ربى الجمال من أعمق الأصوات في الغناء العربي الحديث… من الطب إلى التألق والطرب فالمعاناة والمرض والنسيان

للأغنية علاماتها، وللصوت مزاميره وأساطينه، وللنكهة واللكنة أهلها الذين رضعوها صغاراً، فانتقلت إليهم بالغذاء الأول من صدر الأم ورحم الأرض، وهذا ما يفسر بقاء اللهجة المحلية أسيرة أبنائها، وما من أحد قدر على مجاراة اللهجة أو اللغة مهما كانت براعته، ومن الجملة الأولى أو الجمل يتوضح للسامع أن هذا الشخص ليس ابناً للهجة أو اللغة.. وثمة فروق بين اللغة الوظيفية اليومية، واللغة الفنية والطربية.. من هنا نجد أن الفنان العربي إن ترعرع في الخارج صار بعيداً عن ليونة اللهجة واللغة، فما بالنا إن كانت اللغة جامحة وتطريبية وداخلة في عمق الروح والوجدان؟!

 

ربى الجمال الظاهرة

أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن الماضي كنت على موعد بل على مواعيد مع الغناء والطرب، فمن خلال أصدقائي الذين كانوا في مواقع تسمح لهم تمكنت من حضور حفلات غنائية، وسعدت بسماع كبار المغنين والمغنيات، إلى أن صحبني أحد أصدقائي إلى سهرة تغني فيها مطربة تدعى (ربى الجمال) لتدخل المطربة بقامة مستقيمة ولباس طويل إلى الأرض، ووجه أكثر ميلاً إلى الشحوب، وأستشعر أنني أمام جلسة طربية من ذات الآهات والطرابيش وما شابه.. شدت فكانت أعذب من عذوبة الصوت، مالت بصوتها فتمايلت الرؤوس نشوة وطرباً لصوت يصعب توصيفه، فهي إن غنت «عودت عيني» غنتها كأنها لها، وإن دعت قلبها للفرح “افرح يا قلبي” ينبع صوتها من عمق الحرمان وغياب الفرح، وإن بدأت «هو صحيح الهوى غلاب» كانت تغني مسيرتها التي غلبها الهوى، وغلب عليها النصيب والقدر لتصبح المطربة القادرة ذات القدرة المميزة.

كانت ربى الجمال ظاهرة غنائية وصوتية قل مثيلها، وهي وحدها بين المطربين قدمت وصلات العمالقة السابقين، وحين انحازت إلى أغانيها الخاصة كانت مبدعة ومبهرة، فأكسبت تلك الأغنيات سمو صوتها وعمق حنجرتها، بل إن كثيرين ظنوا أغنيتها الخاصة (صعّبها بتصعب) من الأغنيات القديمة المجددة، إذ لم يظهر ذلك البون بين أغنيات خالدة نسمعها، وأغنيات جديدة.. براعة ربى وصوتها هما اللذان طبعا الأغنيات، ولم تقدر الأغنيات أن تحدد لها هوية.

المزاجية الفنية

بعد تلك السهرة المميزة التي حضرتها لربى الجمال صرت حريصاً على اختيار المكان نفسه الذي تغني فيه، ومع مداومتي لم أحظ إلا بجلستي استماع إلى مزامير ربى، فقد كانت تطل أحياناً قبل الحفلة من الباب، فلا ترتاح للصالة لتعود إلى غرفتها وتعتذر عن الغناء، وربما كان عدد الحضور عائقاً دون غنائها، وربما كان وجود أحد الأشخاص كذلك، وحين تعتذر يحل مكانها من حضر من المغنين، لتحتفظ هي بصوتها لذاتها، والمستثمر لم يكن ليزعج ربى، ويكتفي بقوله: مزاجية.. اغتظت مرات لأنني لم أسمعها، لكن المرات التي سمعتها كانت كافية لترسخ في ذهني صورة مهمة لمطربة تحترم أوتارها وصوتها وسلطنتها، واليوم أرى أن هذه المزاجية هي التي أكسبتها لدي مكانة مميزة ومهمة، لأنها لا تتعامل مع فنها وصوتها تعاملاً وظيفياً رغم حاجتها الماسة للعمل والمال في عدد من محطات حياتها التي اعتصرها الألم وملأتها الغصة، وبعد رحيلها تكتشف خيوط معاناتها الطويلة، وزادت أسهمها فهي المتألقة التي لم تتنازل عن ألقها إكراماً لظرف أو حاجة طارئة، وبقيت تسوّر ذاتها بسياج من الصوت العذب الذي حضر إلى الدنيا وغادر الدنيا دون أن يحشرج أو تطوله مذلة الظرف والحياة.. وحتى في الظروف الحالكة لم يبد على ربى الجمال أي نوع من الاستجداء وبقيت الأنفة ملازمة لها.

