رحلة إلى أرمينيا

 حسين نشوان

قبل أيام كنا في زيارة لأرمينيا، وهي دولة صغيرة وجميلة، لها تاريخ طويل وامتداد حضاري عميق، تجمع بين الشرق والغرب، لكنها تتفرد بروحها التي تعشق الموسيقى والشعر والعمارة والكتاب.

وعلى ما ينطوي تاريخ شعبها من معاناة، إلا أنه لفرط ودّ وطيبة وسلام مع الذات، يعبّر في فنونه ونصوصه وحتى أسماء الأماكن عن روحه المتفائلة التي تحب الحياة، فالموسيقى والرقصات لا تستعير الحزن، بل تشف عن جمال يردد صدى الحب، وصوت السنونو.

في غالبية اللقاءات تحدث أصدقاء عن احتفال ساحر نظمته «يريفان»، عاصمة أرمينيا التي اختيرت بعد بيروت عاصمة للكتاب العالمي، وللاهتمام الذي تبديه المدينة بالمناسبة، فقد أقيم الحفل بمشاركة مغني الأوبرا أندريه بوتشيلي، وأقامت دار الأوبرا عرض «سبارتكوس» محرر العبيد.

وتسنى لنا خلال الزيارة والرحلات إلى المتاحف والمعابد والكنائس، معرفة قيمة الكتاب ومكانته في الثقافة الأرمنية التي حاكت حوله القصص والأساطير، وربما يأتي مثل هذا الاهتمام لإحساسٍ بالخوف على الذاكرة التي تعرضت لمحاولات المحو والإلغاء وقت المذبحة التي ارتكبها العثمانيون العام 1914، وما قبلها، وفي مثل ذلك تغدو الكتابة نوعاً من الدفاع عن الذات و«النضال ضد الموت»، والكتاب في مثابة الصورة التي تدون الذات.

في السياق، فإن الحديث عن موضوع الكتاب لا يجيء ضمن سياق المقارنات مع أحد، بل هو محاولة لإلقاء الضوء على كيفية تعبير الشعب الأرمني عن حبه للكتاب. فاتحاد كتاب أرمينيا الذي ينتسب له 500 عضو، يملك دار نشر ومطبعة، ودشن مقره منذ 1945، وهو بحسب رئيسه ليفون انانيان، يطبع 1200 عنوان سنوياً، بمعنى أن كل كاتب يملك إمكانية طباعة كتابين على الأقل في السنة، وأن الاتحاد ينتج في اليوم نحو ثلاثة عناوين.

ولفرط اهتمام المدينة بالكتاب، اختارت أجمل الأماكن المطلة لإقامة متحف المخطوطات الذي يمثل آية في العمارة والفن، وهو يمتد على مساحة 12 ألف متر مربع، ويحتوي على كنوز ثمينة في جميع لغات العالم القديمة والحديثة، ومنها مخطوطات عربية نادرة في مختلف الفنون. وقد صُمم المتحف لحفظ الكتب ونجاتها حتى في ظل حرب نووية، حيث تهبط الكتب إلى «قاصات» تحت الأرض.

ومن الحكايات والمرويات، أنه خلال الاجتياح المغولي لإحدى المدن في أرمينيا، حاول تيمورلنك إجبار سكان المنطقة على إيصاله لمخابئ الذهب، فامتنعوا، فنصحه مستشاروه أن يهدد بحرق مكتبة «دير غوشا منك»، لأن الكتب عندهم أغلى من الذهب، وبالفعل سلّموه ما أراد مقابل عدم مسّ الكتب. لكن الأهالي في منطقة طاووش يتحدثون بأسى عن تعرض المكتبة نفسها للحرق وقت حكم ستالين.

رمزية الكتاب في ثقافة أرمينيا تعادل النفس والولد والذاكرة والحياة، فالأمهات اللواتي أُجبرن على اللجوء تحزمن بقماش حول أجسادهن، ووضعن أطفالهن على صدورهن والكتب على ظهورهن.

الكتاب بالنسبة لأرمينيا هو كينونة تشتمل اللغة والهوية، ومما يُروى أن إحدى الأمهات لم تستطع -لكبر حجم الكتاب- أن تحمّله لواحدة من ابنتيها الصغيرتين، فاضطرت لقسمته إلى نصفين، وفي رحلة النفي والهجرة ضلّت كلٌّ من الفتاتين طريقها، وبعد وقت طويل، اهتدت إلى شقيقتها بنصف الكتاب.

ربما تنطوي الحكاية على كثير من المحمولات، لكن الرمزية الأساس تقول: من يملك المعرفة لا يمكن أن يضلّ طريقه. يقال: إذا أردت أن تعرف شعباً، سافر إلى عقله.

الرأي

Leave a Reply

Your email address will not be published.