ناغورني كاراباخ… عصي على التفجير… عوامل عدة أخرجته من تحت الرماد

طفا على سطح الأحداث الدولية في الأسابيع الأخيرة التوتر الآخذ في التنامي بين أرمينيا وأذربيجان في ملف ناغورني كاراباخ الذي لايزال يعتمل تحت الرماد، وهو ما عكسته المواقف القلقة من جانب الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الروسي والاتحاد الأوروبي.

فقبل أيام وجّهت أرمينيا تحذيراً إلى جارتها أذربيجان بأنها مستعدة للحرب وسط تصاعد التوتر الذي زاد سخونة بعد حادثين لافتين: الأول، في يونيو الماضي حيث قتل خمسة جنود آذريين وثلاثة أرمن في اشتباك حدودي. والثاني، تكريم السلطات الأذربيجانية ضابطاً ذبح زميل أرميني خلال دورة تدريبية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بودابست قبل أعوام.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا الآن؟

رغم أن الخلاف بين يريفان وباكو مستعصٍ على الحل طوال ربع قرن استهلكت خلاله جولات عدة من المفاوضات إلاّ أن هناك معطيات مستجدة تومئ بأن الملف الساخن وضع على سكة الحل وإن كان الغلاف الخارجي يشير إلى تسخين، عائد، ربّما، إلى ارتفاع منسوب الحرب الباردة بين القوى العظمى في الملف السوري الدامي.. ولعلّ ابرز هذه المتغيّرات وصول رئيسيْن «جديدين» لسدة الحكم في فرنسا (فرانسوا هولاند) وروسيا (فلاديمير بوتين) وتقاطع واضح في العلاقات بين أنقرة وباريس بعد أعوام من الجفاء خلال عهد الرئيس نيكولا ساركوزي الذي استفز الأتراك في ملف إبادة الأرمن في مطالع القرن الماضي.

ومع اختفاء ساركوزي عن المشهد وبالتالي تكاثر إشارات تقارب بين أنقرة وباريس ظهر تفعيل تركي لسياسة إسدال الستار على الأزمات، ترافقت مع تحركات أميركية روسية لافتة على صفحات هذا الملف. ففي يونيو زارت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون باكو سريعاً بعد الاشتباك على الحدود الأرمينية الأذربيجانية ودعت إلى التهدئة لتلافي «عواقب كارثية وغير متوقعة» وهذا لايمكن أن يتأتّى دون تحريك دبلوماسي للملف.. وهو ما يمكن تلمسه في تشديدها على ضرورة «كسر دورة العنف والانتقام».

دوافع الاهتمام

ما الدوافع لهذا الاهتمام بعد أعوام من التجاهل والمراوحة؟

الدافع الأول، هو النفط وبخاصة للولايات المتحدة.

الدافع الثاني، مسعى روسيا لـ «وخز» تركيا التي تلعب دوراً ضاغطاً في الملف السوري والذي تتصادم فيه مع موسكو القريبة جداً من يريفان.

الدافع الثالث: السياسة الروسية التقليدية في دق مسامير جحا بأجساد الجمهوريات السوفيتية السابقة التي لا تخفي موسكو رغبتها استعادة نفوذها الضائع عليها. ففي أوكرانيا، يفتح حلفاؤها ملف اعتماد اللغة الروسية كلغة رسمية في بلد يبلغ عدد الروس فيه نحو 20 في المئة يتركزون في الشطر الشرقي القريب من روسيا على وجه الخصوص، والذي يحتضن قاعدة عسكرية روسية في شبه جزيرة القرم، التي بدورها تشهد بين الفينة والأخرى ظهوراً مفاجئاً لعناصر إسلامية متطرفة، سرعان ما تختفي، يقال إنها مرتبطة بالحراك الإسلامي في القوقاز الروسي، في ما يمكن اعتباره ملفا تحت الطلب «تبتز» فيه أخواتها السابقين.

والأمر عينه حصل في إقليمي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا الجورجيين، اللذين خاض الكرملين من أجلهما حرباً مدمرة مع تبليسي أدى إلى اعتراف موسكو بهما كدولتين مستقلتين، بسبب غالبية سكانهما الروس. أما في مولدوفا، فهناك جمهورية ترانسنيستريا الانفصالية المدعومة روسياً وأبخازياً وأوسيتياً. وبما أن كاراباخ تتوافر فيه الظروف الموضوعية لأوسيتيا وأبخازيا وترانسنيستريا، خاصة أن يريفان حليفة تاريخية لموسكو، فإن التصعيد الحالي قد ينظر إليه على أنه سعي للحصول على مكاسب من هذا الطرف أو ذاك وتقوية موقفها في حديقتها الخلفية السليبة.

