الوجود الأرمني في لبنان يعود للقرن الثامن عشر… ودير بزمار شاهد على ذلك!

غالباً ما يتم ربط الوجود الأرمني في لبنان بالمجازر التي تعرض لها هذا الشعب في بدايات القرن العشرين، فيعتقد الكثيرون أنهم لم يطأوا الأراضي اللبنانية إلا بعد الحرب العالمية الأولى… إلا أن الأرمن قد سكنوا جبال كسروان قبل ذلك، ومنذ القرن الثامن عشر، وها إن دير سيدة بزمار يشهد على ذلك منذ أكثر من 260 عاماً.

فعلى بعد كيلومترات قليلة من جبل حريصا الذي يرتفع فيه تمثال السيدة العذراء، سيدة لبنان، يقع دير سيدة بزمار على تلّة مطلّة على أجمل ما خلقه الخالق وزيّن به طبيعة لبنان. ومن يمرّ من بزمار ولا يمرّ على هذا الدير، فهو لا يخسر فقط  رؤية كنيسة قديمة من القرن الثامن عشر، ولا زيارة لأجمل ما خلفته الحضارات المشرقية في متحف الدير، بل أيضاً التعرف على مكان عريق بتاريخه، مقدّس بمثابرة وتقوى أبنائه، ودار للثقافة بمكتبته التي تحوي أبرز المخطوطات الأرمنية والعربية والعجمية والسريانية… وبالتالي، فهو لن يرى دليلاً حياً آخر على أن لبنان هو فعلاً أرض اللجوء الدائم للطوائف التي تفتّش عن الحرية عبر العصور!

هرباً من الإضطهاد

رغم أن “الكنيسة الأرمنية كانت قد أعلنت انفصالها عن كنيسة روما في المجمع الكالسيدوني عام 450، أي قبل الإنقسام بين الشرق والغرب، فإن بعض الأساقفة الأرمن كانوا يؤمنون بضرورة الوحدة مع روما، ومن بينهم البطريرك ابراهام بطرس الأول أرزيفيان مؤسس دير بزمار”، وفق ما أكد أحد كهنة الدير الأب موسى لـ”النشرة”. ولأن البطريرك أرزفيان كان من أشدّ الدعاة إلى الكثلكة الأرمنية، تعرّض لملاحقة السلطنة العثمانية التي كانت قد أكثرت من حدّة اضطهاداتها ضد المسيحيين في حلب ما دفع عدداً كبيراً من العائلات الأرمنية للجوء إلى لبنان، ولا سيما الأرمن الكاثوليك حيث أنهم كانوا يواجهون الإضطهاد العثماني من جهة، ونوعاً من الرفض من قبل أرمينيا أيضاً حيث الغالبية الأرثوذكسية من جهة أخرى. وسرعان ما حكمت السلطنة العثمانية على البطريرك أرزيفيان بالسجن والنفي إلى جزيرة أرواد.

وبعد تدخل أحد الموارنة من آل طربيه لدى والي طرابلس آنذاك وسفير فرنسا في الآستانة، تمكن البطريرك (الذي كان لا يزال أسقفاً) من اللجوء إلى جبل لبنان، وأقام عند الرهبان الأرمن الأنطونيين في دير الكريم. وبعد فترة، عاد إلى أبرشيته في حلب وانتخب بطريركاً للطائفة عام 1740، وقدم إلى لبنان حيث سعى لنتظيم شؤون طائفته. وقام اثر ذلك بزيارة البابا بنديكتوس الرابع عشر وحصل على بركته فهنأه موارنة لبنان وعلى رأسهم البطريرك سمعان عواد.

وفي الواقع، فإن تاريخ دير بزمار مرتبط ارتباطاً وطيداً بحدث تعيين أرزيفيان كأول بطريرك على طائفة الأرمن الكاثوليك. فهو كان قد أسس دير الكريم بين سنتي 1720 و1722، ومن ثم قرر انشاء مقر بطريركي، فوهب أحد مشايخ آل الخازن الأرض له وهو الشيخ مشرف الذي وقف له أرضاً مقابل مبلغ رمزي عام 1748. فباشر في بناء الدير عام 1739 لكنه توفي قبل أن يسكن فيه، فتابع خلفه هذا المشروع وهو البطريرك يعقوب بطرس الثاني الذي تمكن من إنجازه وأقام فيه عام 1750.

