الأرمن في لبنان: نوستالجيا الانتماء ووحشية الابادة

في الذكرى الـ 97  للابادة الارمنية، يتذكر الارمن في لبنان مآسيهم ويؤكدون اندماجهم في المجتمع اللبناني، وتفوح من أحاديثهم نوستالجيا الانتماء الاصلي

في الذكرى الـ 97  للابادة الارمنية، يتذكر الارمن في لبنان مآسيهم ويؤكدون اندماجهم في المجتمع اللبناني، وتفوح من أحاديثهم نوستالجيا الانتماء الاصلي، وكذلك تبدو على وجوههم وحشية الابادة التي تعرض لها اسلافهم، فهم اليوم أكثر اصرارًا على ضرورة الاعتراف بالمجزرة.

بيروت: يلتفت المصرفي الارمني اوسيب يمينًا وشمالاً قبل الاجابة على اسئلتنا. ويسأل عن السبب الذي يدفعنا الى اجراء هذا الاستفتاء عن ارمن لبنان. وبعد أن يطمئن الى فحوى الاسئلة، يقول إنه ولد في لبنان وجده أتى الى هنا بعد المجزرة الارمنية العام 1915، وتاريخ ارمينيا معروف من كل المواطنين الارمن في لبنان لأنه يتم تدريسه في كل المدارس.

أوسيب لم يزر ارمينيا ابدًا لكنه يعتبرها موطنه الاصلي غير أنه يرتاح اكثر في لبنان، وهو لا يزال متأثرًا بالحرب اللبنانية خصوصًا عندما كان يسمع العبارة التالية: “البابور (أي الباخرة) الذي أتى بكم الى لبنان ليعدكم الى موطنكم”. عن المجزرة الارمنية يتذكر ما قاله له جده إن اهله ذبحوا وبقي الجد في الميتم في ارمينيا قبل أن يذهب الى لبنان.

الكسان سيركيجيان يبدو اكثر ترحيبًا من الاخرين بالحديث عن نفسه، ويقول إن والده أتى الى لبنان في العام 1963 وهو ولد هنا وجده  هرب الى سوريا وبعدها الى لبنان. والكسان بائع اكسسوار الكترونيك وكهرباء، لا يزال يذكر ما كان يحدّثه به جده لأمه عن المجزرة الارمنية وكيف قتل اهله وتفرق مع اخوته الصغار ليلتقوا بعد 3 سنوات مجددًا.وهو يزور أرمينيا ويفكر في بعض الاحيان أن يعود، وأهم شيء بالنسبة له الا تُنسى القضية الارمنية لأنها اصبحت من ثقافتنا وأن يتم الاعتراف بالمجزرة.

كسباريان

ليون  كسباريان (صاحب محل في برج حمود) يقول إن والده لجأ الى لبنان بعد “المذبحة” العام 1915، وأن هذه المذبحة كانت نتيجة سياسية بين الالمان والانكليز عندما سعى الالمان الى انشاء خط سكة حديد بين تركيا والشرق الاوسط واعترض على الامر شخص أرمني، ولذلك تمت المجزرة بحق الشعب الارمني. ابوه كان تاجرًا في ارمينيا سافر الى اليونان وبعدها الى لبنان، وهو يعتبر نفسه لبنانيًا 100%.وهو لا يحبذ العودة الى ارمينيا ويقول بأن احلى بلد في العالم هو لبنان.   بوغوس يقول إنه ولد هنا ولا يزال يذكر جده الذي كان يبكي دائمًا عندما يتحدث عن ارمينيا، وهو زارها مرة واحدة مع العائلة، لكنه يحب البقاء في لبنان.

في لبنان ما يقارب الـ 100 الف أرمني، 80 الفًا من الارثوذوكس و20 الفًا من الكاثوليك، يتوزعون على مختلف المناطق اللبنانية ويتواجدون بكثرة في منطقة برج حمود وعنجر وانطلياس، وقد حصلوا على الجنسية اللبنانية ولهم في البرلمان اللبناني العديد من النواب وهم يتوزعون على ثلاثة احزاب رئيسية: الطاشناق والهنشاك ورامغفار.

