الإبادة الأرمنية “سلاح” الفرنسيين لوقف المد التركي نحو أوروبا

في وقت بات ملف قضية الإبادة الأرمنية بطاقة مرور في أيدي الساسة الفرنسيين يستخدمونها عند كل منعطف لخدمة “مآرب” معينة، يحتدم الصراع التركي الفرنسي إثر إقرار النواب الفرنسيين مشروع قانون يقضي بتجريم منكري إبادة الأرمن الجماعية، برفع الايدي وبتأييد غالبية كبيرة من النواب الحاضرين، والبالغ عددهم حوالى 50 ومعارضة ستة نواب آخرين. وذلك على رغم التهديدات التركية لباريس بعواقب دبلوماسية واقتصادية وخيمة. وفي أول رد فعل تركي على القرار، استدعت أنقرة سفيرها لدى باريس.

ويرى كثيرون أن اختيار فرنسا هذا التوقيت بعينه لطرح مثل هذا القانون يخدم غايات انتخابية تصب في مصلحة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، خصوصاً أن استحقاق 2012 الرئاسي صار على الأبواب.

وفي انتظار معرفة ردود الفعل التركية والدولية حيال إقرار الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) للقانون الذي ينص على السجن عاماً واحداً وغرامة 45 الف يورو في حال انكار تعرض الأرمن لابادة جماعية، والذي يعد مكملاً للقانون الذي أصدرته فرنسا في كانون الثاني (يناير) 2001 بالاعتراف بالإبادة الأرمنية، يبقى مصير القانون معلقاً بما سيصدر عن مجلس الشيوخ، الامر الذي قد يتطلب أشهراً عدة

وكانت لجنة التشريعات في الجمعية الوطنية الفرنسية تبنت في العام 2006 قانوناً مماثلاً إلّا أنه أسقط من التداول قبل وصوله إلى مجلس الشيوخ.

هذا الانشغال الفرنسي بمشروع القانون تزامن مع هجوم تركي عنيف على فرنسا

إثر إبلاغ ساركوزي المعروف بمعارضته للمسعى التركي للانضمام للاتحاد الاوروبي أنقرة بأنها في حال عدم اعترافها بأن قتل الارمن الذي جرى في العام 1915 كان ابادة جماعية، فإن فرنسا ستبحث جعل إنكار ذلك جريمة. وسبق أن وعد ساركوزي الجالية الارمنية الضخمة في بلاده بدعم قانون يجرم انكار الابادة الجماعية التي تعرضوا لها.وتعترف تركيا فقط بسقوط حوالى 500 الف قتيل خلال السنوات الاخيرة من السلطنة العثمانية، الا انها تقول انهم سقطوا ضحية تجاوزات حصلت في الحرب العالمية الاولى نافية اي نية تركية لارتكاب ابادة جماعية للارمن.

فقد دعا رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان فرنسا الى قراءة تاريخها بدلاً من تاريخ تركيا قائلاً: “انظروا إلى تاريخكم القذر والدموي في الجزائر ثم تكلموا عن تركيا”. وأصدر حزب العدالة والتنمية بياناً ندد فيه بـ”الخطأ التاريخي وغير المقبول والخطير” من جانب النواب الفرنسيين، داعياً فرنسا الى التفكير في أخطاء ماضيها الاستعماري خصوصاً في الجزائر، عوضاً عن “اصدار احكام تتناول وقائع تاريخية”.

وحض الرئيس التركي عبد الله غول من جانبه باريس على التخلي عن القانون “غير المقبول” . كما وصف وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو مشروع القانون الفرنسي بأنه هجوم “فارغ” على حرية التعبير.

وقال داود اوغلو في مقال نشرته صحيفة ليبيراسيون الفرنسية “المسودة فارغة من البداية، فالدولة التي تحكم على مجتمعها بما لا ينبغي عليه قوله، تحكم عليه ايضاً بما ينبغي قوله وهنا مكمن الخطر”.