وتجدر الإشارة إلى أنه في هذا الدير عقد مجمع الكنيسة الأرمنية الأول وسمي بمجمع بزمار.
ورغم كونه مقراً بطريركاً منذ القرن الثامن عشر، فإن 8 بطاركة فقط سكنوا فيه وفق ما يؤكد الأب موسى، الذي يشير إلى أنهم “استمروا بالعيش فيه حتى عام 1867 حين جعلوا مقرهم في اسطنبول، وذلك بعد اتحاد كرسي البطريركية بكرسي الكاثوليكوس. ولكن في عام 1928 عادوا إلى بيروت وبزمار بسبب الإضطهادات والمجازر”. واليوم، أصبح الدير المقر الصيفي لبطريرك الأرمن الكاثوليك في لبنان.

أقسام الدير تجمع بين الأصالة والحداثة

أكثر من 260 عاماً مرت على دير بزمار، ما يجعل منه مقراً تاريخياً بامتياز ومن أقدم المقامات الدينية الأرمنية في لبنان وأكثرها اتساعاً. فأبنية الدير تمتد ضمن مساحة 200 هكتاراً ووسط غابات الصنوبر والسرو، وتمتد من حولها الأراضي الزراعية والخوابي…
بعد الدخول من بوابة الدير الرئيسية، تصل إلى باحة صغيرة… وتدخل إلى قلب الدير، فأول ما تراه كنيسة انتقال العذراء على اليسار، والمدخل الرئيسي للدير أمامك… ومن ثم، غرف ومكاتب وصالونات.. وباحات صغيرة ومن بينها ساحة البئر حيث كانت تتجمع مياه الأمطار، وهي ساحة مطلة على غابات كسروان. يمكن تقسيم الدير إلى جزءين كبيرين: الجزء القديم والحديث.

الجزء القديم الذي يحتوي على صالونات للضيوف ومتحف الطوباوي مالويان ومكاتب وخمّارة، ويحتوي أيضاً على  كنيسة سيدة الإنتقال وهي تقريباً في الوسط، وقربها كابيلا سيدة بزمار العجائبية. وفي هذا الإطار، يشرح الأب موسى أن عدداً كبيراً من الناس قد أودع النذورات في الكنيسة بعد التماسه نعماً باسم العذراء التي يسميها البعض بسيدة الصواعق بسبب حادث حصل في القرن التاسع عشر.

والكنيسة هي ذات هندسة أرمنية بامتياز، وترتفع قبّتها على شكل الرقم 8 باللغة العربية  (^) وهذا يرمز للتوجه صوب الله عبر الصلوات المرفوعة إليه ويرمز أيضاً للروح القدس الذي ينزل على المعمّدين عبر مواهبه.

أما القسم الحديث من الدير والذي بني في أواخر القرن الماضي، فهو مؤلف من مسكن للكهنة، ومن الجزء الثاني من المتحف بالإضافة إلى المكتبة.

وبالتالي، فإن هذا الدير ليس فقط مقاماً دينياً بل أيضاً هو حافظ للحضارة المشرقية.. فقد احتفظ بكل ما استخدمه الكهنة والرهبان، قطعة قطعة، فتحول إلى متحف كبير.

دير بزمار حافظ للإرث الثقافي المشرقي

متحف بزمار واسع ويتألف من 6 غرف مفتوحة على بعضها البعض، وهو يجمع بين الأواني الكنسية والأدوات التي كانت تستخدم في المناسبات الدينية من جهة، ومقتنيات حضارية متنوعة من حقبات تاريخية متعددة: فينيقية، أشورية، رومانية، بيزنطية. ومصدر هذه الأثار يأتي من أرمينيا وبعض مناطق سوريا ولبنان التي كان الأرمن قد سكنوا فيها.

عرف هذا الدير إذاً كيف يحافظ على الإرث الثقافي الكبير لهذه الطائفة، وللحضارات المشرقية بالإجمال. ففيه نجد أكبر موسوعة عملات نقدية كانت تستخدم في حقبات تاريخية متعددة، وبعض المخطوطات القديمة التي حفظ جزء منها بالمتحف.