ولعب الارمن في لبنان دورًا مهمًا في الحياة الاجتماعية وشكلوا ثقلاً في الحياة السياسية وبقوا على مسافة واحدة من جميع الطوائف المكونة للشعب اللبناني فلم يستفزوا مشاعر احد ولم يشاركوا في الاحداث الداخلية ودفعوا ثمنًا باهظًا بسبب موقفهم هذا، الا أنهم لم يتراجعوا عن هذه الاخلاقيات وقد احبهم الجميع واحترموا من قبل الجميع. واتسم الارمن بالصدق في تعاملهم وحسن ادائهم. صدقوا في المعاملة وصدقوا في الحياة السياسية وبرز منهم نواب ووزراء وقادة جيش ولهم صحف تصدر باللغة الارمنية “ازتاك” وسواها، ولم يسكن الارمن في مساكن خاصة بهم فأحياؤهم خليط من مختلف شرائح الشعب اللبناني ولهم مدارس وكليات اهمها كلية “هايكازيان”. ويتكلم الارمن اللغة العربية الى جانب احتفاظهم بلغتهم الام وارتباطهم العاطفي بانتمائهم فاندمجوا في مجتمعهم .

ويتذكر ارمن لبنان المجزرة الكبرى التي بدأت  بتاريخ 24 نيسان/ ابريل 1915 ، ففي ذلك اليوم المشهود اعتقلت السلطات التركية ستمائة زعيم ارمني في اسطنبول وأقدمت على تصفيتهم جسديًا عن بكرة ابيهم، وسرح كل الجنود الموجودين في الجيش التركي من أصل أرمني ثم ارسلوا الى الاعمال الشاقة وقتلوا هناك.

ثم تلقى الارمن العائشون في منطقة الاناضول الشرقية انذارًا بمغادرة منازلهم خلال اربع وعشرين ساعة وإلا تعرضوا للقتل، وعندما خرجوا من قراهم تمت تصفية كل الرجال الاصحاء وسمح فقط للنساء والاطفال والشيوخ بالهرب سيرًا على الأقدام مسافة مئات الكيلومترات من دون غذاء أو دواء.

وفي الطريق اغتصبت النساء ونكل بالباقين حتى قتل معظمهم بشكل أو بآخر. وانضمت القبائل الكردية والتركمانية الى الجنود العثمانيين من اجل التنكيل بالارمن. وخلال عام أو اكثر قليلاً قتل ما لا يقل عن مليون ارمني، أي نصف عدد سكان الارمن العائشين في ظل الامبراطورية العثمانية. اما الاتراك فلا يعترفون بقتل اكثر من ثلاثمائة الف شخص، ويرفضون القول بأن العملية قد تمت بتخطيط أو عن سابق قصد واصرار.

وكي يصبح الصوت مدويًا ومسموعًا في كل أقطار العالم، كان لا بد من وجود وسائل إعلامية تعطي القضية الأرمنية حقها، وتسمح لهذه الفئة التي باتت تشكل شريحة كبيرة، أن تبقى على تواصل مع ما يجري حولها وبلغتها الأم التي تحمل في طياتها الذكريات الحلوة والمرة، والأهم أنها تحمل جذور هوية ثقافية وحضارية لجماعة ترفض مسح ذاكرتها أو طمس هويتها، رغم اندماجها الوطني الكامل حيثما حلت. هكذا كانت الصحافة الأرمنية في لبنان، وسيلة تواصل ودفاع عن ذات تستحق الحياة، وأداة تثاقف وحضارة لجماعة مميزة في لبنان والمنطقة.

الصحافة الارمنية

في جردة سريعة لعناوين الصحافة الأرمنية في لبنان، تظهر عشرات الأسماء ليوميات وأسبوعيات ودوريات مختلفة، كما لاختصاصات سياسية وثقافية واجتماعية ورياضية وغيرها. فالصحافة الأرمنية في لبنان ملازمة لنشوئه في عشرينات القرن الماضي، والأسماء أكثر من أن تحصى: “بونيغ” لصاحبها الدكتور ملكونيان ، “ازتاك”، لصاحبها هايك باليان، والناطقة باسم حزب الطاشناق، جريدة “زارتونك” لحزب الرامغفار، وجريدة”آرارات” لحزب الهنشاك. كما صدرت في بيروت مجلات أسبوعية فنية، ثقافية، أدبية وخاصة بشؤون المرأة، إضافة إلى مجلات ودوريات أخرى.

ومن المجلات الأرمنية مجلة “هاسك” التي تصدرها كاثوليكوسية الارمن الارثوذكس، و”ماسيس” لبطريركية الأرمن الكاثوليك، و”باكين لجمعية “هاماسكايين” للثقافة والتعليم، و”مارزيك” لجمعية الهومنتمن الرياضية والكشفية.

www.alarabiya.com

Leave a Reply

Your email address will not be published.