رجال وأقوال وضمائر…

بقلم: آرا سوفاليان

 

في الذكرى السابعة والتسعين لأول جريمة ابادة عرقية في القرن العشرين وكانت من نصيب شعبي المسالم “الشعب الأرمني” جمعت هذه الأقوال التي صدرت عن نوعين من الرجال النوع الأول وهو أصحاب الضمائر الميته والنوع الثاني وهو أصحاب الضمائر الحية، حيث لا يوجد تصنيف آخر، ولا يهم إذا كان صاحب التصريح أرمنياً أو تركياً لأن الضمير الحيّ يزيل العداوة في حين يزرع الضمير الميت الأحقاد والضغائن ويزيد في تعميق وتوسيع المشكلة .

ـ يجب ألا نترك أرمنياً واحداً في تركيا، يجب أن نقتل الاسم الأرمني، سيتساءل بعضكم هل من الممكن أن نكون برابرة إلى هذه الدرجة؟ أو ما الضرر الذي سيأتينا من الأطفال والعجزة والمرضى لنقتلهم؟ من الوحشية قتل الناس الأبرياء، هكذا ستقولون: أرجوكم يا حضرات الأفندية، لا تكشفوا عن شعور الضعف والأخلاق في قلوبكم فهذا مرض خبيث، نحن في حرب وما هي الحرب في نهاية المطاف؟ أليست هي الوحشية بذاتها؟ إن الوحشية تكمن في قوانين الطبيعة… الدكتور ناظم، عضو اللجنة المركزية لحزب الاتحاد والترقي (فقره من خطابه أمام أعضاء اللجنة)

ـ عندما تحاول وصف الفظائع التي اقترفها هؤلاء المجرمون يرتجف قلمك في يدك، أطفال أبرياء لا يعلمون شيئاً من مشاكل العالم كان كل ما يحتاجون اليه هو المحبة والعطف، كانوا نائمين في أحضان أمهاتهم وابتسامة ملائكية ترتسم على شفاههم، وفجأة يتم اختطافهم من أمهاتهم ويلقون حتفهم بضربة فأس قوية وتسيل الدماء والدموع من أعينهم في حين يضحك الجزارون الأتراك بهستيرية على ما فعلوه ويرغمون الآخرين الذين ينتظرون موتهم أن يضحكوا معهم، كيف يمكن وصف وحشية مجنونة كهذه دون أن يهتز الجسد والروح معاً من هول هذه الفاجعة!… مولان زادة رفعت… أحد القادة المرموقين في حزب تركيا الفتاة.

ـ لقد تمت إبادة حوالي مليون ونصف أرمني أغلبهم من الأطفال والنساء في مناطق عديدة من الدولة وأعتقد بأن مسألة النفي والقتل المفجعتين بحق الأرمن تجعل اسم التركي خليقاً بلعنة الإنسانية الأبدية… نعيم بك رئيس حركة تركيا الفتاة

ـ إنني أنجزت من القضية الأرمنية خلال ثلاثة أشهر فقط ما عجز عنه عبد الحميد خلال ثلاثين سنة… طلعت باشا وزير الداخلية.

ـ المجازر الأرمنية التي اقترفها النظام العثماني فاقت في وحشيتها وحشية جنكيز خان وتيمور لنك بدون شك، ونوايا الاتحاديين لم تكشف إلى العالم المتحضر تحيزهم علانية إلى جانب المانيا، واذا كان هناك وجود لشعب اتصف بصلاته الوثيقة بالأتراك واخلاصه وخدماته الجليلة للبلاد وصلته برجال الدولة والموظفين والفنانين والأذكياء الذين قدمهم، فهو من دون شك الشعب الأرمني، وأسفاه عندما يفكرالمجرمون بأن شعباً بهذه المواهب يجب ان يختفي من التاريخ فإن أقسى القلوب تنزف دماً على هذا التصرف وأنا أرغب من خلال صحيفتكم المحترمة أن أعبر عن غضبي حيال هذه الممارسات الوحشية ضد الأرمن من قبل الجزارين وأسفي الكبير على الضحايا البريئة.

محمد شريف باشا سفير الدولة العثمانية في السويد في مقابلة مع جريدة جورنال دو جينيف بتاريخ 21 /9/1915… (تاريخ هذه المقابلة يفيد بأن السلطنة كانت في أوج قوتها فالتصريح أتى قبل وليس بعد وهذا دليل على شجاعة السفير وضميره الحيّ)

ـ ليس هناك ثمة أدنى شك في حصول المجزرة فالمسؤولون الأتراك في تلك الفترة كانوا يحلمون في بناء امبراطورية بانتوركية طورانية تبدأ بتركيا الحالية وتصل إلى آسيا الوسطى

المخرج السينمائي يلماز غوناي…أثناء ادلائه لشهادته أمام اللجنة المركزية لمحكمة الشعوب.

