتوت دارة مقديسيان على جموع المهنئين الذين توافدوا وعلى مدى الثلاثة أيام السابقة للعرس بعربات سفرية تجرها الخيول من أضنة وبوزنتا واسطمبول والأنحاء الغربية الأخرى للسلطنة، ودخلوا جميعاً الى حدائق الدارة من البوابة الرئيسية المحاطة بسور عظيم يفصلها عن الحيّ المسمى بيللي كاندرلي، وتولى الخدم انزال الحقائب وإيواء الضيوف، الذين توجهوا صباح يوم الأحد الى كنيسة العذراء المقدسة سورب آسدفادزادزين للأرمن الأرثوذوكس في دورت يول.

ظلت أجراس الكنيسة والكنائس القريبة تقرع حتى الظهر وظلت الأفراح سبعة ايام بلياليها وفرشت الموائد الى داخل السور وتوالت حفلات الرقص والدبكة على الطريقة الأرمنية  دوهول وزورنا وغناء وإنشاد ليل نهار ونصبت الموائد خارج السور حول الدارة لإطعام المساكين وخرج جدنا كارابيد لثلاثة مرات متتالية يرشق الفقراء والمساكين بليرات الذهب.

في نفس اليوم من العام التالي كانت مايرام أمي تحمل رضيعها ـ شقيقي الأكبر ـ كارابيد المولود حديثاً وتتجول به في حديقة الدارة وتجمع ازهار المشمش والليمون والبرتقال لتصنع لمولودها تاج من الأزهار تضعه على رأسه وحول ملابسه البيضاء الجميلة.

وفي العام 1913 رزق والدي بولد ثانٍ سماه آفيديس وهو اسم علم ومعناه “صعود السيد المسيح الى السماء” فصار لديه ابنين ذكرين كارابيد وآفيديس، وكارابيد اسم شهير لقديس أرمني يعود لأوائل العصر المسيحي الكنسي الأرمني وكان يحلوا فيما بعد للثوار الأرمن في أرمينيا الشرقية أن يجعلوا من القديس كارابيد شفيعهم، وكارابيد تكتب هكذا كارابيد ويكتبها الأتراك في أبجديتهم العربية التي تبرؤوا منها فيما بعد على الشكل الآتي:

“قره بيت” وقره هي كلمة تركية معناها الأسود وبالتالي كانت تكتب كلمة كارابيد على شكل قره بيت لتحقير صاحبها.

في العام 1914 بدأت غيوم الحرب العالمية الأولى تمر فوق السلطنة، وأستبعد الجميع أن يتم جرّ رجل السلطنة الى هذه الحرب لأن صاحب الدار أعلم بما تحتوي عليه داره، فلقد كان الجيش العثماني مهلهل وصدئ نخر فيه الفساد حتى العظم، وتسليحه ضعيف وبدائي.

ـ نعم ايها السيد فاروجان لقد قرأت عن الجيش العثماني، وعرفت انه جيش مهلهل كرجل القش، ومؤلف من تركيبات طائفيه غير متجانسة  حشدت قسراً وصبراً بحيث لا يمكن الاطمئنان لولائها، بالاضافة الى افلاس الخزينة العامة، وكان تمويل وامداد الجيش يعتمد على المصادرات والأتاوات ولم يكن هناك أي اعداد مسبق ولا خطط ولا تخطيط ، أما المعنويات فكانت متأثرة بالهزيمة المنكرة التي تمخضت عنها نتائج معركة صاري قاميش في الشرق عندما استطاعت حفنة من الشباب الأرمن انقاذ وزير الحربية انور باشا من الأسر والتنكيل، حيث تم حمله والهروب به الى الخطوط الخلفية، وقد اعترف الرجل بهذا الفضل ولم ينكره.

ومع ذلك فلقد استطاع ضابطين من سلاح البحرية الألمانية توريط السلطنة وجرّها الى الحرب عن طريق ادخال طرادين بحريين ألمانيين عبر البوسفور الى الموانئ التركية هرباً من السفن البريطانية و هما الطرادين غوبن وبرسلاو، وسبب هذا التصرف احراجاً كبيراً للسلطنة التي اختارت ان تقف على الحياد وبالتالي كان عليها وبموجب القانون الدولي استضافة الطرادين لمدة 24 ساعة لا غير، ولأن السفن البريطانية كانت تحتشد قبالة الموانئ التركية لم يكن بالامكان طرد الطرادين فأقترح بعض الوزراء وعلى رأسهم الأرمني أوسكان أفندي أو… فوسكان مارديكيان وزير البريد والبرق شراء الطرادين مع بحارتهما الألمان حيث تم انزال الأعلام الألمانية ورفعت الأعلام التركية بدلاً عنها وارتدى البحارة الألمان ملابس البحرية العثمانية وأعتمروا الطرابيش الحمراء في رؤوسهم ولبثوا حتى انقشعت الغمة فغادروا الموانئ التركية واتجهوا صوب البحر الاسود وقصفوا ميناء اوديسا الروسي، فأعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية فتحقق حلم الألمان في جرّ السلطنة الى آتون الحرب.

ـ نعم نعم لدي فكرة عن ذلك، وأعلم أنه في العام 1915 وعندما كان الأرمن في عموم السلطنة يعيشون تحت الاحتلال البغيض وقد نشب عصيان مسلح، وثورات  امتدت من الامصار البعيدة للسلطنة كالحجاز، ووصلت الى عاصمتها اسطمبول، وحدثت اشتباكات في خطوة يائسة للدفاع عن النفس في الولايات الأرمنية الشرقية وأهمها فان، وفي بعض مناطق كيليكيا في الغرب وأهمها ثورة أرمن جبل موسى تلك الثورة التي سجلها التاريخ بأحرف من نور، وأهل جبل موسى جيراننا كانوا يعيشون في لواء الاسكندرونة، و هربوا بأرواحهم عبر البحر بواسطة سفينة فرنسية أقلتهم الى الاسماعيلية وهم الآن في مجدل عنجر في لبنان وفي ارض اشتروها وحولوها الى جنة وفيها زرع وشجر وحدائق وبيوت وعمارات ومحلات ويافطات باللغة الأرمنية ونصب وتماثيل وكنائس ونوادي ومدارس أرمنية في غاية الروعة.

ـ نعم لقد زرتها من قبل واعتقدت أنني في أرمينيا لولا أنني كنت أشتري وأدفع بالليرة اللبنانية،  دعنا نعود الى دورت يول لكي لا يتشعب الحديث أكثر فنضيع.

ـ حسناً في شتاء العام 1914 حدثت جريمة قتل في دورت يول ذهب ضحيتها سبعة من شباب الأتراك، وتم التمثيل بجثثهم وربطوا على الأشجار وتركوا حتى صباح اليوم التالي عندما تم اكتشاف الجريمة، وسبب الجريمة الخلاف على شراء الطريق، فلقد كانت دورت يول ملتقى لأربعة طرق وكانت فيها بعض العصابات المسلحة التي تمتهن قطع الطريق و تفرض الأتاوات على مرور قوافل التجارة تحت طائلة نهب القافلة التي لم يدفع صاحبها الأتاوة المفروضة مسبقاً، وكان رؤساء هذه العصابات يتناوبون على شراء الطريق من الحكومة، وحدث في ذاك اليوم أن هناك بضاعة ستعبر خارجة من دورت يول وفي جملتها بضاعة لجدنا كارابيد الذي أوفد ثلاثة من رجاله لمرافقة البضاعة الى جهة التسليم التي تقع خارج دورت يول، وهم فارتان المحاسب وهو أمين سره ويده اليمين، ويصحبه الأخوين حكمت ورفعت وهم من عمال ورشة الجلديات الأشداء، وعند وصول القافلة خرج بعض المسلحين لقبض الأتاوة، ورفض فارتان الدفع لأن الاسماء تغيرت والاتفاق هو مع آخرين يعرفهم وهم ليسوا هؤلاء، وتبين بعد ذلك أن رجال الدرك باعوا الطريق في نفس الوقت لعصابتين مختلفتين ووصلت العصابة الثانية مسرعة وقبضوا من فارتان ويسروا له ولمن معه سبيل المرور، وحملوا على العصابة الأولى فأثخنوا بها وحدث اطلاق نار ثم عراك بالأيدي وبالسلاح الأبيض، وكانت النتيجة سبعة قتلى تم التمثيل بجثثهم وعلقوا على الأشجار.