الدافع الرابع، إحساس أنقرة أن ثقلها السياسي والاقتصادي يؤهلها للعب دور أوسع، وخاصة في المناطق التي تتمتع فيها بنفوذ، ومن هنا يفرض النزاع الأرميني الأذري نفسه لجهة عرقلته النهضة الاقتصادية للمنطقة.

هذا الملف سيكون في صلب المحادثات المرتقبة خلال الأيام المقبلة بين الرئيس إلهام علييف ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان.

وكان لافتاً هنا المحادثات التي أجراها أمين عام حلف الأطلسي أندروس فوغ راسموسن مع الرئيسين الأرمني والأذري خلال أقل من أسبوعيْن. ورغم أن بعض المراقبين يرون في عودة التوتر تسخيناً لا تبريداً وانضمام هذا الملف إلى الصراع الكوني الذي تدور رحاه في معالجات الأزمة السورية الدامية، إلاّ أن الأكيد أن هناك رغبة على عدم نزع فتيل هذا الملف. إذ يمكن تلمّس ادراك أميركي روسي أوروبي، يواكبه قبول تركي، بضرورة تحريك هذا الملف إيجابياً لمصلحة الاستقرار الاقليمي في ضوء توترات في أكثر من بقعة جغرافية.

وملامح عودة الحرب الباردة مع تزايد الاستقطاب الحاصل بين روسيا من جهة والغرب وتركيا من جهة ثانية في معالجة الملف السوري وهو ما عكسه بيان ثلاثي: اميركي روسي فرنسي على هامش قمة العشرين في 19 يونيو الماضي قال صراحة إن مجريات تسوية النزاع في كاراباخ «غير مرضية» وتوجيه الرؤساء: باراك اوباما وفلاديمير بوتين وفرانسوا هولاند الدعوة إلى نظيريْهم: الأذربيجاني الهام علييف والارميني سيرج ساركسيان إلى تعجيل عملية تنسيق مبادئ تسوية النزاع وضمان السلام الشامل وتعجيل تفعيل المبادئ الأساسية لتسوية النزاع والتخلي عن المواقف المتعنتة أثناء المفاوضات والالتزام باتفاقية وقف اطلاق النار الموقعة في العام 1994 وتجنب العبارات العدائية.

أمل في استقرار

عقدت الجالية الأذربيجانية في الإمارات مؤتمراً حمل عنوان «تهديدات حقيقية لصراع كاراباغ على السلام والأمن في العالم» حضره خبراء عرب وأتراك فضلاً عن علماء دين.

وألقى رئيس الجالية الأذربيجانية في الإمارات سامر عادل إيمانوف كلمة افتتاحية استعرض فيها تاريخ مشكلة كاراباغ، واحتلال سبع مناطق مجاورة للإقليم مطلع تسعينات القرن الماضي. وركّز على أن سكان الإقليم، الذين أصبحوا لاجئين في وطنهم ويتوزّعون على نحو 48 منطقة، ينتظرون بفارغ الصبر حل النزاع «حلاً عادلاً».

وأضاف إيمانوف إن احتلال الأراضي الأذربيجانية يعتبر تهديداً لـ «جميع المنطقة… ويوقف التطور الاقتصادي للمنطقة كاملاً وقبل كل شيء تطور جمهورية أرمينيا»، مستطرداً أن المنطقة مقبلة على «مشاريع جبارة» بسبب مقدّراتها.

وتحدّث المسؤول الأذربيجاني عن المستقبل الاقتصادي الواعد لبلاده، فقال إن «أذربيجان اليوم تحت قيادة إلهام علييف تعتبر أحد أسرع الاقتصادات المتطورة في العالم مع مد شبكات أنابيب البترول والغاز» والدور الذي تلعبه كممر للطاقة بين الشرق والغرب وتأمين الطاقة لأوروبا. ولفت إلى أنّ أذربيجان حقّقت في السنوات الأخيرة نجاحات في المجال الاقتصادي وسجّلت أعلى معدلات النمو في الاقتصاد العالمي خلال العقد الأخير، مشيراً إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي إلى ثلاثة امثاله في غضون تسع سنوات.

نضال حمدان

البيان

Leave a Reply

Your email address will not be published.