تركيـا (العـدالـة والتنميــة)… احتضــار ينتظـــر رصــاصــة الــرحمــة

عاد السفير التركي إلى باريس وكأن شيئاً لم يكن، سألت أحد الأصدقاء الفرنسيين ما رأيك بعوده السفير التركي بعد قيام الحكومة التركية باستدعائه؟ فأجابني إننا لم نشعر به عندما ذهب لنشعر به عندما يعود وأضاف:

إن مشكلة أردوغان أنه يعتقد نفسه سلطاناً في زمن السلطنة العثمانية البائدة فهو يريد كل شيء ومقتنع أنه يسيطر على كل شيء وأنه قادر أن يتحكم بالمنطقة ويفعل بها ما يريد وعندما تحين ساعة الحقيقة فإنه لا يعدو كونه انكشارياً مُصاباً بجراحٍ مميتة ويعالج خارج ميدان المعركة. منذ بدأت الأزمة في سورية دخلت تركيا (العدالة والتنمية) على خط الأزمة وبطريقه لم يتوقعها حتى أعداء سورية وأعداء هذا التقارب السوري التركي أنفسهم فالعلاقات السورية التركية كانت في أوجها ووصلت لدرجة ليست مسبوقة في تاريخ البلدين من الناحية الاقتصادية حتى الاجتماعية لتصل لمرحله فتح الحدود وإلغاء تأشيرات الدخول بين البلدين.

ولكن هذا الدخول بدأت تتصاعد لهجته بالتهديد تارة والوعيد تارةً أخرى للقيادة وللحكومة السورية عندها بدأ البعض يربط الأمر بوعود لتركيا بدخول الاتحاد الأوروبي ولكن في الحقيقة ربما هذا التحليل كان متسرعاً وبعيد عن الواقعية السياسية لأننا ببساطه يمكننا أن نطرح هذا السؤال: أيهما أهم لتركية أن تدخل في الاتحاد الأوروبي أم أن تُسقط النظام في سورية فتَسقط المنطقة بيدها؟

فرنسا واليونان وقبرص

في مواجهة تركيا «الأوروبية»

في الخيار الأول من الواضح أن الدخول في الاتحاد الأوروبي أمر مستحيل أن تقبل به الدول الأوروبية وهناك أسباب عده أهمها هي المعارضة الفرنسية أولاً، وثانياً المعارضة القبرصية واليونانية، والأهم من ذلك هو الوضع الديموغرافي لتركية من حيث عدد المسلمين دون أن نُغفل النواحي المشينة للسلطنة العثمانية كما يرى البعض، فمثلاً في تشرين الأول 2005 صوت وزراء الخارجية الأوروبيين في لوكسمبورغ على الاتفاق الذي يتيح بدء مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي عندها قالت بعض الدول التي تعارض الانضمام إن التصويت هو لبدء المفاوضات ولا يعني أبداً أن تركيا انضمت للاتحاد وكان لافتاً يومها ما كتبه الصحفي (ستيف كاسل) في الإندبندنت عندما قال إن: «النمساويين» يرون في عضوية تركيا حصاراً جديداً من قبل العثمانيين!!». في إشارة لوصول القائد العثماني (قره مصطفى باشا) في العام 1683 إلى أبواب العاصمة النمساوية فيينا ومحاصرته لها قبل أن يُهزم ويندحر وقس على ذلك من اليونان وقبرص.

في الخيار الثاني وبناء على نصيحة سابقه من الرئيس الأميركي باراك أوباما لتركيا للتوجه شرقاً وجنوباً فهمت تركيا (العدالة والتنمية) النصيحة تماماً فكانت العلاقات المميزة مع سورية التي فتحت لها آفاقاً اقتصاديه نحو المشرق العربي ربما لم تتكرر قبل عقود إذا ما بقي حزب العدالة والتنمية حاكماً، وكذلك الأمر في علاقاتها المميزة مع إيران ومحاوله الدخول على خط القضية الفلسطينية والأزمة في لبنان إلى ما هنالك من المواضيع الحساسة في المنطقة وربما أعطتها الأحداث المتصاعدة في العالم العربي من تونس إلى مصر إلى ليبيا وسورية ووسط تبعية كاملة من أنظمه دول الخليج المستعربة للأقوى فرصه تاريخيه من أجل تحقيق طموحاتها المتجددة لتكون عرّابة للنظام الجديد في المنطقة، وبذلك تتمكن من الحفاظ على مصالحها. والأهم من ذلك استكمال الطوق الإسلامي الذي تسعى الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لإحكامه حول إيران عبر المجيء بحكومات إسلاميه متطرفة تساهم في تهيئه أرضيه من الاختلاف المذهبي تساعد في ضرب إيران.

