“في تركيا… هرانت دينك يُقتل مرة ثانية”

سار أمس أكثر من 20 الف شخص من المثقفين والحقوقيين من ساحة التقسيم في اسطنبول الى مقر صحيفة «آغوس» إحياء لذكرى الصحافي الارمني هرانت دينك الذي كان يرأس تحريرها واغتيل يوم 19 كانون الثاني قبل خمس سنوات، رافعين شعار (كلنا هرانت دينك… كلنا أرمن).

والمسيرة ليست فقط تذكارا للراحل بل لأن محاكمته انتهت الى فضيحة قضائية، فالجريمة التي هزت تركيا والتي طالت أبرز وجه ارمني ثقافي كان ولا يزال يعيش في تركيا، انتهت الى اعتبار القضاء التركي انها لم تكن من صنع أي منظمة أو مجموعة إرهابية بل مجرد قرار فردي ممن ارتكبها. وقد لاقى قرار القضاء التركي اعتبار الجريمة فردية لا إرهابية أو منظّمة ردود فعل سلبية واسعة من منظمات حقوق الانسان والنخب الثقافية التي اعتبرت أن دينك قد قتل من جديد وان العدالة هي التي قتلت. محمد علي بيراند كتب في صحيفة «حريت» ان هرات دينك قتل مع القرار القضائي مرة ثانية. وقال انه ليس معقولا ان تعتبر الجريمة من تدبير شخص ارتأى وحده أن يقتل دينك فذهب هكذا من تلقاء نفسه وقتله.
ودعا بيراند القضاء للعودة عن قراره لأن دماء دينك لا يجوز أن تبقى في مكانها، وإلا فإن الجميع سيقولون انه قتل لأنه أرمني. علما بأن كل مؤسسات الدولة كانت تعرف ان دينك معرض للقتل. وفي صحيفة «راديكال» وصف جنكيز تشاندار قرار القضاء التركي بأنه اليوم الذي قتلت فيه العدالة. وقال تشاندار ان القرار خلق صدمة لم تكن متوقعة لدى متابعي القضية، لا سيما بتبرئة القتلة من الانتماء الى أي تنظيم إرهابي، وهو ما دفع بجمهور الحاضرين الى الهتاف بأن الدولة هي القاتلة ويجب ان تحاسب. وقال باختصار انه في لحظة إعلان القرار كنا شهودا على مقتل العدالة في تركيا. وقال تشاندار ان مسرحية محاكمة قتلة دينك انتهت اليوم. وأضاف ان القضاء اتبع استراتيجية «حماية» الدولة منذ اللحظة الأولى للاغتيال. ولم تتغير هذه الاستراتيجية رغم مرور خمس سنوات وتغير هيئة المحكمة ورغم ان الجريمة كانت فرصة للدولة لكي تعيد بناء نفسها وتنظّفها وتصححها والأهم ترسيخ مبدأ العدالة وتطمين ضمير الرأي العام. وأضاف ان هذه الفرصة لم يستخدمها حزب العدالة والتنمية الذي حمل ادعاء الاصلاح والتغيير في تركيا والذي ارتكبت الجريمة في عهده حيث بان أن حزب العدالة والتنمية لم يغير الدولة بل هو نفسه «تدوّل». وأشار إلى انه كانت هناك شراكة كاملة بين المؤسسات لطمس الحقائق وإخفاء الأدلة بحيث ان القرار الذي صدر يشرّع ارتكاب الجرائم. ورأى انه ليس المقصود قضاة معينين بل بنية النظام ككل، وهي تشمل مجلس الأمن القومي والاستخبارات التركية والقوات المسلحة اي الدولة. وشدد تشاندار على انه يتقاطع في جريمة اغتيال هرانت دينك تقليدان اثنان: الجرائم السياسية والعداء للأرمن. وكما لم تصفّ الدولة حساباتها مع تقليد الجريمة السياسية فإنها لم تصفّ حساباتها مع تقليد العداء للأرمن. وسيضع القرار القضائي حكومة حزب العدالة والتنمية أمام حرج كبير، خصوصا في ظل الحرب “الأرمنية” بين أنقرة وفرنسا من جهة وطموح تركيا لاستكمال مسيرة الاصلاح التي لا شك تعرضت لضربة قوية بتبرئة أي تنظيم من قتل دينك برغم كل الوقائع المعاكسة، فضلا عن الصورة السلبية للحريات الفكرية والاعلامية في ظل اعتقال عدد كبير من المثقفين والصحافيين بتهم دعم الارهاب. لكن التأثير الأكبر سيكون على قدرة الأرمن والأقليات المسيحية على أن تعيش بأمان في ظل موجة كراهية تعكسها استطلاعات الرأي وتضع ارمينيا والأرمن في رأس قائمة من يكرهها الأتراك. وهو ما يتطلب جهودا استثنائية من حزب العدالة والتنمية ليعيد النظر بكل النهج الذي يعتمده في طريقة التعاطي مع كل الأقليات الدينية والمذهبية والاتنية التي تشكل عوامل عدم استقرار مفتوحة ودائمة لتركيا.

محمد نور الدين

السفير

Leave a Reply

Your email address will not be published.