تركيا تدرس التاريخ على منهج الحقد والكراهية …!؟

الدكتور أبراهيم أفرام

 

 

هناك الكثير من المنعطفاًت التاريخية التي عصفت بالإنسانية، مما حذا بالمؤرّخين والباحثين أن يولوا اهتماماً خاصـاً وكبيراً للتحديات المصيرية التي واجهتها الشعوب في أنحاء مختلفةمن العالم ومنها الشرق الأوسط، الذي واجه وما زال من الأزمات والمآسي والويلات والإبادات والضحايا تقدر بالملايين، حيث بات من الضروري أجراء دراسة شاملة لتاريخ المنطقة وتطبيق المنهجيات العلمية على تلك الأحداث التاريخية التي مرت بها المنطقة ودون الرضوخ لضغوطات معينة وفرضيات مسبقة تمليها سلطة حاكمة أو أرضاء لمجموعة ثقافية أودينية بعينها ويجب أن يكون الرائد والمنصف لتلك الحقائق التاريخ بمصداقيته وشفافيته.

كل أمة من أمم الأرض تعتبر درس التاريخ من دروس التربية، فتصوغه بحيث يؤدي مهمة تربوية في حياة المجتمع، فالتاريخ ليس مجرد أقاصيص تحكى ولا مجرد تسجيل للوقائع والأحداث فحسب، يدرس لأخذ العبر وتربية الأجيال وبشكل خاص الصاعدة منها ، فلا يمكن تزويرالتاريخ ليعطي  صورة وضاءة لإحداث معينة في نفس الدارس وإبراز الأمجادوالبطولات وحدها في حين يتم إغفال العثرات والانتكاسات والاعتداءات ، فليس ذلك هو المطلوب وإنما المطلوب أن يكون المجتمع والطالب هو المستفيد الأكبر فالتاريخ هو الذي يوثق أحوال الأمة في صعودها وهبوطها في رفعتها وانتكاستها والتي تخضع لظروف ومستجدات قد تكون ثابتة أو طارئة، تلك الدروس يجب أن لا تخابي أحداً ولا تنحرف عن مسارها وشفافيتها ومن أجل أيٍ كان، فالتاريخ يوسع أفق الإنسان ويطلعه على أحوال أمته والأمم الأخرى، تاريخ القادة حين ينجحون وحين يفشلون يشهد لهم ثباتهم وتقلباتهم، فيرى الإنسان بعين بصيرته كيف ترقى وتهبط وتسقط  الأمم وكيف تحيا الحضارات وكيف تصحو الشعوب أو تنام وتموت فكل أمة يضيع منها تاريخها ويشوش في عقول أبنائها يضيع منها طريقها وتتزعزع مصداقيتها أمام المجتمع المدني العالمي: فأي تاريخ تدرس الحكومة التركية في مدارسها اليوم …!؟

منذ ايار عام 2009 وزعت وزارة التربية والتعليم في عموم تركيا ما يقارب عشرة ملايين نسخة من كتاب التاريخ الذي يدرس في المرحلة الثانوية وتحديداً الصف العاشر ومنذ أشهرأثيرت ضجة إعلامية لمؤسساتنا ولعبت المطرانية في دير الزعفران بماردين دوراً ريادياً في الحملة بهدف حث الحكومة التركية ووزارة التربية لتصحيح الصورة المشوهة عن السريان في الأدبيات الرسمية والتاريخية التركية، فالكتاب وتحديداً الفصل المتعلق بشعبنا فيه من المغالطات التاريخية الخطيرة ومعلومات مشوهة حيث يدعي تارة أن الإمبراطورية العثمانية كانت الدرع الواقي للشعب السرياني.

وبالمقابل يتهم الشعبين الأصيلين الشقيقين الآشوري/السرياني والارمني بدعم القوات الأجنبية التي حاولت غزو الإمبراطورية العثمانية حينذاك  ويعطي روسيا مثال على ذلك، حيث  ينعتهم  بعبارات عنصرية وتحريضية وتشهريه تنم عن الحقد والكراهية وخلق العداوة وتقديم الصورة السلبية والمشوهة عنهم تضعهم في إطارالعمالة للخارج على حساب الانتماء للوطن التركي وليس فقط في فترة زمنية تاريخية معينة بل تتعداها إلى يومنا هذا حيث يركز أيضا على الجوانب الاجتماعية لشعبنافي العقودالأخيرة ويعزو زيادة هجرة الآشوريين إلى أوروبا لأسباب اقتصادية وبكل بساطة أنها أهانه للشعبين الآشوري والأرمني وعلى أرضهم التاريخية …!.