في اليوم الثاني وردت أسماء فارتان وحكمت ورفعت على انهم كانوا في مسرح الجريمة عند وقوعها واقتيدوا الى دار الحكومة، وتم ضربهم وتعذيبهم حتى سالت دماؤهم وتناثر لحمهم فاعترفوا بما اسند اليهم وأعلنوا عن ندمهم لإقتراف هذه الجريمة وطلبوا العفو والرحمة والمغفرة والصفح…واستطاع جدنا الاجتماع بالأطراف الأربعة زعيمي العصابتين وبالمتصرف ورئيس الشرطة وعرض ان يدفع دية القتلى مجتمعين وان يدفع مبلغاً مماثلاً للأطراف الأربعة السابق ذكرهم مقابل اطلاق سراح فارتان وحكمت ورفعت، ورضخ جدنا للابتزاز فلقد تم رفع المبلغ المتفق عليه عدة مرات ورفض الأطراف الأربعة في النهاية أن يوقعوا على اتفاق مكتوب وادعوا أن ما يصدر عنهم هو أكثر من كلمة شرف، وعاد جدنا بصحبة عماله، وفي عشية اليوم التالي تم احراق بيته من قبل محتجين شاركوا اساساً في الاقتتال الذي أدى الى الجريمة المشار اليها، فاستطاعوا وبجدارة الحصول على نصيبهم من المولد وتمكن جدنا من شراء شرورهم.

ترك فارتان المدينة دون علم أو خبر الى جهة غير معروفة وضاعت أيضاً آثار الأخوين حكمت ورفعت اللذان كان يخشيا القتل فأرسلا رسالة الى جدنا يطلبون فيها بعض المال، وطلبوا منه أن ينظر الى عائلتهما بعين العطف طيلة مدة غيابهما، فأنقدهما أكثر مما طلبوا وكان أميناً وحريصاً على عائلتهما كحرصه على عائلته الى درجة ان عربة المؤن تقف في باب آل مقديسان فيتم تفريغ نصفها ليتم تفريغ النصف الآخر على باب عائلة حكمت ورفعت اللذان غادرا دورت يول الى جهة لا يعرفها أحد.

في آذار من العام التالي 1915 أدرك أهل دورت يول من الأرمن ان الساعة قد حانت وكان عليهم مفارقة المدينة التي أحبوها وجبلوا ترابها بدمائهم وأنشأ أجدادهم في جنباتها مملكة أرمينيا الصغرى “كيليكيا” وتلقوا فيها الضربة المروعة الأولى من الصليبيين الذين حولوا كيليكيا الى سلة غذائهم وارزاقهم فنهبوها وجندوا ابنائها قسراً في خدمة المعركة عموماً وأهدافهم الاستعمارية خصوصاً ولعبوا على حبل الدين عندما طرحوا هدف الحملة وهو “تحرير بيت المقدس”  فتمكنوا من توجيه الضربة المروعة الأولى للأرمن عن طريق زجهم في معركة عبثية لم ينتفعوا منها في شيء اللهم إلاّ  شراء أرث العداوة، وتمكن الأتراك فيما بعد توجيه الضربة المروعة الثانية للأرمن في معرض محاربتهم للصليبيين وحلفاؤهم مما أدى الى طرد الصليبيين بإتجاه اوروبا وبقي الأرمن حيث هم يسددون الحساب ويحملون أوزار الغير وذنوبه، فلقد انتقم الأتراك من الأرمن شر انتقام دون ان يدركوا ان أرمن أرمينيا الصغرى “كيليكيا”، كانوا ضحية استعمار مستتر بثوب الدين وكان أرمن أرمينيا الصغرى لا يملكون من أمرهم شيء لأنهم كانوا واقعين وبلدهم تحت الاحتلال و القمع الصليبي الوحشي المستتر بعباءة الدين، فكانوا مجبرين على رفع الرايات البيض أولاً، ثم الانضواء تحت علم المستعمرين ومبايعتهم فكانوا بعد انهزام الصليبيين محل الترويع والانتقام وهم لا يملكون من أمرهم شيء ولم ينتفعوا من هذا في شيء فتلقوا الضربة المروعة الثانية في حين عاد الصليبيون الى اوروبا ودخلوا مدنهم وقصورهم ولم يخسروا أي شيء.

والآن والضربة المروعة الثالثة تلوح في الأفق ولم ينقض الربع الأول من العام 1915 إلاّ وقد أدركوا أن عليهم ترك كيليكيا وترك أراضيهم وكرومهم ومزارعم وماشيتهم ومنازلهم وذهب نسائهم ومقتنياتهم وحوائجهم، وكنائسهم والرحيل بإتجاه الجنوب الشرقي في رحلة إبادة مروعة وبلا عودة.

وكانت في آواخر القافلة التي سميت بالقافلة الأولى عربة يجرها حصانين ويقودها والدي ميناس ويجلس الى جواره جدي كارابيد وفي الخلف تجلس والدتي مايرام وهي تحتضن شقيقي كارابيد الصغير وآفيديس وتجلس الى جوارها، السيدة كيغوهي زوجة جدنا كارابيد، ووالد أمي السيد كيفورك حالاجيان ووالدتها السيدة ترواندا وشقيقها تافيت 15 عام، وشقيقتها آناهيد ذات الأربعة عشر ربيعاً.

وتوقفت السوقية بعد مسيرة ساعتين وعلى الصياح والهرج والمرج ونداءات الاستغاثة، فلقد تعرضت السوقية لهجوم التشاتا (قطاع الطرق).

وحاول والدي الهرب عن طريق إثارة الجياد، فلمع نصل سيف إخترق جنبه الأيمن تلته صرخة توقف أيها الكافر، فوقع والدي على الأرض وأمسك عجلة العربة الأمامية اليسرى بكلتا يديه وصرخ على الحصانين ليقفا في مكانهما خوفاً من أن يصعدا بالعربة فوق جسده، ووضع يده في جنبه وأخرجها مدماة.

وجذب أحدهم جدي كارابيد من يده فأوقعه على الأرض وحز رقبته بالخنجر وقطع حزامه واستولى عليه، وتولى آخر الصعود الى العربة وزميله ينتظر في الأسفل وهو يمتطي حصاناً متمرداً، لا يتوقف عن اصدار صهلات مرعبة ويرفع قائمتيه الأماميتين الى الأعلى يحاول رمي فارسه، وكأنه يستنكر ما يحدث ولعله حصان مسروق من اسطبل يعود لأرمني.

وكانت السيدة ترواندا تجلس على صرة كبيرة من الملابس تخفي فيها بعض المال فسحبها المجرم من يدها ورمى بها الى خارج العربة ليعاجلها صديقه بضربة سيف فيقطع عنقها، في حين أمسك الأول الصرة بيده اليسرى ونظر بإتجاه السيد كيفورك، الذي أسرع لإحتضان ابنه تافيت فعاجلهم المجرم بضربة سيف شجت رأس الأب والابن معاً ففارقا الحياة على الفور فأسرع للإمساك بيد الصبية اناهيد ودفعها لزميله الذي أجلسها أمامه على الفرس، ونظر بعينان يطير منهما الشرر صوب والدتي مايرام وشقيقي كارابيد الصغير وآفيديس في حضنها، فدفعت أمي بعلبة مصاغها المغطاة بشال من القماش وقالت له: هذا مصاغي الذهبي إنه لك… اتركنا لوجه الله انا والطفلين… فوصل للتو فارس ثالث قال لذاك الذي كان في وسط العربة والسيف في يده… اترك هذه الأم وطفليها يا نجدت فهي من نصيبي.

