ميساك باغبوداريان: صلحي الوادي سلَّمه أمانة قدّم لها الأفضل

نورد اللقاء الذي أجرته جريدة (بلدنا) مع المايسترو ميساك باغبوداريان

كانت الموسيقا بالنسبة إليه مجرد درس ينجز ووظيفة تكتب، بعد أن دفعته والدته وهو في السادسة من عمره ليتعلم الموسيقا بدلاً من إضاعة الوقت في اللعب فترة العطلة الصيفية .. قائد الفرقة السيمفونية الوطنية ميساك باغبوداريان كان قد بدأ دراسة الموسيقا العام 1980 لتكون بدايته مع دروس خصوصية في الموسيقا، ويقول باغبودريان: “كانت والدتي تهتم بأن أتعلم الموسيقا، بل وتلاحقني على الوظائف وكأنها مادة مدرسية”.

درس باغبوداريان الهارموني والصولفيج، كما تعلم البيانو عند السيدة سينتيا الوادي زوجة الموسيقي الراحل صلحي الوادي سينتيا وجدت فيه موهبة يجب أن تنمو، كذلك زوجها صلحي الوادي.

هذه الموهبة لم يكن قد أدرك ميساك أهميتها بعد؛ فهي لم تكن حلمه بمقدار اللعب بالكرة مع أصدقاء الحارة، ماأنشأ صراعاً في البيت انتصر فيه خيار تعلم الموسيقا. و في العام 1987 قرر الراحل صلحي الوادي أن يدخله المعهد العربي للموسيقا .. لم تكن الموسيقا خياره بعد، بل كانت أمراً فرض عليه، سرعان ما تحول، بعد أن تعلم في المعهد العربي، إلى إدمان دفعه إلى التمرن وحده: صار الوضع مختلفاً .. عشت لحظات مع البيانو، كنت أشعر فيها وكأنني منعزل عن كل مايحيط بي.

بعد تخرجه في المعهد العربي، بحث عن ما يمده بالموسيقا التي تحولت إلى جزء من حياته، فدخل معهد شبيبة الأسد، بعد أن تم قبوله فيه. في معهد شبيبة الأسد درس مدة عامين اكتسب خلالها باغبودريان المزيد مما يشحن طاقته الموسيقية. وفي العام 1990 افتتح المعهد العالي للموسيقا، وهنا كان قد نال باغبودريان الشهادة الثانوية وبدأ دراسة الهندسة الكهربائية التي استغنى عنها من أجل الموسيقا: إن لم أعط ما أتعلمه حقه الكامل لن أكمل فيه، لذا فضلت أن أعطي الموسيقا حقها بدلاً من الهندسة التي درستها مدة ثلاث سنوات فقط هذا الخيار قلب المعادلة في بيت باغبودريان، بعد أن شجعه صلحي الوادي لدخول المعهد العالي للموسيقا: عندما التقيت الراحل صلحي الوادي مصادفة من جديد، سألني إن كنت جاداً في دراسة الموسيقا، فأجبته بأنني جاد بالتأكيد، وقال لي لم لا تدرس في المعهد العالي للموسيقا، وبالفعل تقدمت إلى المعهد وتم قبولي.
ما لم يكن خياره، بات قدره هو. أما العائلة، وقد خسرت خيارها في الهندسة، فقد لامت نفسها على دفعه إلى الموسيقا، خاصة عندما قررالسفر إلى إيطاليا لإكمال دراسته.

المفاجآت التي كانت تنتظر باغبوداريان تتالت؛ فاثناء دراسته الموسيقا في السنة الثالثة في المعهد العالي، فاجأه الراحل صلحي الوادي بسؤال: «مارأيك في أن تقود أوركسترا ؟!

حينها ظننت أنه يمازحني، ولكنه كان جاداً في كلامه .. العبارة الوحيدة التي قلتها لحظتها هي أنني لا أجيد ذلك، فقال لي تعال غداً عند الساعة السابعة صباحاً لأعلمك بالفعل كان باغبودريان عند الساعة السابعة، لكنه مازال يعتقد أن الأمر ليس جدياً. العام 1994 شهر كانون الأول هو التاريخ الأبرز في حياة باغبوداريان؛ فيومها وقف أمام الجمهور كقائد أوركسترا، وقدم مقطوعة واحدة كانت كأنها لحظة واحدة، لكنها لا تُنتسى.

ومازالت عائلته تتخوف من خيار الموسيقا الذي فضله على الهندسة؛ فلا المجتمع يرحم من وصفه له بالطبال، ولن يرحم العامل المادي حسب مايرى من حوله، فالموسيقا لاتؤمّن المال، إلا أن باغبودريان كان سعيداً بما اختاره، هذا الندم ازداد حين منحته وزارة الثقافة منحة السفر إلى إيطاليا ليكمل دراسته ويبدأ بالتجربة الأكثر قسوة هناك، ويضيف : في إيطاليا لم يعترفوا بكل ماتعلمته في سورية، هذا الامر آلمني كثيراً، خاصة عندما أرادوا مني أن أعود إلى الصفوف الأولى؛ أي إلى المبادئ في الموسيقا التي كنت قد تعلمتها قبل 20 عاماً ولكنني تجاوزت بسرعة كل التقييمات وتجاوزت الأمر بعد أعوام الدراسة، فأصبح مؤهلاً أن أكون مايسترو، وقد تعلمت الكثير في إيطاليا.

حمل باغبودريان الموسيقا على كاهله، معتبراً أن ماتعلمه مسؤولية تجاه بلده، وأن عليه أن يقدم لها الكثير، عاد ليكون قائد الفرقة السيمفونية: سلمني الراحل صلحي الوادي أمانة كان عليّ أن أقدم لها الأفضل، فهو كان يرى أنني مؤهل لذلك، لذا كان شديداً في بعض الأحيان، وكأنه كان يبحث عن أشخاص أمناء على الموسيقا وعلى مشاريعه التي بدأها، وليتنا نقدم- نحن الموسيقيين- جزءاً مما قدمه صلحي الوادي.

هذه المسؤولية دفعته لأن يبحث عن أفضل مايمكن ليقدمه، إلا أنه يتابع :مازلنا نواجه صدامات مع وجهات نظر متحجرة لاتعرف قيمة الموسيقا، ولكننا أيضاً مازلنا نسعى من أجل الموسيقا؛ فبعضهم مازال يعتقد أنه علينا أن نقدم موسيقا من القرون الوسطى ونحن مهد الحضارة الذين عرفنا الموسيقا قبل الجميع ونحن من يمتلك كنزاً موسيقياً عربياً كبيراً.

09/02/2012

سونيا سفر

www.baladnaonline.net

Leave a Reply

Your email address will not be published.