لقد ارتكبت الخلافة العثمانية من المجازر ضد الأرمن والأشوريين (السريان،الكلدان) واليونانيين والصرب والعرب فسواء كان لتلك المجازر علاقة مباشرة أم لا بالشؤون السياسية أو القومية أو الاقتصادية لهذا البلد أو ذاك فلا يجوز أن يتجاهلها المؤرّخون والباحثون لأنهّا مسألة تهمّ البشرية جمعاء وبما فيها  الذين ارتكبوها ،حيث كانت الأيديولوجية القومية للأتراك العثمانيين قد مهدت لبيئة ثقافية ونفسية جعلت من العثماني أن يؤمن بشخصيته القومية من حيث إضفاء الصفاء والسموّ والتفوّق القومي وبخطاب تمييزي سيطرعلى عقلية الأجيال ومنها جيل الشباب واليوم و بعيداً عن قيم العدالة والمساواة في جميع قطاعات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية،هذه الأيديولوجية المهيمنة على مؤسّسات المجتمع والتي تضفي الصفات المثالية المطلقة على المواطن العثماني التركي وقيمه وأفكاره في حين يتم تجرّيد الآخرين من الشعوب الأصيلة من الأرمن والسريان وغيرهم… من قيمهم ومثلهم البشرية معززاً ذلك بعبرات من الكراهية والحقد والتميز وليس على مستوى الطلاب في الصف العاشروإنما في المجتمع بأكمله وذلك بدلاً من إحلال السلام ونشرروح الإخوة والمحبة.

مهمة الكتاب المدرسي تعليمية والتعليم يجب أن يعززالتفاهم والتسامح والصداقة بين الأجناس والأمم وبين الطوائف الدينية باعتباره فرصة لتنمية شخصية الإنسان فكم يتناقض مضمون الكتاب الآنف الذكر مع ما وقعت عليه تركيا من مواثيق دولية: فالمادة 26 وفي الفقرة الثانية منها من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي اعتمد ونشر على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1948 حيث تنص تلك الفقرة على: “يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملاً، وإلى تعزيز احترام الإنسان والحريات الأساسية وتنمية التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الشعوب والجماعات العنصرية أو الدينية، وإلى زيادة مجهود الأمم المتحدة لحفظ السلام”.

إن تدوين المعلومات الصادقة والحقيقة مهمة إنسانية وحقوقية وأخلاقيه فالكتاب المتداول اليوم في تركيا يتناقض مضمونه جملة وتفصيلاً مع خطط وبرامج اليونسكو بخصوص الكتب المدرسية وخير مثال عل ذلك: وتحت عنوان “كتب التاريخ – حقل ألغام سياسي أو وسيلة لبناء السلام؟”، حيث عقد في العام الماضي في طوكيو باليابان أنشطة لليونسكو ومعهد جورج ابكرت للبحوث الدولية بشأن الكتب المدرسية ودورها جاء فيها “وللكتب المدرسية والمواد التعليمية دور مركزي في عملية بناء الهوية الوطنية والمركزية. ويمكن لهذه الكتب والمواد أن تشعل أزمات اجتماعية أو نزاعات عميقة ذات طابع اثني أو سياسي أو ثقافي أو ديني ويمكنها أن تكون محور هذه الأزمات أو النزاعات. ولكن من شأن الكتب المدرسية أيضاً أن تسهم في درء النزاعات أو في تسويتها (وفقاً لما جاء في تقريراليونسكو العالمي لرصد التعليم للجميع لعام 2011) وبات للكتب المدرسية دور جديد بفعل تحديات ألعولمة والانترنت وحركات الهجرة على المستوى العالمي، ونشوء مجتمعات جديدة متعددة

الإثنيات وعلى الرابط التالي :

http://www.unesco.org/new/ar/education/themes/strengthening-education-systems/languages-in-education/single-view/news/history_textbooks_political_minefield_or_path_to_peace

 

أليس من المفروض أن تستشيروا ذو الخبرة والاختصاص لكتابة كتب التاريخ المدرسية وخاصة ما يتعلق بشعبنا…!؟ فهناك من المختصين المعتمدين بتاريخنا في تركيا والعالم وبإمكانهم تقديم مادة تاريخية  دون تحريف أوانحياز لوجهة نظر أحادية الجانب وغير موضوعية كالتي اعتمدتها وزارة التعليم التركية مادة تعزز حرية التعبير والحواربين الجماعات المختلفة وتصويرالاختلافات في العرق على أنه ثراء في الفسيفساء البشرية، أليست هذه خيبة أمل أضافية لا تخدم قضية المجتمع التركي، أليس هذا الخطاب التمييزي الذي يؤدي إلى المزيد من تفتيت المجتمع…!؟

فتركيا اثبتت أنها بعيدة كل البعدعن المواثيق الدولية وخصوصاً الأوروبية والتي تشدد أيضا على الاعتراف وحماية الأقليات والشعوب الأصيلة فتركيا على قناعة تامة بأنه لم يكن هناك تمرد آشوري/ سرياني ضد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى،فلم تكن لديهم الأسلحة ولا الوسائل الأخرى للدفاع عن النفس ضد الأعمال

العدوانية والعدائية من قبل القبائل الكردية والقوات التركية، أنها الحقيقة التاريخية فيجب إعادة كتابة تاريخ الشعب الآشوري بمساعدة علماء الآشوريات ليعطى هذا الشعب ما يستحقه من إنصاف وتكريم كشعب قدم وضحى بالغالي والنفيس وبدون أي مقابل، فتركيا مطالبة اليوم بسحب الكتاب وتقديم الاعتذاروفي النهاية لا بد لي أن أقول أن من يشعل شرارة الحقد والكراهية لا بد وأن يحترق بنارها يوماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published.