ومن هنا ربما تشكلت نقطه تلاقي مصالح غربيه تركية في ضرب إيران ليزيح الغرب عن كاهله الكابوس الإيراني (يخطئ تماماً من يعتقد أن الخلاف الغربي مع إيران هو الملف النووي فحسب فمشكله الغرب مع إيران أنها باتت تمثل مشروعاً متكاملاً لنهضة صناعية وعلميه وعسكريه وهذا ما يسبب الأرق للغرب المتغطرس الذي اعتاد المشرق أن يكون ممثلاً بفتاوى إرضاع الكبير ومسابقه أجمل ناقة ومهرجان الجنادرية الذكوري فقط).
أما تركيا فتتخلص كذلك من العبء الأكبر أمامها للسيطرة على المنطقة فبعد سقوط إيران لن تستطيع دول الخليج وحكامها المستعربون إلا أن يكونوا تابعين لمركز الخلافة الإسلامية المتجدد في الأستانة وبالتالي تصبح تركيا الأمر الناهي في المنطقة وهذا كله لا يتحقق إلا بإسقاط سورية أولاً ومن ثم يتم البحث عن تتريك الأنظمة العربية بطريقة الإسلام السياسي لحزب العدالة والتنمية هذا الحزب الذي جاهد كل سنوات حكمه لإنهاء النظام العلماني في تركيا. فمند انقلاب عام 1981 والدستور التركي ينص على أن الجيش حامي للعلمانية ولكن منذ مجيء هذه الحكومة الإسلامية وهي تعمل على فك عرا العلمانية في تركيا والتحول شيئاً فشيئا إلى إمارة إسلامية على الطريقة العثمانية ومنذ أول حكومة لأردوغان إلى اليوم تم تعديل أكثر من 36 مادة وقانون تقوي الاتجاه الديني في تركيا وأكثرها سخرية القانون 24 لعام 1981 الذي كان يمنع دخول الأطفال دون 12 سنه إلى المدارس الدينية بالإضافة لمواد تحد من صلاحيات القضاة الذين يعتبرون مع الجيش حماة العلمانية.
من هنا حاولت تركيا أن تظهر راعياً رسمياً لحقوق الشعب السوري والمحتضن للمعارضة التي تمثل هذا الشعب وقد ظن البعض أن الأمر كان يتعلق بمكاسب انتخابيه وأن العدالة والتنمية سيعود ويغير لهجته تجاه القيادة السورية ولكن هذا لم يتم قط في ظل استمرار التصعيد التركي كلامياً (ومن يكثر الكلام فعليك ألا تخافه أبداً).


تركيا و«مرحلة ما بعد الخسارة»

مشكله القيادة التركية أنها لم تترك مجالاً لتفكر حتى فيما بعد الخسارة ولعبت في الموضوع السوري بطريقه المقامرة (أربح كل شيء أو أخسر كل شيء) والعاقل عندما يدخل في أي مقامرة فهو يترك حساباً لخط الرجعة ولكن الأتراك تصرفوا وكأن النظام في سورية قد سقط، بل أكثر من ذلك هم ظنوا أنفسهم يتعاملون مع سورية التي دخلت في مرحلة انتقالية، والمعروف أن الدول التي تدخل مراحلها الانتقالية نتيجة لسقوط سلطه أو انقلاب عسكري أو ثوره تكثر الأيدي التي تحاول أن تقتسم كعكتها تماماً كما حدث في ليببيا وتونس ومصر.