(هذه الامنية الشوفينية والعنصرية دفع الأرمن ثمناً فادحاً لها فلقد ذهبت أرضهم التاريخية وقتل منهم 1.5 مليون شهيد، ولم تتحقق هذه الامنية التي تتمثل بقيام وحدة بين تركيا والدول التي تنحدر من أصول تركية كأذربيجان وتركمانستان وتركستان وقرغيزستان وجمهوريات أخرى تقع كلها في الاتحاد السوفياتي السابق وتم تحجيم هذه الامنية من قبل الاتحاد السوفياتي السابق حيث بقي ما تبقى من أرمينيا أرمنياً وبقيت أذربيجان والدول التي الى شرقها في مكانها، لتعود تركيا الى الضرب على الوتر السابق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لتلقى من جديد الصد من روسيا الاتحادية دون الاستفادة من دروس التاريخ).

ـ ليعلم الأرمن جميعاً أن الأرمن الساكنين في اسطنبول هم رهائن بيد الأتراك، فلينسوا الماضي وإلا فسوف لن يعيش أي فرد أرمني في اسطنبول، صحيح انه ليس سهلاً القيام بمذبحة جديدة لكن بإمكاننا ان نجعل الجو خانقاً جداً بالنسبة لهم، حكمت بيل صحيفة يني كازيت التركية 25 كانون الثاني 1967

ـ البرقية رقم 544 شرحنا سابقاً عن سبب اختيار سنجق دير الزور كمرحلة نهائية لتهجير الأرمن وذلك في الثاني من آب 1915 وبموجب الأمر السري رقم 1843 لن تلاحق الحكومة أولئك الذين يشتركون في تهجير الأرمن وقتلهم ولن نقاضيهم، أخبرنا عن هذه الناحية مسؤولي دير الزور وأورفا أيضاً 3 تشرين الأول عام 1915 …وزير الداخية…طلعت.

ـ البرقية 603 علمنا من مصادر موثوقة بأن أيتام الأرمن المهجرين من الذين تم ابادة أهلهم على طرقات سيواس معمورة العزيز خربوط ديار بكر ارزروم، تتبناهم بعض الأسر المسلمة أو يخدمون في بيوت هذه الأسر، نأمركم بجمع هؤلاء الأيتام من بيوت المسلمين وتهجيرهم إلى الصحراء… وزير الداخلية…طلعت.

البرقية 537 نسمع بأن الموظفين وأفراد الشعب يتزوجون من نساء أرمنيات أعلمكم تحت طائلة العقوبات الشديدة بضرورة جمع تلك النسوة وإرسالهن إلى الصحراء… وزير الداخلية طلعت.

ـ كم سننتظر؟ ألم تكونوا أنتم من دفن 40 فدائياً أرمنياً في قلعة عنتاب وهم أحياء؟ ألم تكونوا أنتم الشعب الذي نصّب الراية التركية على قبب الكنائس الأرمنية؟ ألم تكونوا أنتم نفس الشعب الذي أحرق بيوت الأرمن بمن فيها في عنتاب… صحيفة يني استقلال التركية 11 آب 1965

ـ وبصرف النظر عن حدوث أمر ما أو عدم حدوثه لا يحق لأي شخص دعوة تركيا إلى الرضوخ لمطالب تستند إلى أكاذيب، وليس من المعقول التفتيش عن كبش محرقة بالنسبة إلى أحداث وقعت قبل عشرات السنين وبات المسؤولون عنها في كتب التاريخ…تورغوت أوزال رئيس الجمهورية التركية ” جريدة غونيش التركية ” نيسان عام1985

(حدثت أم لم تحدث يا سيادة الرئيس أم انها وقعت فعلاً قبل عشرات السنين وبات المسؤولون عنها في كتب التاريخ كما أشرت سيادتك!)