ونقلت وكالة انباء الاناضول عن داود اوغلو أيضاً قوله امام البرلمان التركي «اذا جرى تشريع هذا المقترح فستكون فرنسا رائدة في العودة الى عقلية العصور الوسطى في اوروبا». وأضاف ان التحرك الفرنسي «سيخلق عقيدة متصلبة جديدة لتفسير التاريخ تحرم الفكر المغاير وهي عقلية العصور الوسطى والتي سيكون تبنيها في فرنسا الخطر الاكبر على اوروبا».

ولوّح الوزير التركي للشؤون الاوروبية أغمند باجيس بمقاطعة البضائع الفرنسية واضعاً قائمة بالتدابير العقابية التي قد يعتمدها كل مواطن تركي بحق فرنسا.

وقال باجيس للصحافيين “الشعب التركي عاطفي ويعبر عن مشاعره، رأينا في الماضي ان في امكانه التدخل من خلال اختيار المتجر الذي سيبتاع منه المواطن التركي اغراضه والمكان الذي يشتري منه الوقود لسيارته ونوع اللبن الذي يشربه والطائرة التي يستقلها”.

وعن المنتجات التي قد يقاطعها الاتراك قال باجيس “المساحيق التجميلية والعطور والملابس..” وتعد تركيا شريكاً اقتصادياً مهماً لفرنسا إذ بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 12 مليار يورو العام 2010.

الرد التركي

وكانت السفارة التركية في باريس أعلنت أن أنقرة سترد على إقرار مشروع القانون بعواقب «لا رجوع عنها» في كل مجالات العلاقات الثنائية بدءاً بسحب سفيرها في باريس. وقالت الناطقة باسمها انجين سولاك اوغلو: «ستعتبر تركيا ذلك عملاً معادياً من فرنسا، وقد تجمد كل تعاونها مع حكومتها وكل المشاريع المشتركة»

ومن المتوقع ان تستدعي انقرة سفيرها في باريس للتشاور وقد تطلب من نظيره الفرنسي في تركيا القيام بالامر نفسه.علماً أن البلدين يتشاوران حالياً حول مشاريع لبناء محطات نووية.

وحاولت بعثتان تركيتان تضمان رجال اعمال وبرلمانيين في باريس السعي لثني الفرنسيين عن خطوتهم من دون الحصول على سحب النص من التداول.

هذا التصعيد التركي وعلى رغم محاولة وزير الشؤون الأوروبية الفرنسي جان ليونيتي التخفيف من وطأته، بالقول إن التهديدات التركية جوفاء، ترجم نوعاً من القلق الفرنسي الذي بدا من خلال كلام ليونيتي في دعوته أنقرة إلى الحوار الهادئ.

وتزامن ذلك مع تشدد وزارة الخارجية الفرنسية على أن مشروع القانون ليس مبادرة حكومية، ونفي الحكومة الفرنسية فكرة قيام باريس ب”هجوم على تركيا” من خلال اقتراح القانون بشأن المجازر الارمنية.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاليري بيكريس ان “الحكومة تدعم فكرة ان المجازر لا يمكن انكارها. الحكومة تدعم فلسفة هذا القانون ولا ترى اي هجوم على تركيا”.

وكان ليونيتي أكد أن تهديدات تركيا لا تؤخذ على محمل الجد موضحاً أن تركيا موقعة على التزامات دولية داخل الاتحاد الاوروبي والمنظمة العالمية للتجارة “لا يمكنها تمييز بلد ما لاعتبارات سياسية”. واضاف “ينبغي ان نعود الى حوار اكثر رصانة لانه لا جدوى من اثارة الكراهية من هذا الجانب او ذاك”.

ووصف ليونيتي تصريحات وزير الخارجية التركي بأنها “تصريحات فيها مغالاة وهي ككل التصريحات المغالية فانها تبدو سخيفة”. وكان داود اوغلو أكد في مقابلة مع صحيفة لوموند ان ساركوزي وعد اردوغان بالتخلي عن هذا المشروع

ورد ليونيتي “لا افهم كيف يقول ان الرئيس الفرنشي وعد ايا كان بأي شيء”.

