الأرمن في رحلة دي موريس

تشكل كتابات الرحالة ومذكراتهم جنساً أدبياً راقياً وممتعاً في آن واحد، لأنه لا يعكس الوضع الإجتماعي للأفراد والجماعات فقط، بل يرصد الأوضاع الثقافية والفكرية والحضارية السائدة أيضاً. فهو بهذا المعنى يؤرخ الأنثروبولوجيا الثقافية لمجتمعات وحضارات تلك البلدان التي زارها. وتأسيساً على ذلك فلا غرو أن يعتبر هذا النوع من الأدب الوسيلة الأكثر قدرة على رصد مشاهدات الرحالة لمختلف جوانب الحياة والطبيعة، وتوثيقها بالكلمة والوصف من خلال رؤيته لها كشاهد عيان، هذه الرؤية التي يفترض فيها الحياد نحو الظواهر حين وصفها، ولكنها غالباً ما جاءت مفعمة بمشاعر الرحالة، وهذا ما جعلها مؤثرة في أسلوبها وممتعة في تفاصيلها، كما أنها توثق المواقف والعادات والسلوكيات، التي تبدو عادية لدى السكان المحليين في حين هي غاية في الأهمية في دراسة تطور هذه الأنماط الثقافية، وكذلك في الدراسات المقارنة لعادات وقيم وتقاليد الشعوب وثقافاتها، وعلى هذا النحو يوفر الرحالة مادة علمية قيمة للدراسات الإجتماعية، والدراسات التاريخية، لمن سيأتون من بعده من الباحثين والمؤرخين والدارسين.

ويهدف هذا البحث إلى رصد الوجود الأرمني في منطقة سوريا وفلسطين والعراق وتركيا وأطراف الجزيرة العربية، من خلال رحلة الاسباني دي موريس لأجل البحث عن الحصان العربي إلى رؤية الأرمن الذين التقاهم بعينه نفسه وبفكره نفسه. أو بمعنى آخر، نقل الصورة التي رسمها الرحالة في الزمان نفسه، لنقوم بالحكم على الأفكار بمعايير عصرها وأفكاره، مع دراسة نقدية لما قدمه من معلومات سمع بها أو رآها، تبعاً لأغراضه، فالرحالة وهو يكتب، إنما يقدم لنا الحقيقة التاريخية بأسلوب قد يخلط فيه بين مشاعره الخاصة وبين الحقيقة، فيمتزج عنده الذاتي بالموضوعي، وهو ما يحتاج إلى دراسة تحليله متأنية ناقدة، لنستحضر ماضي هذا الوجود كما رآه حياً فلا نضيف له ولا ننتقص منه، بل نقدم صورته بالشكل الذي شاهده هو عليه ودونه في كتاباته في سطور متفرقة، ولعل إشارته بصورة خاصة دائماً إلى الأرمن لهو خير دليل عل وجودهم المميز وحرصهم على قوميتهم ومفاخرتهم بها، وإصرارهم على الظهور بمظهرها في أي مكان من أرجاء الدولة العثمانية، رغم ما كانوا قد تعرضوا له من مذابح في عام 1895، أي قبل رحلته بحوالي عشر سنوات فقط.

لنرى بعين دي موريس جوانب من حياة الأرمن، نرى صفاتهم وملامحهم، كيف يرون أنفسهم، وكيف يرون الآخر، كيف يعيشون في العالم العربي، وكيف يؤمنون أنفسهم، إلى غير ذلك من صفاتهم، للكشف عن جوانب من حياتهم، تتمثل في علاقاتهم بعضهم البعض، وعلاقاتهم بالحاكم، وعلاقاتهم ببيئتهم، وأنماطهم الثقافية، وما حدث على هذه القيم والخصال والأخلاق والعادات من تغير، وهي جوانب يصعب أن يعثر عليها المؤرخون في غير كتابات الرحالة، خاصة دورها في الكشف عن القيم المعنوية غير الملموسة، والتي لا يمكن أن توجد في الوثائق الرسمية المكتوبة، ولا في المخطوطات والكتابات المعاصرة، لأن مثل هذه القيم والعادات لا تعتبر شيء عجيب إلا لدى الأجنبي عن المجتمع، فيرصدها من كونها غريبة على مجتمعه، ومن هنا تأتي أهمية كتب الرحالة لإكمال الصورة العامة للعرض التاريخي عن مجتمع ما في وقت ما، ومن ثم تأتي أهمية هذا البحث.

 

علي عفيفي علي غازي

باحث دكتوراه بكلية الآداب جامعة دمنهور

Leave a Reply

Your email address will not be published.