الذكرى الـ 97 للإبادة

آرام يرفض «التركة» الأرمنية وجدّه يخاف ضياع الهوية

مادونا سمعان

بين الجدّ أرداتشيز والحفيد آرام أكثر من صراع أجيال، هو صراع على الهوية، أو ربما مفهوم الهوية.
يخاف أرداتشيز أن «يذوب» حفيده في «لبنانيته» فينسى قضيته الأرمنية، وهي أهم تركة سيرثها من بعده. يقول: «حين سيتذكّرني بعد موتي، أريده أن يذكرني بعبارات أرمنية وأن ينقل سيرتي إلى أولاده باللغة نفسها». يروي أن ذيول المجزرة استمرّت إلى يوم ولادته، أي بعد اثني عشر عاماً على تهجير الأرمن على يدّ العثمانيين. يومها كان أهله من اللاجئين إلى سوريا. يومها لم يكن من خبز يكفي في المعجن، لأن الوالد الذي كان يعمل في الزراعة لم يجد له عملاً في بلد اللجوء. فكانت العائلة المؤلفة من أمّ وأب وسبعة أطفال تكتفي مما كانت تقدّمه إليها الأديار المجاورة من إعانات.

“جعت بعد اثني عشر عاماً على المجزرة”، يقول الجدّ، وعاصرت عائلات كانت ما زالت تبحث عن بعضها. مات الأب وبقيت الأم التي علمت أن أحد الأقارب أنقذ ابناً لها فأتى به إلى لبنان، بينما حطّت عائلته رحالها في سوريا. شهدت على معاناة الأرامل وعلى كدّ الأبناء لإعالة أخوتهم. ورأيت أطفالاً أضاعوا أهلهم في الطريق. أذكر نظراتهم التائهة وكأنها تنظر إلى فراغ. منهم من لم يعلم كيف يسأل عن أهله، ومنهم من كان يلملم الخيوط إليهم ولكن من دون جدوى.

بعد أكثر من ثمانين عاماً لم ينس أرداتشيز ما عاناه الأرمن. يخاف من أن تضيع القضية ومعها الهوية، ومن أن تسقط يوماً ما في النسيان «فيتحوّل الأرمن طائفة لبنانية». لذلك يصرّ اليوم على تمسّك أولاده ومن بعدهم أحفاده وأولادهم باللغة الأرمنية أولاً، «لأنها مفتاح الهوية وضمان بقاء القضية». يرفض أن يتحدث مع أي منهم باللغة العربية أو أن يرفع لافتة فوق معمل الأحذية الذي أسسه بلغة غير الأرمنية. لكن هذا التشدّد لا يعجب الحفيد آرام. وآرام اسم أرمني اختاره الجدّ لحفيده، رافضاً اسم «جورجيو» الذي كان ابنه قد اختاره للمولود الجديد.

لا يخفي آرام تأثره بمعاناة جدّه وأخواته، ويعتبر أنه صاحب قضية لكن على طريقته، وطريقته لا تعجب جدّه الداعي دائماً إلى الزواج من أرمنية، وارتياد المدارس الأرمنية والسكن إلى جانب أرمن، وتشجيع التجار الأرمن. فآرام إن كان يتفق وجدّه على مقاطعة تركيا من البضائع إلى المسلسلات، يرفض أن يحصر خياراته للزواج بالصبايا الأرمنيات.

يسأله: «ماذا لو أحببت لبنانية عربية؟»، فيجيب الجدّ: «سيكون عليها أن تتعلم الأرمنية وأن تربّي الأولاد وفق التعاليم الأرمنية، فالمرأة يجب أن تتبع زوجها في كل أمر». يردّ الحفيد: وهل أنت ذكوري إلى هذا الحدّ؟.

يعلم آرام أن مسألة حقوق المرأة خط أحمر عند جدّه «لأنه خبر نساء جبارات، من أمه إلى زوجته أي جدتي وحتى بناته. فهن بالنسبة إليه مقدّسات لأنهن استطعن المحافظة على عائلاتهن في ظروف الفقر واللجوء والحرب.

بعيداً من موضوع الزواج، يرى آرام في الإصرار على ارتياد مدارس وجامعات أرمنية تقوقعاً وعدم انفتاح على خيارات قد تكون أفضل له: «لماذا جامعة أرمنية؟ ولماذا مدرسة أرمنية إن كان مستوى التعليم أفضل في مكان آخر؟ يسأل. «ألا يمكن المحافظة على الهوية والقضية إلا إذا أقمنا كانتوناً يرفع بيننا وبين مواطن لبناني آخر، ليس أكثر منا مواطنية، جداراً عاليا؟ً». يضيف: حينها ما الذي سيفرقنا عن اللاجئين؟.

بالنسبة إلى الحفيد عدم الذوبان في المجتمع اللبناني يعني البقاء على صفة اللجوء التي خرج منها الأرمن منذ حصلوا على الجنسية اللبنانية. ففي رأيه «يسمح لبنان بالتمايز أكثر من غيره من البلدان، ما دام أنه مؤلف من أكثر من طائفة. فالخصوصية الأرمنية لا تختلف عن الخصوصية السنية أو الشيعية أو المارونية أو الأرثوذكسية أو حتى الدرزية».
وأكثر، يتحدث ابن الثانية والعشرين، الذي يتخصص في هندسة الميكانيك، عن خصوصية بنّاءة، شارحاً أن الأرمن لم يتعاطوا في السياسة من باب الطائفة، بل كانت خياراتهم دائماً وفق ما يرونه مناسباً للبنان.