إلى ذلك شكّل الرئيس الفرنسي هدفاً لانتقادات الصحف التركية التي تتهمه بصراحة بالسعي الى استخدام مجازر الارمن لغايات انتخابية، فعنونت الصحيفة التركية المعارضة “سوزكو” على صفحتها الاولى “السيد الشرير”، متهمة ساركوزي بالمناورة لغايات انتخابية سعياً لاستمالة تأييد الارمن الموجودين في فرنسا البالغ عددهم حوالى 400 الف شخص.

وكتب الصحافي سميح ايديز في مقال بصحيفة ميليات اليومية “لن يخسر ساركوزي شيئا، فلو يسر فوزه باصوات المواطنين الفرنسيين من اصول ارمنية اعادة انتخابه للرئاسة فسيكون قد فاز، ولو خسر الانتخابات رغم دعم الارمن، فسيترك الساحة مبتهجاً بتحقيق كسب تاريخي ضد تركيا”.

وامام مبنى السفارة الفرنسية في انقرة، رفع حوالى مئة متظاهر لافتات كتب عليها “ساركوزي كاذب” و “ماذا كنتم تفعلون في الجزائر؟”

وكتب المؤلف التركي الارمني والكاتب الصحافي في صحيفة طرف ماركار ايسايان “اذا ما اتيح لاحد ضحايا هذه المجزرة العودة اليوم الى الحياة ولقاء ساركوزي، فإنه سيرغب بالتأكيد بالبصق في وجهه والقول له: انك تستغل مصيبتنا لغايات سياسية دنيئة”.

التاريخ يروي

وفيما خص الحقائق المتعلقة بالمجازر الأرمنية وعلى الرغم من نفي أنقرة أن تكون أعمال القتل تمثل إبادة وتأكيدها أن كثيراً من المسلمين الاتراك والاكراد لاقوا حتفهم أيضا مع غزو القوات الروسية لشرق الاناضول بمساعدة من ميليشيات أرمنية في كثير من الاحيان، ووجود الكثير من الأصوات المشككة بوقوع المجازر إلا أن الوثائق التاريخية تروي أن الأرمن، كانوا يشكلون إحدى مكونات الإمبراطورية العثمانية، فقد بلغ عددهم في نهاية القرن التاسع عشر ٢ مليون من أصل ٣٦ مليون من سكان الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت

أما أول مراحل الإبادة كانت بين أعوام ١٨٩٤ إلى ١٨٩٦، حيث عمد السلطان العثماني بشن حملة إبادة على الأرمن بذريعة مطالبتهم بما أسمي وقتها بـ”الانفصال” في ظل إمبراطورية يشتد فيها التأثير القومي المنادي بقيام أمة تركية، و راح ضحية هذه الحملة ما يقارب ٢٠٠ ألف إلى ٢٥٠ ألف شخص. ” وفي هذه الفترة هرب الكثير منهم كما قام الجيش التركي بإزالة ما يقارب ٣٥٠ قرية أرمنية من الخريطة حسب ما يروي الكاتب الأميركي جورج هيبورث، خلال مشاهداته بعد عامين من الواقعة.

والمرحلة الثانية كانت في عام ١٩٠٩ وهنا راح ضحية الإبادة ما بين ٢٠ ألف إلى ٣٠ ألف أرمني، وتتابعت عمليات القتل والإبعاد والتشريد حتى شهد عام ١٩١٥ حملة تهجير كبرى لمن بقي منهم على قيد الحياة، حيث تم تهجيرهم جنوباً نحو حلب ودير الزور ( شمال وشمال شرق سوريا)، ”

وبلغت عملية الإبادة ذروتها في أعوام ١٩١٤- ١٩١٥، حيث تذرع العثمانيون (تحت تأثير حزب تركيا الفتاة و هو حزب قومي ينادي بالأمة التركية)، بأن الأرمن وقفوا إلى جانب الروس في الحرب العالمية الأولى، (بينما كان الأتراك يساندون الألمان) ، لاستكمال “عملية التطهير العرقي”.

وهنا يذكر أن طلعت باشا وزير الداخلية التركي، كان أرسل برقية إلى معاونيه يشدد فيها على تصميم الحكومة على التخلص من كل ما هو غير تركي.اعتمد الأتراك وقتها على المساندة الألمانية للتعتيم على ما جرى، وتم تبريره على أنه تحريك لمجموعة سكانية بدواعي عسكرية، أما ألمانيا فقد ذهبت إلى حد استضافة بعض من كان مسؤولاً عن هذه المذابح مثل طلعت باشا.