توالت الصدمات على القيادة التركية من إخفاق تسويق مجلس اسطنبول كممثل للشعب السوري إلى قيام السلطات السورية بإحضار الضابط المنشق حسين الهر موش وهو الأمر الذي مازال يشكل صدمه قاسيه لتركية ثم توالى الحديث عن اعتقال سورية لضباط أتراك يقومون بتهريب الأسلحة دون أن تعلن القيادة السورية عن أي شيء يتعلق بهذا الأمر، وكل هذا كان بدافع تركي لتقوم القيادة السورية بإعلان هذا الأمر ولكن القيادة السورية قابلت الأمر بصمت مَهيب جعل نائب الرئيس التركي يعترف صراحةً بوجود ضباط أتراك معتقلين في سورية وليتوالى بعد ذلك التآمر التركي يقابله صمت وصمود سوري، علماً أن الوقت لم يكن في مصلحتهم مطلقاً وهم يتحدثون ليل نهار عن رغبتهم بإقامة مناطق عازله وما شابه وهذا بقي كله كلاماً بكلام لأن تركية (العدالة والتنمية) لا تملك أصلاً أن تنفذ قراراً بهذا الحجم دون غطاء دولي، فهم كانوا ينتظرون شيئاً ما ولكن الطموحات التركية تكسرت نهائياً بالفيتو الروسي الصيني المشترك وهنا دخلنا بمرحلة جديدة اسمها محاوله تدارك الأمور لأن تركيا (العدالة والتنمية) أدركت هنا أن اللعبة انتهت وأنها باتت الخاسر الأكبر في حال بقاء النظام فتركيا (العدالة والتنمية) لن تكون علاقتها بسورية قبل الأزمة كما بعدها وبنظرة سريعة للجغرافية التركية نجد أنها محاطة من الغرب بالاتحاد الأوروبي ذي الأبواب الموصدة وفي الشمال العملاق الروسي وفي الشرق إيران الصديق اللدود وأرمينيا العدو اللدود وفي الجنوب سورية التي فتحت لها باباً نحو المشرق العربي وإغلاق هذا الباب سيكون وضعه كارثياً لأن هذا الباب هو من تسبب بالانتعاش الاقتصادي في تركيا والتي يفاخر به أردوغان وحزبه وفي ظل الصمود الأسطوري لسورية بثالوثها الأقدس (شعب وجيش وقائد) حاولت تركيا أن تبحث عن بديل دون أن تُسقط استكمال تآمرها على القيادة في سورية ولكنها ومن دون أن تدري أوقعت نفسها في ورطة أكبر فأردوغان وبعد إغلاق الأبواب في وجهه ومحاصرة نفسه عندما قبل تطبيق العقوبات العربية على سورية ولم يفهم أبداً أن سورية تَعْزِلْ ولا تُعْزَلْ لجأ فيما يبدو إلى حليفه أوباما طالباً منه وساطة ما من أجل إعادة الإعلان عن مفاوضات بين تركيا والاتحاد الأوروبي من أجل انضمام تركية للتكتل الأوروبي تعيد شيئاً من المصداقية التي فقدتها القيادة التركية كبديل عن إخفاقه في إسقاط سورية والسيطرة على المنطقة مقابل إعادة إحياء فكره نشر الدرع الصاروخية في الأراضي التركية من هنا جاء إقرار مشروع القانون الفرنسي في الجمعية الوطنية بتجريم إنكار المذابح ضد الأرمن فكيف تم ذلك وما الرابط بينهما؟

حاولت بعض الصحف الفرنسية التابعة لليمين واليمين المتطرف أن تسوق فكرة مفادها أن ساركوزي أقدم على المشروع كسباً لأصوات الأرمن الفرنسيين لكن وفي حسبة بسيطة إذا كان هدفه كسب أصوات الأرمن الفرنسيين والذين يقدر عددهم بثلاثمئة ألف فلماذا يخسر أصوات الأتراك الفرنسيين والمقدر عددهم بنصف مليون شخص؟ يبدو أن الأمر أكبر من ذلك فأوباما الذي حاول التوسط لدى ساركوزي من أجل إلغاء الفيتو الفرنسي على الانضمام التركي للاتحاد الأوروبي مع الأخذ بالحسبان إمكانية مراضاة كل من قبرص واليونان كونهما يعانيان من أزمة اقتصادية خانقة دفعت الحكومة القبرصية مثلا لتعليق رواتب موظفيها عاماً كاملا. ولكن هل يجرؤ ساركوزي على طرح هذا الموضوع وتبنيه وهو على بعد أشهر من الانتخابات في ظل ارتفاع أسهم المعارضة وتحديداً في حال نجح فرانسوا هولاند في عبور الدور الأول لملاقاة ساركوزي في الدور الحاسم (علماً أن بعض الترجيحات ترشح ألا يتمكن ساركوزي من تجاوز الدور الأول وليكون الدور الفاصل بين هولاند ومرشحه اليمين المتطرف ماري دو لأبين) وارتفاع نسبة الكراهية والعداء للأجانب والإسلام في فرنسا من هنا حاول ساركوزي الخروج بأقل الخسائر دون أن يزعج راعيه الأميركي فتم الإيعاز لنواب من حزبه بالتقدم بهذا المشروع وبالتالي دق ساركوزي المسمار الأخير في نعش تركية العدالة والتنمية فتركيا اليوم باتت محاصره وحتى الاتحاد الأوروبي بات أبعد من الحلم وأصبحت تركيا خارج اللعبة تماماً والأهم من ذلك أنه ساوى بين الجرائم النازية والمذابح العثمانية ولكن ما أفقد تركيا (العدالة والتنمية) ما تبقى من مصداقيتها هو محاولة أردوغان التناطح مع القيادة الفرنسية عندما قال إنه سيعاقب باريس على هذا القانون ما جعل بعض المواطنين الفرنسيين يقولون متهكمين لا ندري إن كان سيشكل الجيش الفرنسي الحر أو يطالب ساركوزي بالإصلاحات أو الرحيل.