وبالإضافة إلى ما يحويه متحف الدير، أتت المكتبة لتضفي على هذا الغنى الثقافي أكثر من 40 ألف كتاب محفوظ فيها، إلى جانب المخطوطات القديمة أيضاً والموجودة باللغات الأرمنية واللاتينية واليونانية والسريانية وغيرها… ويعود البعض منها للقرن الثالث عشر وكتبت على جلود الحيوانات. كما تضم مكتبة الدير أيضاً الكثير من الأناجيل القديمة.

ويخلص أحد زوار الدير الذين التقيناهم إلى القول أن “دير بزمار هو الذي ثبّت الأرمن الكاثوليك في لبنان، حتى قبل أن يستقروا في هذا الوطن ويجعلوا منه وطنهم”، مؤكداً أنه “يزوره كلما تمكن من ذلك، خصوصاً في فصل الصيف”.

ولا تقتصر الصورة الثقافية والحضارية في الدير على المتحف والمكتبة، وعلى الهندسة الجميلة التي ترتكز على العقود، فاللوحات الفنية في كل أقسام الدير وغرفه، وكنائسه أيضاً غنية بالرسومات. فالكنائس الأرمنية لا تضع التماثيل ولا تكتب الأيقونات بل تزيّن جدرانها بصور ورسومات. ففي كنيسة الدير الصغيرة، هنالك لوحة للقديسة مريم سيدة الآلام أهداها كاردينال إيطالي للدير بعد زيارة البطريرك أرزيفيان إلى روما ولقائه البابا بنديكتوس الرابع عشر. وهذه اللوحة يرجح البعض أنها قد رسمت على يد الفنان الإيطالي رافاييلو سانزيو، إنما البعض الآخر ينسبها لأحد تلاميذه، ويعود تاريخها للقرن السادس عشر.
وفي الكنيسة الكبيرة الأثرية التي بنيت عام 1771، نجد لوحة لانتقال العذراء مريم إلى السماء والتي تعود للقرن السابع عشر. وفي أعلى القبة، رسم جداري للروح القدس وهو يمثل حلول الروح القدس على الكنيسة المجتمعة.

ورغم أن الدير عريق على الصعيدين الروحي والحضاري، فإنه لم يهمل المهمة الأساسية التي تأسس لأجلها وهي: تدريب تلامذة الكهنوت وإرسال الكهنة إلى رسالات في مختلف المناطق والبلدان، وهو اليوم يضم في الإكليركية التابعة إليه 12 تلميذاً. وبالإضافة إلى ذلك، فهو لا يخبئ هذا الغنى لأهل داره أو لأبناء رعيته فقط بل أبوابه مفتوحة دائماً لإستقبال الزوار. وهنا، يشير الأب موسى إلى أن “الزيارات دائمة للدير من قبل أهل البلدات المجاورة ومن قبل مختلف اللبنانيين… فالكل يأتي لزيارة العذراء، ونرى نذورات كثيرة”. ويلعب الدير أيضاً دوراً في السياحة الدينية، فيستقبل عدداً من الأجانب كل عام “يأتون لزيارته خصوصاً في ظل وجود فندق قريب مما يشجعهم على التعرف إليه، وهم يهتمون خصوصاً بزيارة المتحف”، بحسب الأب موسى.

ينظر الدير اليوم إلى المستقبل القريب أيضاً، حيث سيستضيف البابا بنديكتوس السادس عشر الذي سيشارك في غداء الأساقفة والبطاركة الكاثوليك في كنفه خلال زيارته إلى لبنان في أيلول المقبل. وفي هذا الإطار يوضح الأب موسى أنه “تم اختيار دير بزمار نظراً لأهميته التاريخية”، كاشفاً لـ”النشرة” أنه “خلال زيارة البابا، سيتم افتتاح تمثال في باحة الدير يجسّد راهباً يحمل كتاباً، وذلك بمناسبة مرور 500 سنة على طباعة أول كتاب بالحرف الأرمني”. ويصف هذه الزيارة بـ”التاريخية”.

في الختام، لو كان بإمكان الحجارة أن تتكلم، لأخبرتنا عن ألم هذا الشعب ومسيرته الطويلة… فهي التي تسمع أسرار زواره وصلواتهم التي لم تنقطع منذ 260 عاماً وحتى اليوم… ولكنها صامتة… وصامدة، لتشير إلى نقطة تلاقٍ فريدة بين الثقافة الأرمنية والثقافة اللبنانية اللتين اندمجتا تحت سقف دير بزمار.

مارسيل عيراني

النشرة

Leave a Reply

Your email address will not be published.