النموذج الأرمني المصري

أليسون تاهميزيان أرمنية أمريكية، طالبة دراسات عليا بجامعة جورج واشنطن. تخصصت في العلوم السياسية و اللغة العربية، و هي حاليا تعمل مشرفة بمدرسة إليوت للشؤون الدولية بجامعة واشنطن و تسعى إلى أن تتخصص أكاديميا في ميدان دراسات “العلاقات الدولية و شؤون الشرق الأوسط”.

و تجدر الإشارة إلى أنها درست في الجامعة الأمريكية بالقاهرة خلال شهري أب /أغسطس- أيلول /سبتمبر 2007 و تجولت في الشرق الأوسط حتى منتصف كانون الثاني /يناير 2008. و قد درست اللغة العربية لمدة أربع دورات، و تبذل قصارى جهدها للإلمام بمفردات اللغة و كتابة و تحدثا.

وتسعى تاهميزيان من أجل الحصول على منحة من مؤسسة فولبريت بغية تكريسها لدراسة “الأرمن في مصر”. و حسب رسالتها: “لقد حولني إليك د. أيمن زهري و شرح لي أنك الباحث الرائد في مجال تاريخ الجالية الأرمنية في مصر”.

ولديها طموح كبير في استثمار المنحة و الوقت في إنجاز مشروع بحثي متداخل و مركب: دورات في تنمية اللغة العربية، و أخرى في التاريخ العام لمصر الحديثة و المعاصرة، و ثالثة في تاريخ الأقليات و الجاليات بمصر، و رابعة في رصد الهجرة الأرمنية إلى مصر، و أخيرا تسليط الميكروسكوب العلمي على الحالة الأرمنية المصرية التي وصفتها بأنها “فريدة”.

وطبقا لرسالتها: “إنني متحمسة للغاية لهذا المشروع المقترح لأنه سيسنح لي فرصة العودة إلى مصر والدراسة بها، ومصر بلد أشعر تجاهه بمشاعر الارتباط القوية. علاوة على ما سبق، فإنني بصفتي أرمنية أمريكية رحل أجدادي عن تركيا إبان الجينوسيد، سأكون ممتنة إذا سنحت لي الفرصة للربط بين اهتمامي بالشرق الأوسط و اللغة العربية و بين جذوري الثقافية”.

يستند مشروع تاهميزيان البحثي إلى مقدمات نوجزها في الآتي : تعد الجالية الأرمنية في مصر إحدى الجاليات التي تمكنت من البقاء و الاستمرار و الازدهار حتى يومنا هذا في ظل تحولات سياسية محورية طرأت على البلاد. و قد احتفظت هذه الأقلية العرقية والدينية بلغتها و ثقافتها دون أن تتسبب في “إحداث صدع في نسيج المجتمع المصري”.

وبصفة عامة، تقدم الجالية الأرمنية المصرية نموذجا مثاليا لـ”التعايش المتناغم”. وتطرح الباحثة سؤلا كبيرا للغاية البعيدة من مشروعها: كيف يمكن نقل تجربة الأرمن المصريين وتطبيقها على مسيحيي السودان أو أكراد تركيا؟

أما الأهداف المباشرة من النظرة المهجرية للتجربة الأرمنية المصرية، فإن الباحثة تحددها من خلال التساؤلات الآتية: ما هي الآليات التي استخدمها الأرمن من أجل الحفاظ على علاقات وثيقة مع المصريين أهالي البلاد؟ و كيف ساعدتهم اللغة على التأقلم؟ و ما هي العوامل التي جعلت الكنيسة الأرمنية مؤسسة معترف بها في مصر؟ و كيف استمر الأرمن في الازدهار رغم الدوامات السياسية و الاجتماعية التي أصابت البلاد؟ و السؤال الأهم: كيف تمكن الأرمن من تفادي المصير الكارثي الذي آل إليه حال أقليات عرقية و دينية في دول أخرى عديدة؟ وأخيرا، تأمل تاهميزيان أن تخرج من دراستها بنظرية تمكن الجاليات والأقليات من الحفاظ على عاداتهم و معتقداتهم و تاريخهم دون الصدام مع أهالي البلاد الأصليين.
لا ريب أن مشروع تاهميزيان يحمل عدة دلالات و مؤشرات مهمة: على المستوى الوظيفي، ثمة اتجاه للاستعانة بالخبرة التاريخية لحل المعضلات الراهنة و طرح آفاق مستقبلية. و من المنظور السياسي، ينفي “انتقاء” الجالية الأرمنية المصرية كنموذج مثالي للتعايش الهارموني كثيرا من الاتهامات التي يكيلها الغرب –و بالذات الولايات المتحدة الأمريكية- عن طبيعة العلاقات الإسلامية المسيحية داخل المنظومة المصرية.

و من زاوية اجتماعية، يضرب النموذج الأرمني المصري المثل على التواصل الاجتماعي بين الأرمن و سائر البنية المجتمعية المصرية دون أي تنافر. و على الدرب الثقافي، تتمازج في الحالة الأرمنية المصرية الدائرة الأرمنية الصغيرة داخل الدائرة المصرية الكبيرة بشكل تكيفي رائع.

وباختصار شديد، يرتكز نجاح النموذج الأرمني المصري على ثلاثة ركائز ترتبط عضويا ببعضها و تتوثق عراها: طبيعة نظام الحكم المصري الذي لا يقهر الآخر و لا يسعى لصهره و يشرع من القوانين مما يحفظ له هويته في إطار المواطنة المصرية، طبيعة الشعب المصري الذي لا ينفر من الآخر و لا يوجد في جيناته كراهية الأغيار، طبيعة الشعب الأرمني القادر على التكيف دون الانصهار و الوعي بشخصية الشعب المصري وسيكولوجيته. وفي عين اللحظة يستوعب تماما، و يتشبث، بمفردات الهوية الأرمنية.

المصراوي

Leave a Reply

Your email address will not be published.