وفي عام ١٩٢٠ وقع الحلفاء والإمبراطورية العثمانية معاهدة تقضي بمعاقبة مرتكبي المذابح، ولكن هذه المعاهدة تلاشت مع صدور عفو عام من قبل مصطفى كمال أتاتورك عام ١٩٢٣، الذي أكمل بدوره عملية تأسيس تركيا (الدولة ذات اللون الواحد، إذ قام بإقصاء اليونانيين) ومنذ ذلك الوقت ترفض الحكومات التركية المتعاقبة الاعتراف بحدوث مثل هذه المذبحة.وكان يجب انتظار حلول عام ١٩٨٠ ليعترف الأوروبيون رسمياً بما حصل، فقد أقر البرلمان الأوروبي حدوث مثل هذه المذابح في تصويت في ١٨ حزيران/يونيو ١٩٨٧، وأقر وقتها أن رفض الحكومة التركية الاعتراف بوقوع هذه المذابح يشكل حاجزاً هاماً أمام حصول تركيا على صفة عضو مرشح للانضمام إلى الإتحاد الأوروبي، ” ولم تحصل تركيا على هذه الصفة إلا في عام ١٩٩٩ خلال قمة هلسنكي، وحتى هذا التاريخ لا تزال ترفض الاعتراف بمثل هذه المذبحة إلى جانب بعض القضايا الأخرى مثل مسألة قبرص ووضع الأقليات العرقية مثل الأكراد”.

أنقرة وباريس

وفي كل التقارير السنوية التي تعدها المفوضية الأوروبية حول تركيا، كانت تظهر الكثير من التسامح والمرونة تجاه هذا الأمر، وحتى في تشرين الأول / أكتوبر ٢٠٠٥، حيث أعلن رسمياً عن بدء مفاوضات انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي، بالرغم من أن معايير كوبنهاجن لم تطبق بعد.وبعد هذه الخطوة، استمرت أنقرة مرتكزة على المادة ٣٠١ من قانون العقوبات ” المعدل” والذي يعاقب من يقول أن الأرمن تعرضوا لحملة إبادة إبان الحكم العثماني.

وفي لمحة سريعة على العلاقات التاريخية بين أنقرة وباريس نجد أن تركيا وفرنسا تمتعتا بعلاقات وثيقة منذ الحقبة العثمانية، بما في ذلك صلات اقتصادية قوية، فقد ألحقت فرنسا أراضٍ عدة بتركيا فضمت إليها 12 قرية عربية في العام 1930 وفي العام 1939 وإثر اتفاق بين الدولتين تم إلحاق لواء الاسكندرون بالأراضي التركية.

وظلت العلاقات التركية الفرنسية في أوجها حتى العام 2001 حيث ساءت العلاقات بين البلدين في عهد الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر على إثر تصديق المجلس الوطني الفرنسي على الاعتراف بالمجازر الارمنية وبالتالي اتهام تركيا بالقيام بعمليات تطهير عرقي للأرمن في العام 1915

ثم تردت العلاقات بينهما أكثر مع تولي ساركوزي الرئاسة في العام 2007 بسبب اعتراضه الواضح لانضمام تركيا للاتحاد الاوروبي.

فهل يكون التحرك الفرنسي والتصعيد التركي توطئة لإعادة خلط الأوراق من جديد أم أن التوتر الحاصل بين البلدين سيجعل العلاقات الأوروبية التركية على المحك، الأمر الذي سيرتد أثره على باريس وأنقرة معاً من خلال تمكن فرنسا من دحر تركيا من أبواب الاتحاد الأوروبي، واتخاذ تركيا قراراً حاسماً بمقاطعة البضائع والمنتجات الفرنسية خصوصاً أن البلدين يتشاوران حالياً حول مشاريع لبناء محطات نووية!!!

الخميس, 22 ديسيمبر 2011

الحياة – منال ناصر

Leave a Reply

Your email address will not be published.