وفي الوهلة الأولى لم تدرك أمنا مايرام ما حدث، ورأت الفارس وقد وضع يده على فمه يأمرها بالتزام الصمت فصمتت وحدقت في عيني الفارس فكان رفعت الذي أردفها خلفه على الحصان وولديها في حجرها وانطلق بها وهي تصرخ… لقد قتلوا أمي وأبي وأخي وحماتي وخطفوا شقيقتي الصغرى، ولا بد أنهم قتلوا زوجي وعمي… فأجابها رفعت… لقد قتلوا معلمنا الحاج كارابيد… لقد جئنا لإنقاذه، بعد ان علمنا من كاهن القرية ان الحاج كارابيد وعياله في السوقية، ولكن الموت سبقنا اليه أما زوجك فهو جريح وقد ذهب به شقيقي حكمت الى مكان اتفقنا عليه… الزمي الهدوء يا سيدتي وتوقفي عن الصراخ لأن صراخك هذا قد يكلفنا حياتنا جميعاً… لقد قمنا بما قمنا به ونحن نعلم أننا نعرض أنفسنا انا وأخي الى موت محقق ولكن لعمك كارابيد دين في أعناقنا وعلينا رده على الرغم من موجة الجنون الشاملة التي اجتاحت شعبنا ضدكم.

حصانان وفارسان ورجل جريح تم طعنه بالسيف في خاصرته وزوجة تحمل طفليها ومقبرة بعيدة خارج البلدة محاطة بسور متهدم ورخامة قبر يتوسطها صليب أسود وأسماء أرمنية هي كل ما بقي من دائرة الموت هذه.

رفع حكمت رخامة القبر وطلب من والدي ووالدتي النزول… فنزل والدي في درج حجري دائري مقلقل و غير متناسق يوصل الى ما يشبه الزنزانة تحت الأرض وتبعته والدتي ومعها شقيقي كارابيد وآفيديس وتناهى اليهما صوت حكمت قائلاً … هناك قداحة فتيل وشمعة وجرة ماء وبعض الطعام… سنعود الى المكان الذي جئنا منه لنثبت وجودنا، ثم نعود اليكم بعد ان تنتهي مهمتنا فلا نعرف ان كانت هناك سوقية أخرى لهذا اليوم أم لا، اما بالنسبة لشقيقتك الصغرى فيمكنني شراؤها والاتيان بها في الغد إن شاء الله… لا تخرجوا من هنا لأي سبب كان ولا تتحدثوا إلاّ همساً ولا تدعي الأولاد يبكون من باب الحيطة لا غير… فهذا المكان آمن ولكن لا أحد يعلم ما تخبئه الأيام القادمة، هذا المكان قد آوانا عندما كنا عرضة للموت أنا وأخي وسيآويكم أنتم أيضاً الى ان نتدبر الأمر… اعلموا ان سوقيتكم كانت ذاهبة كلها للموت ولقد تم بيعها لسيدنا الذي نعمل حالياً عنده والذي اتفق مع الدرك ان يتركوا السوقية لنا ويذهبوا عند وصولها الى المكان الكمين،  ولولا اننا علمنا بالصدفة من كاهن القرية أنكم في السوقية لكنتم الآن جميعاً في العالم الآخر… نأسف لأننا لم نتمكن من إنقاذ الحاج كارابيد فلقد كانت للرجل مواقف مشرفة معنا ولم يقصّر أبداً، فلقد سبق له ان اشترى حياتنا من الظللام وهم للأسف أهلنا… والحمد لله اننا استطعنا رد جزء من معروفه… والآن اعلموا انه إن لم نعد حتى الغد فعليكم الخروج من هنا والنجاة بأنفسكم لأن أمرنا يكون قد انكشف.

وسمع الجميع صوت عودة رخامة القبر الى مكانها، وبحثت مايرام أمي عن الفتيل وبعد قليل كان ضوء الشمعة يضيء هذه الزنزانة التي اعتقد الجميع ووالدي منهم وعلى الرغم من جراحه بأنها قطعة من الفردوس، ورفض والدي فك حزامه ورفض أن تعاين زوجته الجرح الذي أصيب به ولكنها عرفت ان النزف قد توقف، أخذت بعض كسرات الخبز اليابس وبللتها بمياه الجرة وأطعمت شقيقي واستسلمت هي ووالدي لنوم عميق.

دخل ضوء الفجر من حافة الرخامة وتناهي الى السجناء صوت رفعت يطلب منهم الصعود فلقد جلب الطعام للسجناء قي زوادة، ووضعه على مائدة قريبة جداً ومنخفضة وهي سطح القبر المجاور الذي تغطى بالزوادة التي تحولت الى سماط.

لم يستطع السجناء الأكل فلقد كان رب البيت مصاباً وقد أشتدت عليه الحمى، ووضع رفعت منديله المبلل بالماء على جبهة والدي وطلب من الجميع العودة الى الزنزانة ريثما يحضر الدواء، وعاد ومعه رذوذ أصفر اللون وضع منه فوق الجرح، وأخرج برشامة بيضاء من مطربان زجاجي وضعها في فم أبي وأخرج جردل الماء السفري الملفوف بالخيش الرطب من خرج الحصان وناوله لوالدي وقال له عليك تناول ثلاثة برشامات في اليوم حتى يفرغ المرطبان، وقال لأمي جرحه بسيط ولكن لا بد أنه قد نزف كثيراً في الطريق، ها هو الدم قد وصل الى  حذائه وتحول الى اللون الأسود،  سأذهب لأحضر له كبد خروف ليعوّض الدم الذي فقده.

ـ هل سألت عن أختي؟

ـ عليك نسيانها في الوقت الحالي، فهي صارت محظية عند حيدر بيك.

ـ محظية؟ … انها لم تبلغ الرابعة عشر من العمر بعد؟

ـ نعم محظية، وقيل انها أسلمت بإرادتها، وهذا بالطبع مستبعد، ولكنها شريعة الغالب التي تطغى على شريعة المغلوب.

ـ وماذا حدث لقتلانا؟

ـ ايها السيد ميناس، علمت انه تم حفر قبر جماعي قريب من مكان الحادث وتم دفن القتلى فيه، ولم ينجوا من الحادثة الا بعض الفتيات وكان تعداد السوقية يقارب المئة مرحّل.

ـ ومن الذي استولى على أغراضنا؟

ـ الغنائم تم  جمعها في بيت حيدر بيك وتم اقتسامها بين الكبار بنسب متفق عليها، والكبير يحاسب رؤساؤه ثم مرؤوسيه وقد عثروا على 100عصملية في حزام الحاج كارابيد.

ـ والعربة؟

ـ  كانت من نصيب الأخوة مجدي ومدحت ومحمود وكانوا هم من تولى مهاجمتها وقتل ناسها والحاج كاربيد منهم، رحمهم الله جميعاً.

ـ اسمع يا رفعت؟

ـ نعم ايها السيد ميناس؟

ـ في العربة وفي المقعد الذي كنا نجلس عليه انا والمرحوم والدي… هناك تجويف مغلق يوصل الى مستوعب يحوي كل أوراق الطابو المتعلقة بأملاك الوالد، أما المئة عصمليّة التي عثر عليها في حزام والدي فلدي مثلها هنا في حزامي وهي لك إن استطعت احضار اوراق الطابو هذه.

