“عبر جدار النار” لموريال ميراك فايسباخ: أرمينيا العراق فلسطين هل السلام ممكن التحقق؟

تتناول الكاتبة الأرمنية موريال ميراك فايسباخ في كتابها “عبر جدار النار، ارمينيا- العراق- فلسطين”، الصادر عن “شركة المطبوعات للتوزيع والنشر”، مسألة ما اذا كان في امكان الشعوب التي تقاتلت، أو تم تأليبها بعضها على بعض في ما تمت اثارته وتحريكه من نزاع جغراسي، أن تتوصل الى المصالحة الحقيقية والسلام.

انطلقت الكاتبة من هذا السؤال للبحث عن جواب من خلال ثلاثة نماذج شهدت حروبا ومآسي ومذابح، هي المذبحة الارمنية في العام 1915، والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني عام 1948، وحربا اميركا وبريطانيا على العراق عامي 1991 و2003. استندت الكاتبة في بحثها الى تجربتها الشخصية من جهة، او من خلال تاريخ عائلتها الارمنية من جهة اخرى، والى عملها الصحافي الذي امتد لسنوات في منطقة الشرق الاوسط.

تشير الكاتبة الى انها لم تدرك حقيقة مذبحة الأرمن الا بعدما باتت كبيرة، الا ان المذبحة حكمت حياتها وصاغت آفاقها وعملها اللاحق. تقول ان قصدها ان تروي “تجربة التطهير العرقي والابادة الجماعية والحرب من وجهة نظر من كانوا اطفالا حينذاك، وان اوصل طبيعة الاصابة التي عانوها. فمن خلال الالمام بالواقع النفسي العميق على الاطفال، يمكن الآخرين فحسب ان يدركوا كيف يمكن تمرير الاجحاف والحقد والعطش الى الانتقام من جيل الى جيل الى ان يبدو ان لا وجود لأي حل في الافق”. في المذبحة الارمنية، احتل الايتام الذين نجوا من القتل دور الشاهد على الفظاعات التي ارتكبت في حق اهلهم وبني قومهم.

لقد استغرق الكثير من الوقت لمعالجة اليتامى الارمن من هول ما اصابهم في مجازر 1915 و1916، التي كانت في حقيقتها حملة ابادة للقضاء على شعب بأكمله. كان الاتراك يجمعون السكان من الرجال والنساء والاطفال، يأخذون كل مجموعة على حدة الى مكان بعيد، فيطلقون النار عليها ويقتلونها كلها. تعترف الكاتبة ان الالوف من الاطفال الارمن يدينون ببقائهم على قيد الحياة الى العطف الانساني الذي لاقوه من السكان الاتراك.

في المذبحة الارمنية يُطرح سؤال: هل يتمكن زعماء ارمينيا وتركيا السياسيون من الوصول الى المصالحة في سبيل مصلحة مستقبل شعبيهم؟ و”هل يمكنهم التعالي على المفهوم الخاطئ لـ”الذنب الجماعي” عن اعمال ارتكبتها قوى سياسية محددة منذ قرن مضى، ويسعون الى اعادة احلال روح التعايش التي وجدت على مدى قرون بين الشعبين قبل الحرب العالمية الاولى”؟، على ما تتساءل الكاتبة.

في تناولها للعراق، تقدم تجربتها الخاصة في الاغاثة خلال حرب العام 1991 بعد غزو الكويت، والصعوبات التي واجهتها في ايصال المساعدات الانسانية الى الاطفال العراقيين، خصوصا من “تلك الجهات الملتزمة الاستمرار في حملة الابادة ضد العراق في اي شكل من الاشكال”، وهي جهات من مراتب عسكرية عليا. تروي الكاتبة كيف ان لجنة العقوبات التابعة لمجلس الامن، التي تدقق في شحنات الاغاثة، منعت مرةً وصول الاقلام المخصصة لتلامذة المدارس العراقية لانها تحوي رصاصا قد يستخدم في انتاج اسلحة الدمار الشامل.

في الانتقال الى القضية الفلسطينية، تتساءل الكاتبة عن مدى امكان التفاؤل بتحقيق السلام، بعد تجربة اوسلو مطلع تسعينات القرن الماضي. فعلى رغم توقيع اتفاقات اوسلو ظلت المسائل الاكثر دقة وتعقيدا بدون حلول: القدس، اللاجئون، المستوطنات، الترتيبات الامنية، الحدود، العلاقات والتعاون مع الجيران الاخرين. لكن الاحداث التي تلت توقيع الاتفاقات لم تكن تسمح بالتفاؤل، حيث شنت اسرائيل حروبا متتابعة في غزة والضفة الغربية، لم تكن اقل وحشية وابادة عما عرفته المجازر الارمنية او المجازر التي ارتكبها الاميركيون والبريطانيون في حرب العراق. لم تكتف اسرائيل بالقتل عبر آلتها العسكرية، بل استكملت هذه العملية بتدمير بيوت الفلسطينيين سعيا الى تهجيرهم بشكل نهائي. شكلت سياسة الابادة ضد الشعب الفلسطيني منهجا اعتمدته اسرائيل لتكريس هيمنتها، ثم طرد ما بقي من الشعب الفلسطيني من ارضه، املا في احلال سكان يهود مكان السكان العرب، بما يسهل لاحقا اقامة الدولة اليهودية الصافية، لذلك يُتوقع ان تشهد ارض فلسطين المزيد من المجازر في مراحل لاحقة من خطة تنفيذ مشروع اسرائيل: دولة يهودية.

تطرح المسائل الثلاث التي اثارتها الكاتبة معضلة السلام ووسائل تحققه.  الدرس الاساسي الذي برهنت عليه التجربة هو ان السلام مستحيل التحقق مع الارهاب وعدم الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعوب، وفي ظل سياسة هيمنة القوى الغربية على مصادر الثروة العربية، واستغلال الشعوب العربية لتحقيق مآربها.

النهار

Leave a Reply

Your email address will not be published.