ربى الجمال والشهرة

كنت أظن نفسي من القلة التي تحتفظ بألق الصوت، وحين غادرت سورية للعمل في الخارج اصطحبت معي تسجيلين لها، أحدهما لأغاني أم كلثوم بصوتها وروحها، والثاني لأغنياتها الخاصة التي صدرت عام 1994، وهناك أخذت أستمع إليهما، وخاصة ألبومها الخاص، وذات مساء أيلولي كنت أتحدث مع مشرفنا هناك الأستاذ الدكتور أحمد طاهر حسنين في الطرب، ورحت أتحدث معه عن تسجيلات أم كلثوم النادرة وصالح عبد الحي وعبد الغني السيد وغيرهم، ليقول: «كلهم عالعين والراس لكن عندكم بنت سورية تهوس اسمها ربى الجمال» وراح يحدثني عن حفلها الأهم الذي أقامته في القاهرة عام 1995، وكانت المفاجأة بأنه ردد على مسامعي كلمات (صعّبها بتصعب) مبدياً إعجابه بها وبأغنياتها الخاصة علاوة على غنائها الكلثومي، وتمنى يومها لو يحظى بهذه التسجيلات، وكانت أول هدية أقدمها له، وغادرت بعد سنوات إلى سورية، وهذه التسجيلات لا تغادر آلة تسجيله!
في ذلك اليوم سررت لما وصلت إليها ربى الجمال، لكنني حزنت لأنها لا تملك هذه السمعة الكبيرة في بلدها، وهي التي قضت عمرها في دمشق وحلب تغني وتبدع، وتصدح على المسارح بشكل حي دون اللجوء إلى تسجيل الكليبات، وكل أرشيف ربى مسرحي أو يشبه المسرح.

وشهرة ربى كانت عالمية قبل العربية حين كانت تدرس الطب، ولفتت نظر مدير أوبرا باريس، فتم إشراكها في مسابقة (ماريا كالاس) ونالت المرتبة الأولى أمام أكثر من ثلاثين صوتاً نسائياً أوروبيا متميزاً، وكان صوتها أفضل صوت قرار سوبرانو في العالم لتغني على أهم مسارح العالم مثل اليلدزلار والكونكورد، ثم لتغني في مصر، وتشارك في تأبين الموسيقار محمد عبد الوهاب مع وديع الصافي في (قيس وليلى).

ربى والخصوصية الغنائية

لم تكتف ربى الجمال بالغناء للآخرين، بل عملت على أغنيات خاصة لم يعمل الإعلام على تسويقها، فغنت من ألحان: وديع الصافي، رياض البندك، سهيل عرفة، نجيب السراج، صفوان بهلوان، سعيد قطب، ماجد زين العابدين، فاروق الشرنوبي. وكانت ربى الجمال من أوائل السوريين الذين عرفوا قيمة شعر نزار قباني الغنائية، فغنت له قصيدتين هما: لماذا تخليت عني، لن أعود، وحتى اليوم لم تعمل أي جهة على طباعة تراث ربى الجمال الغنائي وجمعه وعرضه وإذاعته والترويج له، لعل في مثل هذا العمل بعض الوفاء لواحدة من بنات سورية التي أخلصت لوطنها وفنها، وبعض التكفير عن النكران الذي تعرضت له، والظلم الذي لحق بها في حياتها، وفي أخريات أيامها تحديداً.

 

المرض والوفاة

فوجئت بأحد أصدقائي يحدثني عن مرض ربى الجمال، وعن البحث عن طريقة لمساعدتها بعد أن وقعت وأصيبت بجلطة دماعية، وأخبرني يومها أن المهندس (رمزي نعسان آغا) يقوم على مثل هذا الأمر تطوعاً منه، لأسمع بعد ذلك بقليل خبر وفاتها.. وحين سألت عن الجنازة أخبرني الصديق أنها دفنت في مدافن الأرمن بدمشق، عندها فقط عرفت أن ربى الجمال تنتمي إلى الأرمن، وهذا ما يسوغ بداية حديثي، فما في لكنتها أو حديثها ما ينم عن عدم تمكن من العربية العامية والفصحى، باللهجة السورية والمصرية، وهذا أعطاها قيمة إضافية بالانتماء والإجادة.

رحلت ربى الجمال سعيدة بما أنجزت، شقية بما لقيت من الحياة وعنتها وتنكرها، وهي تحتاج منا في رقدتها الأبدية تحت الصليب المقدس إلى أن نعيد السرور إليها بإحياء ذكراها وتراثها بعد سنوات من الغياب القسري.

ربى الجمال

زونيناز خجادور قره بيتان

أرمنية من أب سوري وأم لبنانية

مواليد حلب 1966

اعتمدت في إذاعة دمشق مطربة 1979

غنت في أوبرا القاهرة 1995

شاركت في تكريم محمد عبد الوهاب

غنت على مسرح قرطاج 1998

درست طب الأطفال وانحازت للغناء

حصلت على المرتبة الأولى في مسابقة ماريا كالاس

أبدعت في الغناء لأم كلثوم وأسمهان

غنت لكبار الملحنين

غنت من شعر نزار قباني

توفيت بعد معاناة مع المرض وجلطة دماغية عام 2005

من أشهر أغنياتها الخاصة: فاكر ولا ناسي، صعّبها بتصعب، لماذا تخليت عني؟

 

إسماعيل مروة

  1. انا من متابعين ربا الجمال من صغري
    والله يا استاز إسماعيل كلامك اجى عالجرح
    لا أعتقد انو في صوت أقوى من ربا . من العهد القديم أو الجديد . المشكلة انو نحنا شعب ما منفهم . و هي إجت بمكان غلط بغض النظر عن التوقيت

Leave a Reply

Your email address will not be published.