ـ ستكون هذه الأوراق في الغد عندك إن شاء الله، أما المئة عصملّية فأنا لا أريدهم، لأن فضل المرحوم والدك سابق وقد وعدنا الوالدة بأن نساعدك وعائلتك حتى النهاية، والشكر لله على سلامتكم، وها انت الآن ايها السيد ميناس في طريق التعافي، فالبارحة لم يكن بإمكانك التحدث معي.

ـ هل لي بسؤال ايها السيد رفعت؟

ـ نعم ايتها السيدة مايرام.

ـ هل سأتمكن من مشاهدة شقيقتي في يوم ما؟

ـ نعم نعم نحن نقول دوماً الله كريم.

ـ طيب ولكن لماذا اخترتم طريق الجريمة انت وشقيقك؟

ـ نحن ايتها السيدة مايرام جناحنا مهيض لأن والدتنا أرمنية الأصل وعلى الرغم من ان والدنا اختطفها وتزوجها عنوة، وقد اشهرت اسلامها فيما بعد… فنحن وحتى اللحظة يقال لنا أولاد الأرمنية، وأحياناً أولاد الكافرة، وقد لا تعلمين ذلك ولكن الحاج كارابيد يعلم و السيد ميناس يعلم أيضاً، وجاءت حادثة القتل التي تم اتهامنا بها، لتزيدنا ضعفاً على ضعف وكان الحل الوحيد هو العمل في بطانة حيدر بيك، وبالتالي استطعنا العودة الى بيتنا وتركنا هذا القبر والعرزال الجبلي وحياة التشرد، واستعدنا كرامتنا في أعين ابناء قومنا، وانتهت معاناتنا، وهناك مثل شعبي تركي لا بد انك تعرفينه جيداً وهو: سأل أحدهم المسمار… لماذا تدخل في الجدار؟ فأجابه قبل أن تسألني أنظر لقسوة الذي خلفي، نحن تم تحويلنا الى مجرمين لأن الحق هو في جهة القوي، ولكن لعمك الحاج كارابيد فضل كبير لا ننساه، وانتم أخوالنا لأن أمنا أرمنية وهذا ما نحاول جاهدين إخفاؤه، دون ان ننكر أن أمنا قديسة وبارّة وهي ضحية لأنها جزء من شعبكم الضحية، والحمد لله على كل شيء.

وفي اليوم التالي استلم والدي اوراق الطابو المتعلقة بعقارات وأراضي والده كاملة وغير منقوصة، فلقد قال لنا حكمت انه لم ينتبه اليها أحد وان العربة تقبع في حوش حيدر بيك مطلية بالدماء المتيبسة، وقد استطاع حكمت الوصول الى مبتغاه متذرعاً بغسل وتنظيف العربة بمعاونة شقيقه رفعت بعد طلب الاذن بتنظيفها لإعادة استعمالها.

بعد اسبوع تماثل والدي ميناس للشفاء أما والدتي مايرام فلقد مرضت بهذا المرض الذي لازمها حتى اليوم… انظر اليها الآن… هي ترتعد من الخوف وتهمهم وتنطق بكلام غير مفهوم يتعلق بالابادة وما رافقها… اغلقوا الأبواب اختبؤوا … جاء الأشقياء … أسمع صوتهم… شفرات سيوفهم تلمع … انتبهوا للأولاد… انتبهوا للأولاد… انتبهوا للأولاد…  أيها السيد المسيح ارحمنا بشفاعة والدتك العذراء مريم الطاهرة المقدسة، ثم تبدأ بالصراخ وعند ذلك أذهب انا أو زوجتي لتهدئتها وننهض ليلاً ندخل إليها في غرفتها خوفاً من ان تخيف أحفادها أو أن يصل صوتها للجيران فلقد سبق ان تسببت لنا بمشاكل مع الجيران إلى درجة أن أحدهم وهو جار جديد اتصل ليلاً بالشرطة، وطلبت زوجته من زوجتي أن نذهب بوالدتي إلى مأوى العجزة أو دور رعاية المسنّين، وهذا ما لن يحدث لطالما أنه بقي بي نفحة من روح.

ـ لقد تم اعداد طعام الغذاء وسرقنا الوقت أنا والسيد فاروجان مقديسيان فانتصف النهار وضاع نصف المشوار، وتناهت الى مسامعنا أصوات النسوة فكانت السيدة آراكسيا  زوجة السيد فاروجان تطلب من زوجها الحضور قبل أن يبرد الطعام وكانت تلحْ وترسل أولادها الواحد تلو الآخر لقطع حديثنا و كذلك والدتي التي ارسلت شقيقتي في طلبي ثم أخي الصغير، وبسبب الإلحاح تم قطع هذا السجال واتفقنا انا والسيد فاروجان على متابعة هذه القصة الطويلة في أقرب فرصة ولم أتوقع أن تطول هذه الفرصة وتتعدد اللقاءات ويمرض السيد فاروجان ويلقى وجه ربه وتبقى الملاحظات التي سجلتها في مصنف متعلق متضمن في مكتبتي تنتظر وتنتظر الى ان صرفت النظر عن المسألة بسبب وجود فجوات كبيرة وأسئلة أكبر لا يمكنني أن أعثر على أجوبة لها، وعاد الموضوع يقرع ذاكرتي بعد اجراء ترتيبات روتينية لمكتبتي تجري مرة كل بضعة سنين، حيث اضطررت الى رمي كل النوطات الجامعية خاصتي والدفاتر المتعلقة واحتفظت بالكتب المطبوعة فقط، وعثرت بالمصادفة على الملاحظات التي تتعلق بقصة عائلة مقديسيان، فعاد الحنين وبرزت أسئلة صعبة لم أعثر على الاجابة عليها، ورسمت على اعادة العلاقات بمن بقي من آل  مقديسيان بعد خسارتي للسيد فاروجان، زرت العائلة واجتمعت بالسيدة آراكسيا التي لم تألو جهداً في مساعدتي على الرغم من ان السكري انهكها الى درجة لا تحتمل، وسبرت ما عندها من معلومات فتقلصت الفجوة، وفوجئت بوفاة السيدة آراكسي أو آراكسيا مقدسيان، وكانت خسارتي رهيبة لأنه سبق لي ان عملت معها في بعض الترجمات والتسجيلات وكانت السيدة آراكسيا قد سافرت الى أرمينيا الشرقية وزارت ناغورنو غاراباخ وعقدت بعض اللقاءات مع ثوار غاراباخ وكانت تقرأ لهم فصول من الانجيل وتحثهم على الثبات والشجاعة والاقدام والتحمل وقالت لهم ان كفاحكم المقدس هذا سيؤدي الى تحرير ناغورنو غاراباخ التي ستعود الى حضن الوطن الأم… ستعود كما عاد الخروف الضائع الى قطيع الخراف موضوع المثل الذي تحدث به السيد المسيح والذي انبثقت عنه صور زيتية رائعة فيها قطيع من الخراف والسيد المسيح يتوسط الصورة ويحمل الخروف الصغير الضائع وتزين اسارير وجه السيد المسيح في الصورة الزيتية ملامح الفرح والسعادة، لأنه عثر على هذا الخروف الصغير وأعاده الى القطيع.

كانت السيدة آراكسيا تحمل الانجيل بيدها وتصلي مع الثوار في غاراباخ، الثوار الأرمن الذين أضاعوا السيد المسيح والانجيل والكنيسة وكل قديسيها بعد ان تم غسل أدمغتهم وادمغة آبائهم من قبلهم بتجليات لينين وستالين فنشؤوا على تأليه لينين وتربيب ستالين وتحولت الشيوعية الى انجيلهم وصار التعبد جريمة والتضرع الى الخالق ضلالة والعماد ذنب لا يغتفر ودخول الكنيسة جريمة فكر، كانوا يطلقون عليها لقب الأم المقدسة، وهو نصف اللقب الذي كانت تذيل فيه كتاباتها القومية والسياسية في الصحف والمجلات الأرمنية في ارمينيا الشرقية وفي المغترب حيث كان يطيب لها ان تختم مقالاتها بكلمة الأم.