-يا سيادة الرئيس هناك من صادر الأرض والسهول والجبال والبيوت والكنائس والمدارس وكروم العنب وحقول القمح والزرع والضرع والزرائب والأنهار والغدران والينابيع والأشجار والثمار والقلاع والأسوار وأورثها لأبنائه وترك أصحابها هائمين على وجوههم في ديار الله الواسعة بلا أرض ولا وطن بعد أن ذبح أصولهم وفروعهم وأباد معظمهم وأحرقهم بالنار ودفنهم أحياء وانتهك أعراضهم وسبى نسائهم وسرق ذهبهم ومالهم وحلالهم وقتل شبابهم بعد ان جردهم من سلاحهم وكانوا يخدمون العلم وأجبرهم على حفر قبورهم على أنها خنادق دفاعية وأطلق عليهم النار من الخلف ودفنهم وبعضهم جرحى لم يلفظوا الروح بعد…فلو ان الذي وقع فعلاً لم يقع فكيف نفسر خلو الأراضي التاريخية للأرمن من أصحابها؟ وما رأي سيادتك بما قاله الأب الروحي لك ولتركيا الحديثة؟ وهو الآتي:

ـ لقد ارتكب مواطنونا جرائم لا يصدقها العقل ولجؤوا إلى كل اشكال الاستبداد التي لا يمكن تصورها ونظموا أعمال النفي والمجازر وأحرقوا أطفالاً رضعاً وهم أحياء بعد أن صبّوا عليهم النفط واغتصبوا النساء والفتيات أمام ذويهم المقيدي الأرجل والأيدي واستولوا على الممتلكات المنقولة والغير منقولة للشعب الأرمني وطردوا إلى بلاد ما بين النهرين والصحراء السورية أناساً في حالة من البؤس والشقاء وأهانوهم واضطهدوهم خلال الطريق بوحشية لا توصف …لقد وضعوا الشعب الأرمني في ظروف لا تطاق لم يعرفها أي شعب طوال حياته.

الضابط مصطفى كمال، الشاهد في محاكمة زعماء حزب الاتحاد والترقي.

وفي 24 نيسان 2012 وجه المؤرخ التركي تانير أكتشام رسالة إلى رئيس وزراء تركيا اردوغان الذي يستمر في الاعلان أن الشعب التركي لم يرتكب أي إبادة، وأن تاريخ الاسلام لم يشهد إبادة…مذكراً بالوثائق والدلائل التي تثبت أن الذي حدث عام 1915 كان إبادة جماعية.

حيث أشار أكتشام إلى رسائل أنور باشا وطلعت باشا تبين أن المجازر الأرمنية كانت منظمة على يد الحكومة التركية. وكتب أكتشام يقول: “هناك رسالة مهمة تبين أنه في 7 ايلول عام 1916 تم الاستيلاء على ممتلكات كاثوليكوسية الأرمن في سيس، وتم ترحيل الكاثوليكوس… ربما لا يعلم أردوغان عن هذا الأمر، لكننا نحن نعلم، ولكن لا يمكننا التأكيد على أن شعبنا التركي لم ينفذ إبادة جماعية… هناك من قام بتنفيذ الابادة بحق الأرمن في هذه البلاد حتماً، فإن لم نكن نحن فمن هو إذاً ؟”.

ـ أما هرانت دينك فلقد قال: حتى ولو أبعدتم شعبي بطائرات من الذهب فلقد دمّرتم شعب له تاريخ مشرق وموغل في القدم  وله سبق في المساهمة بالحضارة والإنسانية، فقوضتم حضارته وقضيتم إلا قليل على مقوماته القومية والمدنية والإنسانية، وسلبتم أرضه التاريخية، وحوّلتم أفراده إلى لاجئين هائمين على وجوههم بدون أرض وبدون وطن يبحثون عن مأوى وملجأ في ترحال متجدد وبلا أمل…وبهذه المقولة إختتم هرانت دينك مقالة الضمائر الحرة وخرّ صريعاً بعد أن تلقى رصاص الغدر من الضمائر المتعبة فبكاه شعبه وآخرون من غير شعبه من أولئك أصحاب الضمائر الحرة…الذين يزداد عددهم كل يوم ليبرهنوا بأن الخصال الانسانية لا تفقدها الشعوب حيث لا بد ان تعود اليها مهما طال الزمان.

* الصورة المرفقة بالمقال موجودة في صرح الفاتيكان تبين صلب النساء الأرمنيات في دير الزور…ولم أهتدي منذ وقوع هذه الصورة بيدي وحتى هذه اللحظة، لم أهتدي الى ما يبرر هذه الأفعال المروعة التي ينأى عنها ويأباها الناس في أكثر الشعوب تخلفاً وهمجية.

آرا  سوفاليان كاتب وباحث في الشأن الأرمني

دمشق 24 نيسان  2012    arasouvalian@gmail.com

Leave a Reply

Your email address will not be published.