التركمان في العراق وموقفهم السياسي في إطار الحفاظ على الوحدة العراقية[1]

Iraqi_Turkmen_Frontربما يتذكر قراء “أزتاك” زيارة أرشاد هرموز، مستشار رئيس الجمهورية التركية عبد الله غول الى بيروت في شهر كانون الأول المنصرم. قلة من يعرف هوية هذا الدبلوماسي الذي يقدم منذ عام استشاراته لرئيس الدولة في السياسة الخارجية التركية إزاء الشرق الأوسط والبلاد العربية. أرشاد هرموز، أصوله ومسقط رأسه من كركوك في العراق. كان قد استقر في تركيا منذ عدة عقود. ينتمي الى الأثنية التركمانية وأحد مرشدي الطائفة واللوبي التركماني في تركيا.

من هم التركمان؟

يجب ألا نخلط بينهم وبين سكان جمهورية تركمنستان السوفيتية الاشتراكية السابقة، فالتركمان العراقيون[2]، وعلى صورة أبناء عمومهم في آسيا الوسطى، هم شعب ناطق باللغة التركية استقر في العراق منذ بداية غزوات السلاجقة حوالي عام 1055[3].

ينحدرون من الأثنية الأوغوزية، وتعود أصولهم على الأراضي العراقية الى العهد العباسي (755-1258). ويزعم أنه في تلك الحقبة، كانت نخبة جيش الخليفة تتكون في الغالب من التركمان[4].

وتؤكد مصادر قومية تركمانية بأن أجدادهم ينحدرون من الحضارة السومرية المتأصلة في بلاد ما بين النهرين حوالي عام 3500 ق. م. ويعتبر تقريباً ثلثي التركمان العراقيين من السنّة و ثلث من الشيعة. وكان يوجد أقلية صغيرة من المسيحيين حوالي 30000 نسمة مستقرين في حصن كركوك الأثري[5].

غالبية الحركات والمنظمات التركمانية تؤيد محو الانشقاقات الطائفية لصالح خطاب موحد حيث ترتكز الأسس التوافقية على الدفاع عن الهوية والثقافة التركمانية[6].

واللغة التركمانية في الحقيقة هي لهجة تركية قريبة جداً من التركية المحكية في جنوب شرق جمهورية تركيا (تحديداً في منطقة أورفا) وكذلك في جمهورية أذربيجان.

وما نجده في تلعفر أو في كركوك أنه هناك بعض الاختلافات البسيطة في اللفظ، وإجمالاً يستخدم التركمان في وسائل الاعلام المختلفة وإنتاجهم الأدبي اللغة التركية الحديثة بالحروف اللاتينية، بمعرفة اللغة نفسها المستخدمة في تركيا. إلا أنه هناك أقلية من التركمان بين الشيعة العراقيين. حيث احتفظ هؤلاء بالأبجدية العربية-الفارسية ليجهروا اللهجة التركمانية على صفحات جريدة “الدليل” وهي الناطق بلسان حزب الاتحاد التركماني الاسلامي ذات الطاعة الشيعية والمشتبهة بانتماءها الى النظام الايراني.

ما هي المناطق التركمانية وما هو ثقلهم الديموغرافي الحقيقي؟

هذا الشعب الذي يتحدث التركية مجهول من قبل وسائل الاعلام الغربية وغالبيته من الحضر، يستقر في شمال العراق في منطقة واسعة خصبة غنية بالبترول تسمى “تركمينلي” تمتد من الحدود التركية حتى الحدود الايرانية. هذه المنطقة الرخوة تغطي مدناً مثل كركوك والموصل وتلعفر أربيل وشمالاً ديالى وقاره تبي ومندلي جنوباً. وإن لم تكن هذه المدن من الغالبية التركمانية فعلياً، فهي تمتلك ثقلاً رمزياً في كونها مهد الثقافة التركمانية مثل كركوك (تعتبر عاصمة تركمينلي) وكذلك أربيل وتلعفر[7].

غدت مسألة أعداد التركمان العراقيين مادة للنزاعات الحية بسبب الصراع الذي يواجه المناصرين لكردستان مستقل والتركمان المعلقين بتركية كركوك، ولكنها لم تكن محتومة، خاصة بسبب غياب الاحصاءات الحديثة والموثوقة. وفي عام 1957 – تاريخ آخر إحصاء حول الركيزة الأثنية – قدر عدد السكان التركمان بـ 567000 نسمة على مجموع السكان 6.3 مليون عراقي أي بين 13 و16% من السكان[8].

آخذين بعين الاعتبار الازدياد الطبيعي للسكان العراقيين، فإن عدد التركمان يتفوق بشكل أساسي الى 2 مليون، ليشكل التركمان ثالث إثنية في البلاد بعد الأكراد بعدد سكانهم. ومن جهتهم، يزعم المجاهدون الأكراد أن التركمان لا يمثلون اليوم سوى 2.6 % من السكان العراقيين[9].

إن إحصاء خريف 2009 مدعو لوضع حد لهذه المجادلة. ويضاف على هذا الجدال مسألة التمثيل للسياسات المتتالية تحت النظام البعثي ومؤخراً في المناطق تحت النفوذ الكردي.