توفيت آراكسيا وكانت خسارتي كبيرة وفادحة لأن هناك علاقة روحية سامية بيني وبين هذه السيدة الجليلة، التي كانت في عمر والدتي فلقد كنا قد اتفقنا على تأليف كتاب يتعرض لسفرها الى أرمينيا في أواخر العهد السوفياتي ويتحدث عن ناغورنو غاراباخ وعن الثوار وعن ما حدث لها هناك ولكن سبقنا المرض وماتت السيدة آراكسيا ولم ننجز ما اتفقنا عليه.

وكانت هناك صداقة تربطني بإبنها الأكبر بيرج، ولكن هذه الصداقة لم تعد مفيدة لي الآن في معرض المساعدة للحصول على المعلومات، لأن بيرج مقديسيان قد هاجرالى الولايات المتحدة وكان يتردد في الزيارة ولم تعد لديه المصلحة الآن لا في العودة ولا في الزيارة بسبب وفاة والديه، وقد سلك طريق الهجرة كل أعمامه وأولادهم وأحفادهم، ولحقه شقيقه كيفورك وزوجته وأولاده، وبقي في دار الأهل الأبن الأصغر للسيد فاروج وهو السيد رافي مقديسيان، وتربطني به صداقة قديمة متعلقة بوالده ووالدته، وعرفت انه لا بد لي من تنشيطها للحصول على المساعدة المرجوة لإتمام هذه السيرة الذاتية، واتفقت مع رافي على التواصل، فكانت هناك لقاءات متعددة فيما بيننا يتخللها اتصالات هاتفية كثيرة فاجئني فيها بأنه يستطيع اعارتي ورقة الطابو التي اعطيت لجده ميناس عند شراءه لآخر قطعة أرض في مسقط رأسه في دورت يول في بدايات العهد الكمالي، فقلت له هذا شرف كبير تمنحني اياه فأنت تذكرني بوالديك، اللذان كانا يثقان بي ثقة هائلة، فهذا الكنز لا يمكن اعارته، لذلك سأعتذر عن اجابة طلبك لأني لا أريد تحمّل هذه المسؤولية الثقيلة لأنه سيأتي اليوم الذي سيكون لهذا الطابو الذي في حوزتك شأن بالنسبة للقضية الأرمنية، وبالتالي أرجو ان تمنحني بعض الوقت لأذهب الى منزلي وأعود مصطحباً الكاميرا الديجيتال الماكرو خاصتي والتي تعينني في طب الأسنان فأمام هذه الكاميرا اليوم فرصة نادرة تمنحني اياها فأسترد ما دفعته لشرائها وهو ثمن ليس ببسيط لأختار الصورة الأفضل وأرفقها بهذه المقالة وكان لي ذلك، واستطعت تصوير هذا الطابو لمراتٍ عديدة، واكتشفت بعد ذلك بأنه يجب عليّ العودة الى بعض الكتب في مكتبتي للإحاطة بالأحداث التي رافقت هذه السيرة الذاتية فلقد اكتشفت بأنني رميت نفسي في بحر من الأسئلة والمعلومات التاريخية والتي يجب عليَّ أن أعثر على أجوبتها كلها لأتابع هذا العمل أو أصرف النظر عنه، فكانت النتيجة المعروفة عنّي وهي متابعة العمل حتى نقطة النهاية.

اتفقت إذا انا والسيد فاروجان مقديسيان رحمه الله أن نتابع في أقرب فرصة وكانت أقرب فرصة هي زيارتنا القادمة لآل مقديسيان في منزلهم السابق في حيّ التجارة الدمشقي، وطلبت من السيد فاروجان متابعة القصة فسألني الى أين وصلنا في المرة الماضية فقلت: كنّا في ذلك القبر المخبأ الذي احتمى به أبوك الذي تماثل للشفاء، وأخواك الصغيران وأمك التي ابتليت منذ ذاك الوقت بهذا المرض.

نعم نعم كانت أمي في ذلك المخباً ترتعد فرائصها وتسأل والدي هل هناك قبور الى جوارنا؟ والى اين تم نقل الموتى الذين كانوا في هذه المغارة، وكانت إن نامت تستيقظ مذعورة فتقول لوالدي… هياكل عظمية لا بد أنها أشباح الموتى سكان هذا المكان الأصليين تطاردني، يقولون لي: من أرض الله الواسعة لم يعجبك يا مايرام إلاَّ بيتنا هذا، إذهبي من هنا أنت وزوجك وأولادك وأعيدي لنا ملكنا وهناؤنا.

وبعد اسبوع تمكن حكمت ورفعت من نقل والدي ووالدتي وأخوي الى عرزال في جبل قريب كانوا يستخدموه كملجأ مؤقت ومبيت قريب من قوافل التجارة والتهريب.

وبقي أهلي في هذا العرزال حتى بدايات الصيف، وكان يحضر كل من حكمت ورفعت مرة او مرتين في الاسبوع وينامون في العرزال عندما تكون هناك مهمة قطع طريق وكان والدي ينقدهم بعض المال فيحضرون معهم ما تيسر من أنواع الطعام وينهضون قبل شروق الشمس لينضموا الى رفاقهم من قطاع الطرق والكل يعمل تحت راية حيدر بيك.

وفي فجر يوم قائظ فتحت أمي عيناها وصرخت، فنهض أبي مذعوراً وسأل أمي عن سبب صراخها فأشارت بيدها صوب الجدار المكوّن من بعض العرائش والجذور الميته فرأى أفعى تنظر إليه ولسانها يخرج من فمها ويعود إليه، فنظر ابي الى أرض الغرفة حيث كان أخوي يفترشان أرض العرزال فرأى فرخ الحية وقد وقع بينهما والأم تطلب فرخها ولا يبدوا انها عدائية أو أنها تحاول مهاجمة أحد، وعند ذلك حمل أبي شقيقاي ووضعهما في زاوية أخرى وجلس بعيداً يتفرج، فنزلت الأفعى الأم والتف الفرخ حول أمه التي صعدت به وغادرت من نفس المكان الذي جاءت منه، فقال أبي لأمي… حتى في قلوب الزواحف، هناك رحمة لا توجد في قلب الانسان، هذه الأفعى تريد فرخها وقد استعادته ومضت وبالتالي فلا حاجة بها لمهاجمة أو ايذاء أحد بعكس الانسان الذي يقتل لمجرد التسلية.

حدثني حكمت بالامس أنه تعرض وجماعته لسوقية وصلت من بوزنتا ولم يكن في السوقية غير بعض الشيوخ والنساء والأطفال، وكانت هناك امرأة على وشك الوضع، وكانت النسوة

يساعدنها، فتراهن اثنان على جنس المولود مقابل بعض النقود، وأقترب أحدهم من الأم وفلق بطنها بسيفه ثم أخذ يلعن و يشتم فلقد خسر الرهان أما الأم فلقد رأت وليدها محمولاً والسيف يخترقه من بطنه الى ظهره فصرخت ثم أسلمت الروح، وهذا قتل على سبيل الرهان وهو من أدبيات المجرمين وهو يشبه القتل على سبيل التسلية، لا أعرف يا مايرام تلك الجائحة التي أصابتهم والتي جعلتهم يستأسدون في قتلنا وإلحاق شتى صنوف الأذى والتعذيب والقهر بنا دون أن نعرف سبباً يدعوهم لفعل ذلك، هم يفعلون ما يفعلون وكأنهم يبتغون مراضاة الله، وكأنها أوامر إلهية قدسية وهي فرض وواجب،  وقد أفتى لهم شيوخهم أن هذا جهاد في سبيل الله وجزاؤه الجنة وهم فيها خالدين حائزين عليها وعلى ما فيها في الآخرة وحائزين على ارضنا وبيوتنا وكرومنا ومحاصيلنا وماشيتنا ومالنا وذهبنا وذهب نساؤنا، ونساؤنا وبناتنا في الحياة الدنيا ونحن خالدين في النار دنيا وآخرة، وكاّن الله لا يخصنا ولا يعرفنا وقد تنكر لنا بعد ان تعرف بهم.