يرى آرام في مجزرة العام 1915 «تاريخاً نتذكره ولا ننساه»، بينما هو بالنسبة إلى الجدّ حاضر نعيشه إلى أن نسترد أراضينا كاملة.

لا يمثل آرام رأي جيله من الشباب الأرمن، كما يؤكد، لكنّه يخاف من أن يمضي في الحياة مع «تركة» لا يلتمس منها إلا ذكريات أليمة ومستقبل غير واعد بحسب التطورات الإقليمية في المنطقة، لاسيما مع الدور المعطى اليوم لتركيا. من أصدقائه مَن يكفيه انتزاع اعترافها بالمجازر، ومنهم من يصرّ على آخر شبر من الأرض، وبالنسبة إليهم 1915 ليس بعيداً، ولو أن من عايشوه فعلياً أخذوا قصصهم معهم ورحلوا.

لاجئ ومواطن

يعني الأرمن باسترجاع أراضيهم، أي استرجاع الأراضي الأرمنية التي كانت تحت السيطرة التركية في العام 1915. يروي أرداتشيز أن غالبية الرجال يومها كانوا مجندين في الجيش العثماني، واتخذ القرار بنقل النساء والشيوخ والأولاد إلى مناطق آمنة، لكن فعلياً كان القرار بإبادتهم بعد اتهامهم بالتواصل مع الجيش الروسي. وذلك بعد اعتقال المثقفين والمفكرين الأرمن ليلة 24 نيسان.

لجأ الأرمن إلى سوريا ولبنان ودول شرق أوسطية أخرى. يقول عضو اللجنة المركزية في «حزب الطاشناق» أواديس كيدانيان: أتينا إلى لبنان كلاجئين لفترة معينة، وكنا نترقب العودة. لم نبن منازل بل سكنا في بيوت من تنك ولم نتعلم اللغة العربية حتى. لكن بعد مرور خمسين سنة شعرنا أن قضيتنا لن تحلّ بسرعة وأن ملاذنا الآمن هو في البلدان التي لجأنا إليها. فبنينا المنازل وكانت متواضعة، وأسسنا أعمالاً وتجارات صغيرة، واكتسبنا الجنسية، فكان اكتسابها عامل استقرار لنا.

من هنا لم يشكل استقلال أرمينيا عامل جذب لأرمن لبنان، فأوضاعهم في البلد الصغير الذي اعتادوا عليه أفضل من بلد ينفض غبار “الاتحاد” عنه ويؤسس لاقتصاده. مع ذلك، بدأ عدد كبير من الأرمن بطلب استعادة الجنسية من أرمينيا، ومنهم من يحمل الجنسيتين اليوم.
“هي قضية تفهم ولا تفهم”، يقول كيدانيان، “الأكيد أن ما من أهداف للوصول إلى الحكم في لبنان، ولكن دخول الحياة السياسية اللبنانية بالخصوصية الأرمنية وللمحافظة عليها، لأنه في المبدأ لدينا دولة ثانية”.

على الأرض الواقع هناك 30 في المئة من الأرمن، وفق كيدانيان ممن ذابوا في المجتمع اللبناني، حتى أنهم لا يتكلمون الأرمنية. وقد ساعد في ذلك الاختلاط والمصاهرة. من هنا تعوّل القضية الأرمنية على 70 في المئة من أبنائها ممن يصرون على عودة أرمينيا قبل احتلالها وقبل اقتطاع أراضٍ منها. ولعلّ استقلال أرمينيا سيُبقي قضيتها مطروحة مئة سنة بعد المئة التي نشرف عليها.

لا تصعب على كيدانيان مقارنة الأرمن الذين لجأوا ذات يوم إلى لبنان وأصبحوا مواطنين، باللاجئين الفلسطينيين إليه. يقول: الجنسية تبعد عن الهوية، لكن الفرق بين القضية الأرمنية وتلك الفلسطينية أن الأخيرة مازالت مشتعلة ونارها لم تنطفئ يوماً، والتنكيل بأبنائها مستمر ويومي. وقضيتهم هي قضية البلدان التي لجأوا إليها وهم على حدودها. لكن نقطة الضعف تكمن في عدم الاعتراف دولياً بوجود دولة فلسطين، في حين أن للأرمن دولتهم الأرمنية المعترف بها ولو بغير حدودها الأصلية.

يقول: وضع الأرمن في حقبة الخمسين سنة الأولى من اللجوء، يشبه حال اللاجئين الفلسطينيين اليوم. أما الأرمن اليوم فهم في الحقبة الثالثة من تاريخهم، والتي نقلتهم من بيوت التنك فالتجمّع في برج حمود وبيروت إلى التوسع إلى المناطق المتنية بفعل تطورهم الاقتصادي.

 

السفير

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.