المسؤولون الأتراك

يرقصون رقصة المذبوح

لكن يبدو أن تركيا (العدالة والتنمية) لا تزال تتمسك ببصيص أمل فهي تتسول هنا وهناك من أجل شيء ما فها هو داوود أوغلو الذي زار طهران في محاولة للمقايضة بين بترولها وبين سورية وزيارته للبنان لم تخرج أبداً عن هذا الأمر وهذا الحراك التركي يعني تماماً أنهم يرقصون رقصة المذبوح فأوغلو عرض على حزب اللـه النأي بالنفس تجاه أي عمل عسكري ضد سورية وهذا يشبه تماماً كلام سعد الحريري للقيادة السورية عندما دعاها للتخلي عن دعمها لحزب اللـه وفي كل الأحوال فإن من استنشق المقاومة نهجاً لا يمكن له أن يعرف للغدر سبيلاً ويبدو أن أوغلو سيكمل جولته في أوروبا وأميركا ولكن الأمر بات واضحاً فالغرب اصطدم بالفيتو الروسي وتيار المقاومة متماسك أما الجيوش العربية التي يبشرنا حمد بمجيئها إلينا فأفضلها تسليحاً حُوصر من قبل الحوثيين في اليمن ولولا الوساطة السورية الإيرانية يومها لوجدنا الحوثيين وقد احتلو جزءاً من الأراضي السعودية.

إن تركيا (العدالة والتنمية) باتت اليوم شبه محاصرة وباتت أشبه بالمريض الذي يتوسل الموت الرحيم حتى بطولات أردوغان في ملاحقة مهاجمي سفينة (مرمرة) من الصهاينة انتهت لأن تركيا أعلنت وقف الملاحقات وبالتالي مزيد من الفشل ومزيد من فقدان المصداقية وأن كل من كان يهدد ويتوعد بات اليوم على مشارف الرحيل ينتظره أحد مصيرين إما الموت أو الموت السياسي وفي الحالتين بات لزاماً علينا أن نقول: بقي الأسد… وضحيته الأولى تستعد للرحيل فمن التالي؟ ربما علينا الانتظار حتى أيار المقبل ومن هنا حتى موعد الانتخابات الفرنسية نعود لصديقنا الفرنسي والذي خاطبني متسائلاً:
ليس لدي أدنى شك أن الأسد هو أحد أذكى القادة الموجودين في العالم حالياً ولكن كيف وقع في فخ العدالة والتنمية؟

أجبته ربما يجب أن تنظر للموضوع من ناحية أخرى لنقول إن الأسد آمن بالحوار والتلاقي بين الشعوب فالحكومات تأتي وتذهب ولكن الاتفاقيات هي الثابت حاول أن يثبت للشعب التركي أن سورية ليست كما كان يصور لهم في السابق كمنبع للإرهاب الذي يضرب شوارع المدن التركية فهمّه الأساس كان الشعب التركي لأنه الأهم ومن هنا نلاحظ أن هناك كثراً من الشرفاء في تركيا رفضوا طريقة التعاطي من قبل تركيا (العدالة والتنمية) مع الملف السوري وهذا ما كان ليحدث لولا السياسة الانفتاحية التي انتهجها السيد الرئيس وبالتالي يجب ألا نفكر بالغدر الذي قام به (العدالة والتنمية) بقدر ما نفكر بالثقة التي اكتسبها الأسد في قلوب شرائح مختلفة من الشعب التركي التي ترفض تطويق سورية وعزلها ففي سورية شعبٌ صامدٌ وحباها اللـه بموقع مميز جعلها قادرة أن تَعزل ولا تُعزَل وأن تُمهِل لكنها لا تُهمِل ولا تُهمَل إن سورية بلد الشمس من اقترب منها معتديا سيحُرق ومن اقترب منها محباً… على الأكتاف سيُحمَل في سورية كل شيء هو الأجمل.

23 كانون الثاني 2012

فرنسا – فراس عزيز ديب

الوطن

Leave a Reply

Your email address will not be published.