أما والدتي فلقد قالت لوالدي: بالنسبة لي فأنا أعرف شيئاً واحداً وهو… لا يمكنني العيش في هذا المكان أنا وأولادي مع وجود هذه الأفعى هنا ولا بد أنها الأحق بهذا المكان فهي هنا قبل مجيئنا وهذا بيتها ونحن المعتدون.

في منتصف الليل جاء حكمت ورفعت ونهض سكان العرزال من نومهم بعد سماع أصوات سنابك الخيل وانتظروا بفارغ الصبر سماع صافرة حكمت وعندما سمعوها اطمأنّت قلوبهم، وصعد حكمت ورفعت الى العرزال وطلبوا من ابي وأمي حزم أشيائهم على الفوراستعداداً للرحيل، قالوا لأبي أن هناك من سيحضر الى العرزال فهناك عملية كبيرة سيتم تنفيذها فجر اليوم وقد تم فرز ثلاثة من العصابة الى العرزال لمساعدتنا، فقررنا ان نسبقهم ونحضر الى هنا لإصطحابكم.

سألهم أبي… حسناً ولكن الى أين؟

الى دارنا… الى داركم؟؟؟ … نعم الى دارنا، حيث سيمكنك مشاهدة والدتنا (مارال) أو الحاجة صفية، وشقيقتينا شيرين وعائشة، أما والدنا فلقد غادرنا منذ حوادث أضنا فلقد ذهب ولم يعد، ولم نعثر على أي أثر له… نعم نعم فأنا أذكر ذلك فلقد بحث عنه والدي طويلاً دون جدوى…. ولكن يا حكمت انت تجازف وتعرض نفسك وأهل بيتك للخطر من أجلنا … لا بأس لا بأس سنتحدث في ذلك بعد وصولنا الى البيت.

كاللصوص تولى حكمت ورفعت ادخال أهلي الى دار أهله والحارة قفر خالية خاوية لم يصادفوا فيها إلاّ بعض الكلاب التي تبحث في الزبالة عما يسد الرمق، فالدنيا حرب والزبالة فقيرة ولم تعد كما كانت من قبل أما جثث الأرمن فلقد تم دفنها سريعاً خوفاً من اتشار الأوبئة.

دخلوا الدار وكانت السيدة مارال او الحاجة صفية في انتظارهم فأدخلتهم بأثمالهم الى الحمام، وتولت والدتي تحميم اخوتي بالماء الساخن وتحممت بدورها وتولت السيدة مارال أو الحاجة صفية الاعتناء بالأولاد، وأفرزوا لأهلي غرفة صغيرة على السطح، واعتقد أهلي انها قطعة من الجنة، وناموا على الأرض فوق فرشتين صغيرتين تتوسطا سجادة أرمنية فاخرة، وفروتا خروف، ووسائد كثيرة طرية ذات ملمس ناعم، ولم يستيقظوا حتى ظهر اليوم التالي.

وطلبت منهم السيدة مارال النزول لتناول طعام الغذاء … وللمرة الأولى منذ اليوم الذي سبق الحادثة المشؤومة، تناول أبي وأمي وإخوتي طعام ساخن، وها أنا الآن، وبعد مرور هذا الوقت الطويل أحدثك بالنيابة عنهم مع انني كنت في عالم الغيب في ذلك الزمان وهو أواخر العام1915 حيث لم أكن قد ولدت بعد، ولو ان والدتي اليوم في وعيها الكامل لكانت ستحدثك بأشياء تحتاج لعشرات المجلدات لتوثيقها، فلقد كان لجدي إخوة وأخوات وأولاد عام وأولاد خال وخالة كسائر البشر، تردد والدتي أسماؤهم من حين الى آخر فلا أعرف طريقة للربط بين هذه الاسماء لأنهم قتلوا جميعاً وضاعت أخبارهم وتحولوا جميعاً الى أجزاء في نصب تذكارية على طريق الابادة وذهبوا دون وداع ودون أن نعرف عنهم شيئاً.

رجع حكمت ورفعت وقد انجزوا العملية الكبيرة ولم يحرجهم والدي في شيء ولم يسألهم عن ماهية هذه العملية، وانتظر ان يتحدثوا عنها من تلقاء أنفسهم ولكنهم لم يفعلوا، وفهمت والدتي من السيدة مارال، ان العملية كانت الاغارة على سوقية من الأرمن جاؤوا من أماكن قصية من غرب السلطنة وكان معهم بعض اليونان العاملون في كار الصيرفة، وتم قتل الجميع ونهبت مقتنياتهم، وكانت الغنائم وفيرة والغارة موفقة، في المساء ذهبت أمي وشقيقيَّ الى غرفة السيدة مارال و تحلق ثلاثة رجال في ارض الدار تحت عريشة العنب، وشرب حكمت ورفعت وشرب والدي في معيتهم، وطلبوا منه الغناء، فقال لهم كان في دارنا كما تعلمون كان هناك بعض آلات الإيقاع والطرب…عود وبزق وجمبش، وكنت اجيد العزف على الثلاثة ولكني كنت أفضل الجمبش، وبالتالي فأنا لا أستطيع الغناء دون أن أعزف، وأصر حكمت على سماع أغنية تركية تتحدث عن الغربة ومآسي الحرب، فغناها والدنا ولم ينتهي إلاّ وكان الثلاثة يجهشون بالبكاء…. قال حكمت:

ـ  إعلم ايها السيد ميناس أن هناك مزاد سيقام في الغد

ـ من أجل أي شيء؟

ـ من أجل شراء أموال ومتروكات الغائبين.

ـ نعم فهمت

ـ وبيتكم بيت عائلة مقديسيان من جملة الموجودات في المزاد.

ـ نعم فهمت.

ـ كنت أتحدث مع أخي رفعت في هذا الشأن وأقترحت عليه أن أعلمك بالأمر.

ـ وما الفائدة من إعلامي بالأمر لطالما أن مجرد خروجي من هنا سيؤدي الى قتلي وقتل عائلتي.

ـ فكرنا أنا وأخي رفعت بشراء المنزل بالنيابة عنك.

ـ فكروا أن تشتروا البيت لكم لأن الأرمني لا يملك ورقة تمنحه حقه في الحياة في هذا المكان وهو أرض آبائه وأجداده، فكيف لشراء بيت، وكيف سأشتري بيتنا وورقة الطابو المتعلقة به موجودة في متاعي؟… معي 100 عصملّية إلاَّ قليل، سأعطيها لكم الآن، فاشتروا البيت وألف حلال عليكم.

ـ لن نأخذ من مالك في هذا الأمر قرشاً واحداً، فنحن مدينون لوالدك كارابيت الذي خلصنا من حبل المشنقة واشترى حياتنا، وسنشتري هذا البيت حتى إذا انقشعت الغمة نعيده اليك مقابل 50 عصمليّة، فلقد اتفق معلمنا حيدر بيك مع مأمور المزاد فخري بك ووعدنا بأن يكون هذا البيت لنا، وذلك بأن نوصل المزاد الى خمسون عصملّية لا يزاود أحد بعدها فيقع المزاد علينا ويصبح البيت لنا.