كانت حملات القمع والتعريب بخلاف السكان التركمان حاضرة تحت انتداب الرئيس عارف، – واتهموا بكونهم الفرقة الخامسة في دائرة الخدمات السرية التركية – وقد تركزت أكثر تحت نظام صدام حسين، خاصة خلال عمليات الإبادة “حملة الأنفال” التي جرت عام 1988 في منطقة كركوك.

وهكذا، منع غالبية التركمان من تعليم لغتهم في مدارسهم، بنفس الطريقة التي منعوا من نشر الكتب والمجلات بلغتهم الأم بالأحرف اللاتينية (حيث رأت النور أيام النظام الرئيس قاسم). وإن الحكام العراقيين في حينه، كانوا قلقين من الأزمات السابقة عام 1939 في الأسكندرونة السنجق السوري والتحرك التركي في قبرص، فتحركوا نحو الهدف المعلن بقطع كل الروابط السياسية والاقتصادية والثقافية مع تركيا. ومن جهة أخرى، شرعت السلطة البعثية بتحركات مهمة من التنقلات القسرية للتركمان باتجاه جنوب البلاد. فكان قدر التركمان العسكريين مهلكاً، حيث تم اعتقال وتعذيب والقضاء على الآلاف من العسكريين والمثقفين بتهمة التجسس لصالح تركيا.

خلال حرب إيران والعراق، تم وضع المجندين التركمان على خط الجبهة الأمامية تحت نيران المدفعية الايرانية.

رغم هذه المحن، احتفظ غالبيتهم برابط مخلص لوطنهم العراق. وبشكل متواز، فإن سياسة التمثيل لم تمنع مئات الآلاف من التركمان من الحفاظ على لغتهم الأم. وللذاكرة، لم تذكر الهوية التركمانية من قبل الدستور العراقي عام 1990، بل اعترفت فقط بالحقيقة الكردية.

بعد عقد من الحصار والغزو للبلاد، فإن التركمان القاطنين في مناطق تحت سيطرة قوات الجبهة الديموقراطية الكردية أضحوا وبشكل مستمر ضحايا موجة جديدة من التمثيل والتحول الى الكردية.

(يتبع)
ديكران يكافيان


[1] إن هذا التقرير هو نتيجة بحث ميداني تم تنفيذه في تركيا لدى الأوساط التركمانية في شهري نيسان – أيار 2009 . وخلال تلك الاقامة شرعنا بإقامة حوالي عشرين مقابلة مع ممثلين عن اللوبي التركماني وكذلك مع مسؤولين سياسيين ومفكرين وعسكريين ينتسبون الى هيكليات تشاركية وسياسية مختلفة متبّعة في تركيا.

[2] أو التركومان كما هو معروف في غالبية وسائل الاعلام الفرنسية.

[3] فاهرام بيدروسيان، (مركز القوقاز للدراسات الايرانية، يريفان)، تركمان العراق وتركيا، ايران والقوقاز، جزء 7، رقم 1/2 (2003)، صفحة 279-308.

[4] أرشاد هرموز، التركمان والعراق، استنبول، كركوك، 2003، ص 12-14.

[5] أنور ياكوبوغلو، تركمان العراق، استنبول، دار نشر بوغازيتشي، ص 68-70.

[6] إن محاولة الاغتيال الدموية في 20 حزيران 2009 التي أسفرت عن 64 قتيلاً بين المدنيين التركمان من الشيعة في تازا خرماتو- بالقرب من كركوك- أثارت حفيظة بين صفوف السياسيين التركمان. لم يتمكن المرشدون السنة من تعبئة وسائل الاتصال من أجل تضييق روابط الطائفية الداخلية بإعلان حداد وطني لمدة ثلاثة أيام. وللدلالة، حصل هذا الاعتداء بعد مرور يوم واحد من حضور رئيس الوزراء نوري المالكي مؤتمراً حول دور التركمان في المجتمع العراقي. وتشير مصادر بارزة في الجبهة التركمانية العراقية أن المفوضين التركمان طلبوا من رئيس الوزراء بأنه مع بداية انسحاب الجنود الأمريكيين يتم توفير الأمن من قبل قوات عسكرية مخلصة للدولة العراقية المركزية وليس من قبل البشمركا الكردية طالما يشكلون قضية.

[7] يكتب حميد بوزارسلان بحجة صحيحة بأن كركوك من قبل الخبراء الأتراك الاستراتيجيين مثل باب الحصن الطبيعي للتركية مثل شمال قبرص ولو أنه من المخاطرة المقارنة بين القضية التركمانية مع قضية الأتراك القبارصة (القضية الكردية، باريس، 2009، ص 92-93)

[8] هـ. طارق أغوزلو، تركمان العراق كعنصر للسياسة الخارجية التركية، وجهات نظر اجتماعية سياسية وديموغرافية، أنقرا، معهد السياسة الخارجية، 2001.

[9] نوري طالباني، تعريب منطقة كركوك، استنبول، 2005، ص 21-22.

Leave a Reply

Your email address will not be published.