برلمان فرنسا.. شكراً لكم

بادئ ذي بدء، أشكر الله واحمده لإتاحة الفرصة مرة أخرى لإثبات وتبيان وإقرار الحق العادل والمهدور للشعب الأرمني، عبر إقرار البرلمان الفرنسي في جلسة يوم 22 ديسمبر 2011 التاريخية، بوقوع الإبادة الجماعية بحقهم، واعتماد قانون مبدئي يطبق على الأراضي الفرنسية بتجريم كل من ينكر، أو يشكك في وقوع المجزرة.

قبول البرلمان الفرنسي تجريم انكار حدوث المجزرة الأرمنية في نهاية الحرب العالمية الأولى، وبالتحديد في 24 أبريل 1915 ولغاية 1922، والموافقة عليه بأغلبية تصويت ساحقة، يعتبر بالتأكيد نصرا مبينا للإنسانية الشريفة في المعمورة عامة، وتاجا مرصعا بجواهر الشهامة والشجاعة للشعب الفرنسي وقيادته بصورة خاصة، تاج لا تراه سوى النفوس الأبية التي تؤمن بأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، ولكنه يظل حقا مستردا بسيطا، مقارنة بالحقوق المعنوية والمادية الهائلة التي مازالت لنا عند الأتراك.

ان جموع الشعب الأرمني المبعثر بسبب التهجير في بلدان الشتات، لهم عند الأتراك حقوق دماء مليون ونصف مليون إنسان قتلوا أو ماتوا في طريق التهجير على سهول الأناضول، وقيمة ممتلكاتهم التي بقيت خلفهم، ولهم أيضا النصف المحتل من أرض الوطن، ومدن وقرى أجدادهم الذين عاشوا وبنوا حضارتهم العظيمة عليها منذ أكثر من 3 آلاف سنة، ولهم أيضا عند الأتراك جبلهم العزيز (أرارات) المغتصب، على بعد أمتار من حدودهم الحالية، وهو يؤلم القلب، ويجرح كرامة كل أرمني عند شروق شمس الصباح.

وللأرمن أيضا حق استرداد الكرامة المهدورة للإنسان الأرمني منذ أيام جحافل الغزاة السلجوقيين، وأحفادهم السلاطين العثمانيين، والتعسف المستمر لغاية اليوم، وحصل أخيرا عبر غلق الحدود الدولية مع أرمينيا، ويستحق شعبنا المنكوب تعويضات ليست لحقوق أشخاص تضرروا من المذابح مباشرة وحسب، بل حقه كأمة، كانت، وما زالت، لها حضورها ومساهمتها في الحضارة الإنسانية منذ أيام الفراعنة والرومان.

الأتراك الغاضبون من القرار الذي أنصف الشعب الأرمني، يقولون ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والبرلمان الفرنسي «يثيرون أو يطرحون موضوع إبادة الأرمن لأسباب انتخابية، ولكسب ود وأصوات الجالية الأرمنية في فرنسا»، علما ان الجالية التركية المقيمة في فرنسا تبلغ أضعاف عدد الجالية الأرمنية.

وكيف يعقل ان الرئيس أو البرلمان الفرنسيين يتجرآن على اتخاذ مثل هذه الخطوة، وهما يعرفان سلفا الصعوبات والأضرار التي ستلحق بفرنسا جراء رد الفعل التركي الغاضب، سواء في مجالات الاقتصاد عامة أو في مبيعات المعدات العسكرية خاصة، وهي التهديدات التي بدأنا نسمعها فعلا في تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، لكن الفرنسيين على قناعة بأن ما أقدموا عليه، أنبل وأرقى حضاريا من مفهومه الآني، ويترفعون عن تداعياته المادية المرتقبة.

وإذا كانت تركيا تريد الأخذ بمفردات العصر، وتحتذي بالدول المتحضرة، وهي التي تطرح نفسها في الفترة الأخيرة قطبا إقليميا وعالميا، فعليها التحلي بالشجاعة والشهامة، والتصالح الفعلي مع تاريخها وماضيها، مثل دول عدة لها سوابق مشابهة، والتصرف وفقا لموقعها ومكانتها، تحترم الآخرين، وتتحلى بالشجاعة الكافية لإعطاء كل ذي حق حقه، وانهاء مشاكلها مع جيرانها فعليا وعمليا، والانطلاق الى الأمام بالمحبة والعدالة والسلام.


كارو قيومجيان

http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=759467&date=29122011

  1. اتمنى أن تكون تركيا الحالية بالفعل حامية لحقوق الانسان كما تبدو من تدخلاتها في سوريا و تعترف و تعتذر على ما اقترفه العثمانيين …. ما زال الجرح مفتوحا و على أحد أن يوقف نزيف الالم … شكرا للمقال

Leave a Reply

Your email address will not be published.