ـ ولكن سعر هذا البيت يساوي أكثر من ذلك بكثير!

ـ نعم ولكنها لعبة، و هذا المزاد سيعود ريعه للحكومة دون ان استطيع تأكيد ذلك فهناك من يقول انه لا علم للحكومة بهذه البيوع.

ـ وإذا زاود أحدهم ودفع 51 عصمليّة؟

ـ لن يجرؤ أحداً على تحدي معلمنا حيدر بيك … وفي الغد سيكون بيتكم لنا… عفواً… أقصد سيكون بيتكم في أمانتنا مؤقتاً ريثما تنقشع الغمة.

ـ ومع ذلك فأنا مصرّ على ان تأخذوا مني الخمسون عصملّية فأكون بريء الذمة تجاهكم.

ـ حسناً حسناً سنعتبرها على سبيل الدين.

في اليوم التالي استطاع الأخوين رفعت وحكمت شراء بيت آل مقديسيان وعادا الى دارهم واجتمعوا بوالدي وأطلعوه على وثيقة ملكية مؤقتة تشبه ورقة كاتب بالعدل مؤرخة بتاريخ 10 تشرين الأول عام 1917 وتفيد بأن المزاد قد رسى على حكمت ورفعت مناصفة وتضمنت الوثيقة وصف دقيق للبيت وما حوله وحدوده ووصف للشجر في الحوش المتعلق والسور والبوابة والمدخل، وبواقع خمسون عصملّية ذهبية تضم للصالح الحربي ودعم القوات المسلحة، واستلم الأخوين حكمت ورفعت البيت فكان خالياً على عرائشه ومنهوباً بالكامل، وقد تم اقتلاع احجار الزينة والرخام من أمكنتها وكانت النوافذ بلا إطارات فلقد سرقت بالكامل والباب بلا باب، وتم الحفر في زوايا مختلفة من الدار وفي الحديقة وفي القبو.

وصار والدي يستعرض في مخيلته أثاث بيت أهله وكان يقول في نفسه: لا بد أنه قد تم نهب الأثاث والفرش والأسرة والخزن والسجاد واللحف والصمديات وقطع الخزف الصيني وعدة المطبخ ومصابيح الكاز والثريات واللوحات في غرفة الاستقبال ومكتبة أبي وساعة الجدار ومنقل الفحم النحاسي والصواني المتعلقة وطاولات الموزاييك ومحتويات الخزن والدروج، وأسمطة الطاولات المطرزة والوسائد والشمعدانات، وسريري وخزانتي والجلديات والملابس والسجاد واللحف وهدايا عرسي والجهاز، ولقد تم خلع باب القبو فلا بد أنه قد تمت سرقة المؤن والحبوب والزيت والسمن واللحم المقدد والقاورما، والعرق والنبيذ.

وسأل عن نقب البيت فأجابه حكمت أنه تم نقب البيت وما حوله  بالكامل وفي كل زواياه وفي المطبخ والقبو ولم يستثنى حتى قاع التنور… وأردف حكمت قائلاً: لقد كانوا يبحثون عن ذهب مخبأ.

وكانت أمي تنظر في عيني أبي ويجول في خاطرها ما كان يجول في خاطر أبي، فلقد كان هناك ذهب مخبأ ولكن ليس في الدار ولا في الحوش ولا في بئر الماء ولا في الأرض المحيطة ولا في التنور ولا في المطبخ ولا في القبو.

بدأ حكمت بإصلاح البيت على نفقة والدي واتفق مع النجار والحداد على تفصيل  أبواب ونوافذ جديدة، محاطة بالقضبان المعدنية المطروقة، تماثل تلك التي تم خلعها من أمكنتها، وأحضر ورشة لتعزيل البئر فتم إخراج بعض الجثث المتحللة بالكامل والمكسوة بالعوالق والوخم، تعود ربما لنساء وأطفال وتم استخراج الكثير من الجماجم والعظام فلقد تم تحويل البئر الى مقبرة جماعية وتم رمي بعض الأغراض المنهوبة على أمل العودة لأخذها وتركت في مكانها كل هذه المدة فاختلط كل شيء بكل شيء، فتقرر في النهاية إغلاق فتحة البئر لإستحالة تنظيفه، وجلب حكمت لوالدي كرة من رخام المرمر الأبيض والزهري عثر عليها في البئر وعليها نقش للصليب وعلى دوائر محيطها الصلاة الربانية واستغرق تظيفها يوم كامل، وعرفها والدي فلقد كانت هدية من بطريركية الأرمن كرسي كيليكيا الى جدي كارابيد ممهورة في قاعدتها بإهداء منمق ورد فيه اسم جدي مع منحه صفة المحسن الكبير، وعند ذلك نظر والدي الى اسم جدي واسترسل في البكاء.

في اليوم التالي جرت محاولة لإخراج والدي من محبسه، فتم إلباسه عبائة وعمامة بيضاء فبدا كرجل دين، وأشاع رفعت بأن والدي هو عمه والد خطيبته وهو ضيف وقد وصل للتو من  أضنة جاء يستطلع حال صهره ويتفقد الدار الذي ستعيش فيه ابنته قبل اتمام مراسم الزفاف، وذهب والدي مع حكمت ورفعت لمشاهدة دارة مقديسيان، فدخل الدار ومعه حكمت ورفعت، فنظر الى النوافذ وواجهة الرخام التي تم اقتلاعها بهمجية، فجلس على الأرض وبكى، لقد اشتم رائحة طبخ أمه، ودخان نرجيلة والده، وعثر على سرير إبنه البكر وكان محطماً وتعلوه الأتربة، وكانت الغرف خاوية خالية منهوبة بالكامل، وفي زاوية من زوايا السطح القرميدي وقرب مجمع مزراب ماء المطر كانت هناك يمامة تجلس هي وفراخها في عش قديم تتناوب على سكناه طيور اليمائم جيل بعد جيل، صارت ترفرف بجناحيها فظن أنها ترحب به، فتحول بكائه الى نحيب، وكان يهمهم في عبارات غير مفهومة ويخاطب الأخوين رفعت وحكمت قائلاً: بَنَتْ إحدى اليمامات هذا العش ووضعت فيه فراخها وغادرت وغادروا معها بعد ان علمتهم الطيران، وجاء المعلم وارتيوار لإصلاح السقف القرميدي وتبديل المزاريب المهترئة، وأراد رفع العش من مكانه بواسطة عصا فنهره أبي قائلاً: اترك هذا البيت لأصحابه لأنهم قد يعودون في موسم التزاوج القادم فيجدونه جاهزاً.

وتم تجهيز دار أهلي ووضعت الأبواب والنوافذ في أمكنتها وانتقلت عائلتنا للعيش في منزلها وكانت السيدة مارال تحضر مع بناتها لشرب القهوة، وكانت تملك مفتاح الدار فتفتح وتدخل لكي لا تثير الريبة، فلقد كان جزاء من يأوي الأرمني أو يعينه هو الموت المحقق.

وكانت والدتي تعطي السيدة مارال بعض المال لشراء حاجياتنا وطعامنا، وكانت المشكلة الوحيدة بالنسبة لأهلي هي إيقاد شمعة في الليل لأن هذا سيؤدي الى اكتشاف أمرنا فكنا لا نوقد سراج ولا نشعل شمعة إلاّ إذا جاء حكمت او رفعت أو والدتهما السيدة مارال مع ابنتيها.

بعد أن انتهت السوقيات وأعمال الذبح، ولم يعد في تركيا أحد من الأرمن إلاّ القلة القليلة التي اشهرت اسلامها وقُبل منها ذلك، لأن هناك من لم يٌقبل منهم ذلك، حيث يغلق هذا الباب ويفتح من جديد في آجال محددة، ويتم الاعلان عن اسماء محددة يتم اختيار اسماء اسلامية لأصحابها ويتولى بعض المشايخ تعليمهم دينهم الجديد ليشهرون اسلامهم فيما بعد وعلى المذهب السنّي، وكانت هذه المسألة تكلّف الكثير من المال الغير متوفر مع الكثيرين.

أما الفتيات الصغيرات فلقد عملن كمحظيات وتم بيعهن وشرائهن وتزويجهن للشيوخ كرهاً وصبراً فكانت ذات الأربعة عشر ربيعاً تزوج لشيخ يبلغ السبعين من العمر وربما أكثر، وقد احتفظت كل واحدة منهن بسرّها فأخذته معها الى القبر، أوأفشته لأولادها أو بناتها وهي على فراش الموت، فكن ضحايا أجبرن على اجتراع المرارة فوق المرارة مدى الحياة.

وكان هناك استثاء واحد، وهو استثناء عصي على الفهم، ويشكل لغز كبير، وسرّ لم يعرف كنهه حتى اليوم، وهو أرمن اسطمبول، الذين تركوا في مدينتهم ولم يتم ترحيلهم، فبإستثناء قافلة النخبة التي احتوت على وجهاء الطائفة الأرمنية ومفكريها والتي جمع قسم كبير منها من أرمن اسطمبول وتم قتلهم جميعاً، فإن ارمن اسطمبول تركوا حيث هم، وتم التضييق الشديد عليهم واجبروا على تبديل كنياتهم، ولم يهجّروا، تتحدث بعض المصادر وقتذاك، بأن التهجير والقتل والعنف لسكان اسطمبول من الأرمن كان سيؤدي الى افتضاح ممارسات الحكومة في العاصمة التي كانت تعج بالسفراء والسفارات الأجنبية، وبالتالي فلقد حافظت حكومة الاتحاد والترقي على القناع المزيف الذي تضعه على وجهها في مواجهة العالم المتحضر وسفرائه وسفاراته، أما الأحداث المروعة من تهجير وابادة والتي كانت تمارس بحق الأرمن وفي عموم السلطنة عدا العاصمة، فكانت مستترة، لعدم وجود اعلام ولا تواصل ولا صحافة داخلية ولا مراسلين، ومع ذلك فلقد تم فضح هذه الممارسات من قبل:

هنري مورغنتاو

وهو سفير الولايات المتحدة الأميركية في الدولة العثمانية بين عامي 1913-1916 وكان شاهد عيان رأى مذابح الأرمن بأم عينيه، وسجل مشاهداته بصدق وموضوعية، وألف كتاب (قتل أمة) تحدث فيه وبالتفصيل عن مشاهداته ومناشداته لوقف هذه البربرية بدون فائدة.

فريدروف نانس

وهو كاتب ورحّالة نروجي، برهن بالقول والعمل بأن هناك خصال إنسانية نبيلة موجودة في أناس آخرين غير الأنبياء، فلقد قطع شوطاً مذهلاً بتجييش حملات الإغاثة لإعانة الأرمن واستطاع بعد أن وضع كل جهده وإمكاناته، جمع الألوف من أولاد وبنات الأرمن الذين تقطعت بهم السبل بعد قتل آبائهم وأمهاتهم، فأخرجهم من دور الأيتام العثمانية وألحقهم بدور أيتام تعيد لهم ما بقي من إنسانيتهم وتذكرهم بأصلهم ولغتهم ومعتقد من أنجبهم إلى هذه الحياة التي قلبت لهم ظهر المجن.

الفيسكونت جيمس برايت

نخر الانكليز رأس الأرمن بمقولة (إن سفن بريطانيا لا تستطيع تسلق جبال آراراد ) والقصد هو العبارة الآتية (اذهبوا لتواجهوا مصيركم فنحن وعلى الرغم من تضحياتكم الهائلة ودمائكم الغزيرة التي أهدرت في سبيل قضية الحلفاء وعلى الرغم من وعودنا الكثيرة لكم فنحن لا نستطيع مساعدتكم…!!!) وهذا ما فعلته فرنسا أيضاً بعد أن بذل الأرمن دمائهم في خدمة الحلفاء وقضيتهم، فكان الجزاء جزاء سنمار وعقوق غير مسبوق، وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا سترت البعض من مساوئها عن طريق القبول بتوطين بعض اللاجئين الأرمن ومنحتهم الجنسية أما بريطانيا فضربت على نهج السفن التي لا تستطيع تسلق جبال آراراد من البداية وحتى النهاية فتنصلت من العهود وبرهنت عن غدر وعقوق غير مسبوقين عدا الفيسكونت جيمس برايس الدبلوماسي والمؤرخ الانكليزي الشهير صاحب كتاب أعظم الجهاد (معاملة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية) فلقد نطق بكلمة الحق وجعل كل الأرمن دائنين لبريطانيا ومدينين له بعد هذه الشهادة.

يوهانس ليبسيوس

وهو رئيس البعثات التبشيرية الألمانية في الدولة العثمانية وكان شاهد عيان رأى المذابح بعينيه بين العامين 1895 ـ 1915 وتغلبت فيه نزعة المسيح والكنيسة لكونه كاهن ومبشر، فلم تطاله عقدة الشوفينية والكراهية التي جمعت الأتراك الاتحاديين بالألمان وبالتحديد ألمان بسمارك والتي تجلت بأبشع صورها في التآلف ما بين جماعة الاتحاد والترقي ثالوث العار طلعت باشا وأنور باشا وجمال باشا السفاح من جهة وببسمارك ووانكنهايم سفير ألمانيا في الدول العثمانية وقد جمع هذا الأخير في قلبه كل الحقد والبشاعة والخبث والإجرام والكراهية للأرمن دون سبب معروف وقد بحثت وأعياني البحث في سيرته منذ الولادة وحتى الوفاة فلم اعثر على حرف واحد يبرر هذا الحقد وهذه الوحشية تجاه الأرمن والوقوف إلى جانب الأتراك ومنحهم الضوء الأخضر لتنفيذ الإبادة وتشجيعهم على المضي بها ومساعدتهم في إتمامها وبنجاح وهو يصم أذنيه ويغلق عينيه ويطبق فمه أمام مناشدات المخلصين وتوسلات الإنسانيين وليبسيوس منهم، فكان لا يتورع عن تشجيع الاتحاديين على النيل من الأرمن بوحشية غير مسبوقة ويوغر صدورهم ليرفع عتبة إجرامهم لتتحول جريمة الإبادة التي طبقت بحق الأرمن في بدايات القرن العشرين إلى أبشع جريمة إبادة مطبقة ضد الإنسانية في العالم قاطبة والأشد أثراً وإيلاما والأكثر ترويعاً.

أما يوهانس ليبسيوس فلقد اختار طريق آخر غير طريق وانكنهايم الذي رضي أن يكون حذاء ينتعله بسمارك وحلفاؤه الأغرار الماسونيون الدونما، لقد اختار طريق التنوير والحقيقة وبذل جهده في إيقاظ ضمير العالم عن طريق كتابه (ألمانيا والأرمن) الذي احتوى عل وصف مذهل لكل المجازر التي كان فيها شاهد العيان فاستطاع وبكل شهامة تطييب خواطر الأرمن وتبديل نظرتهم السوداء تجاه ألمانيا، تلك النظرة التي تركها وانكنهايم في نفوسهم وأنا منهم نتيجة وحشيته وضلاله وحقده الغير مسبوق وبدون مبرر معروف.

بقلم آرا سوفاليان

يمكن متابعة الكتاب على الرابط:

http://www.safirpress.com/news.php?id=3958&title=%D8%A3%D8%B1%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%8A%D8%AA%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%B1%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9…-%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%A2%D8%B1%D8%A7–%D8%B3%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%86

Leave a Reply

Your email address will not be published.